Uncategorizedأوراق و دراساتسياسية

الصين والصومال: ديناميات التقارب والنفوذ في بيئة شرق أوسطية متغيرة

د. عبدالقادر غولني (الصومال)

دكتوراه العلوم السياسية والدراسات الإفريقية، جامعة إفريقيا العالمية – السودان

مستخلص

تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية معمّقة لطبيعة التحوّلات التي تشهدها السياسة الصينية في الشرق الأوسط، من خلال تتبّع انتقالها من مرحلة الانخراط الاقتصادي الحذر إلى مرحلة جديدة تتسم بحضور متعدد الأبعاد يشمل الاقتصاد والسياسة والأمن والدبلوماسية. ويُستخدم الصومال بوصفه نموذجًا تطبيقيًا لفهم كيفية اشتغال هذه الاستراتيجية في بيئة دولة هشّة ذات موقع جيواستراتيجي بالغ الحساسية، تقع عند تقاطع المصالح الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.

ينطلق التحليل من فرضية مركزية مفادها أن الصين لا تعتمد في الشرق الأوسط على بناء تحالفات صلبة أو الدخول في ترتيبات أمنية مباشرة، بل تتبنّى نمطًا براغماتيًا يقوم على مبدأ عدم التدخل وربط الاستقرار بالتنمية، مع توظيف أدوات القوة الاقتصادية – من استثمارات، وقروض، وبنية تحتية، وموانئ – بوصفها مدخلًا لبناء نفوذ طويل الأمد منخفض الكلفة السياسية.

وفي حالة الصومال، يتجلى هذا النهج من خلال تركيز الصين على مشاريع إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات الموانئ، وتقديم المساعدات التنموية، إلى جانب انخراط دبلوماسي هادئ عبر الأطر متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والمنتديات الصينية–الإفريقية.

وتكشف دراسة الحالة الصومالية أن الصين تتعامل مع الدول الهشّة باعتبارها فضاءات اختبار لمدى قدرتها على المواءمة بين خطاب “الصعود السلمي” ومتطلبات الحضور الاستراتيجي في مناطق حساسة، دون الانجرار إلى أعباء أمنية مباشرة أو تورّط عسكري. كما تُظهر أن بكين توظّف تجربتها في الصومال لتعزيز سرديتها كقوة غير استعمارية، تقدّم نموذجًا مختلفًا عن القوى الغربية، قائمًا على الشراكة والتنمية واحترام السيادة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مصالحها الحيوية المرتبطة بأمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

وتبرز الدراسة كذلك كيف أن التحولات الإقليمية – بما في ذلك التنافس الدولي في البحر الأحمر، وتغيّر أولويات القوى الغربية، وتنامي دور الفاعلين الإقليميين – قد فتحت أمام الصين فرصًا جديدة لإعادة صياغة حضورها في المنطقة. ويُظهر التحليل أن المحددات الداخلية الصينية، ولا سيما قضايا الأمن القومي والهوية والاستقرار الداخلي، تلعب دورًا مهمًا في تشكيل خطاب بكين وسلوكها تجاه قضايا الإرهاب، والحوكمة، والدين، والاستقرار السياسي في الشرق الأوسط.

وخلصت الدراسة إلى أن العلاقات الصينية–الشرق أوسطية، كما تعكسها حالة الصومال، تمثل نموذجًا لانخراط محسوب منخفض الكلفة السياسية، يوازن بين الطموح الجيوسياسي والحذر الاستراتيجي، ويعكس قدرة الصين على بناء نفوذ تدريجي عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية ناعمة، دون الدخول في التزامات أمنية مباشرة. كما يبرز أن الصومال يشكّل حالة نموذجية لفهم كيفية توظيف الصين لمقاربتها التنموية في بيئة مضطربة، وكيف تسعى من خلالها إلى تعزيز حضورها في منطقة تشهد تحولات استراتيجية متسارعة.

الكلمات المفتاحية:

الصومال؛ الصين؛ الشرق الأوسط؛ النفوذ الصيني؛ الحزام والطريق؛ القرن الإفريقي؛ البحر الأحمر؛ التنمية؛ الاستقرار؛ الدبلوماسية الصينية؛ الممرات البحرية؛ التنافس الدولي.

مقدمة:

شهد النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين تحولات متسارعة وعميقة أعادت تشكيل بنية القوة على المستوى العالمي، ودفعت نحو تآكل الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة وصعود قوى دولية منافسة، وفي مقدمتها الصين. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي، وتغيير طبيعة التفاعلات بين الفاعلين الدوليين، بما في ذلك القوى الإقليمية الصاعدة.

 وانعكست هذه الديناميات الجديدة بوضوح على الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، حيث أصبحت المنطقة إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. ويعود ذلك إلى تزايد الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية، واشتداد الصراع على موارد الطاقة، وتحول التجارة العالمية إلى أداة ضغط ومساومة في سياق التنافس الدولي. ونتيجة لذلك، باتت المنطقة تشهد إعادة تموضع مستمرة للقوى الإقليمية والدولية، في إطار صراع متعدد المستويات على النفوذ، والأمن، ومصادر القوة الاقتصادية.

في هذا السياق، برزت الصين بوصفها فاعلًا دوليًا صاعدًا يسعى إلى توسيع حضوره في المناطق الحيوية، معتمدةً مقاربة تقوم على القوة الاقتصادية، والدبلوماسية الهادئة، وحماية المصالح البحرية، دون الانخراط في تحالفات عسكرية أو تدخلات مباشرة. ويُعدّ الشرق الأوسط — بما فيه القرن الإفريقي — أحد أهم مسارح هذا التحول، نظرًا لموقعه الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، واحتضانه لممرات بحرية استراتيجية مثل البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

ويمثّل الصومال حالة نموذجية لفهم كيفية اشتغال الاستراتيجية الجيوسياسية الصينية في بيئة هشّة ذات موقع استراتيجي بالغ الحساسية. فالصومال يقع على واحد من أهم طرق التجارة العالمية، ويطل على ممرات بحرية تمر عبرها نسبة كبيرة من واردات الصين من الطاقة، كما يشكّل جزءًا من شبكة الموانئ والممرات البحرية التي ترتبط بمبادرة الحزام والطريق. ورغم هشاشته السياسية والأمنية، فإن الصومال يوفر للصين فرصة لتعزيز حضورها في منطقة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وتركيا والإمارات والسعودية وإيران، فضلًا عن القوى الأوروبية.

وتكتسب العلاقات الصومالية–الصينية أهمية استراتيجية في ظل التحولات الجارية في الشرق الأوسط، حيث تتجه دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الدولية، وتقليل الاعتماد على القوى الغربية التقليدية، والانفتاح على قوى صاعدة مثل الصين. كما أن تراجع الانخراط الأمريكي في بعض مناطق الشرق الأوسط، وتزايد التنافس الإقليمي في البحر الأحمر، يفتحان المجال أمام الصين لتعزيز نفوذها عبر أدوات اقتصادية وتنموية، دون تحمل أعباء أمنية مباشرة.

ويهدف هذا البحث إلى تحليل ديناميات النفوذ الصيني في الشرق الأوسط من خلال دراسة الحالة الصومالية، مع التركيز على البعد الجيوسياسي للعلاقات بين البلدين، وكيفية توظيف الصين لموقع الصومال الاستراتيجي ضمن رؤيتها الأوسع لأمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية. كما يسعى البحث إلى تقديم قراءة استشرافية لمستقبل هذه العلاقات في ظل التحولات الدولية الراهنة، وصعود الصين كقوة عالمية، وتزايد أهمية البحر الأحمر والقرن الإفريقي في الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى.

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، لم يعد الحضور الصيني في الصومال مجرد امتداد لعلاقات ثنائية تقليدية، بل بات جزءًا من معادلة نفوذ أوسع تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية. فالصومال، بما يمتلكه من موقع استراتيجي يتحكم في ممرات بحرية حيوية، أصبح ساحة تقاطع لمصالح قوى دولية تسعى لإعادة التموضع في نظام إقليمي متغيّر، تتراجع فيه بعض أنماط الهيمنة التقليدية مقابل صعود أدوار فاعلين جدد.

وانطلاقًا من هذه الإشكالية، تسعى الدراسة إلى تفكيك طبيعة الحضور الصيني في الصومال من خلال تناول الإطار العام للعلاقات الصومالية-الصينية، ثم تحليل أدوات النفوذ الصيني الاقتصادية والسياسية والأمنية، قبل الانتقال إلى بحث تأثير التحولات الشرق أوسطية على هذا الحضور، وأخيرًا تقييم انعكاسات التمدد والحضور الصيني على التوازنات الإقليمية ومستقبل الدولة الصومالية، ويهدف هذا البناء التحليلي إلى تقديم قراءة شاملة تفسّر موقع الصومال في الحسابات الصينية ضمن بيئة إقليمية مضطربة ومتغيرة. 

المحور الأول: التحول في الاستراتيجية الصينية في ضوء مدارس العلاقات الدولية:

شهدت الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط تحولات عميقة خلال العقدين الأخيرين، تعكس انتقال الصين من قوة اقتصادية صاعدة إلى فاعل دولي يسعى إلى إعادة تشكيل قواعد التفاعل الدولي. ويمكن فهم هذا التحول من خلال إطار نظري مركّب يجمع بين الواقعية الجيوسياسية والليبرالية الاقتصادية والبنائية، بما يفسّر كيفية توظيف الصين لأدوات القوة الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية ضمن نموذج نفوذ تدريجي منخفض الكلفة السياسية.

أولًا: الخلفية التاريخية للتحول الصيني في الشرق الأوسط:

من منظور الواقعية الكلاسيكية والواقعية البنيوية، يمكن تفسير التحول في السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط باعتباره استجابة طبيعية لصعود الصين في النظام الدولي. فمع تزايد قوتها الاقتصادية والعسكرية، أصبح من الضروري توسيع نطاق نفوذها خارج آسيا الشرقية، خاصة في المناطق الحيوية للمصالح الصينية مثل الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، شهدت السياسة الصينية في الشرق الأوسط مسارًا تطوريًا متدرجًا يمكن تتبّعه منذ تسعينيات القرن الماضي، حين اتسم حضور بكين بقدر كبير من الحذر والبراغماتية. ففي تلك المرحلة الأولى، الممتدة بين عامي 1990 و2010، كانت الصين قوة صاعدة تفضّل العمل من خلف الستار، مركّزة على تأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة وتعزيز تجارتها الخارجية دون الانخراط في التوترات الإقليمية أو الدخول في منافسة مباشرة مع الولايات المتحدة. وقد انسجم هذا السلوك مع منطق الواقعية الدفاعية، حيث سعت بكين إلى تجنّب أي احتكاك قد يعرقل مسار نموها الاقتصادي الداخلي أو يثير مخاوف القوى الكبرى من صعودها.

ومع مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكّل، مدفوعة بإطلاق مبادرة الحزام والطريق التي مثّلت نقطة تحوّل في التفكير الاستراتيجي الصيني. ففي الفترة بين 2010 و2015، توسّع الحضور الصيني ليشمل الاستثمار المكثّف في البنية التحتية وتطوير الموانئ وتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع دول الشرق الأوسط. لم تعد الصين تكتفي بدور الشريك التجاري، بل شرعت في بناء شبكات نفوذ اقتصادية ومؤسسية تعكس انتقالها من قوة إقليمية إلى قوة عالمية ناشئة تسعى إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة والربط الجغرافي عبر آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط.([1])

أما المرحلة الثالثة، الممتدة من عام 2015 حتى اليوم، فقد شهدت تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الانخراط الصيني، حيث أصبح الحضور متعدد الأبعاد يشمل الوساطة الدبلوماسية والتعاون الأمني غير المباشر وحماية الممرات البحرية الحيوية. في هذه المرحلة، بدا واضحًا أن الصين باتت تتصرف وفق منطق الواقعية الهجومية، مستفيدة من الفراغات الاستراتيجية التي خلّفتها القوى الغربية لإعادة صياغة موقعها في المنطقة. ومع ذلك، ظل هذا التوسع محكومًا بقدر من الحذر الاستراتيجي، إذ تحرص بكين على تعزيز نفوذها دون الانجرار إلى التزامات أمنية مباشرة، محافظة بذلك على نموذجها الخاص في إدارة النفوذ العالمي عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية ناعمة.([2])

ثانيًا: دوافع التحوّل  الصيني تجاه الشرق الأوسط:

شهدت السياسة الصينية في الشرق الأوسط تحوّلًا تدريجيًا لا يمكن فهمه إلا من خلال مقاربة متعددة المستويات تجمع بين الاقتصاد والجيوسياسة والأمن البحري. فعلى المستوى الاقتصادي، تبدو الصين مدفوعة بمنطق ليبرالي يرى في التجارة والاستثمار أدوات مركزية لبناء النفوذ وتوسيع شبكات الاعتماد المتبادل. ومن هذا المنظور، لم يكن توسع الصين في المنطقة مجرد بحث عن فرص اقتصادية، بل كان جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تأمين مصادر الطاقة الخليجية، وحماية استثماراتها في الموانئ والبنية التحتية، وتعزيز المبادلات التجارية التي تشكّل شرايين مبادرة الحزام والطريق. هذا التوجه يفسّر لماذا فضّلت بكين الاعتماد على القوة الاقتصادية بدل القوة العسكرية، معتبرة أن النفوذ المستدام يُبنى عبر الأسواق لا عبر الجيوش، وعبر شبكات النقل والاتصالات لا عبر القواعد العسكرية. ([3])

أما على المستوى الجيوسياسي، فتظهر دوافع أكثر ارتباطًا بالواقعية البنيوية التي تنظر إلى النظام الدولي بوصفه ساحة تنافس بين القوى الكبرى. في هذا السياق، تسعى الصين إلى استثمار الفراغ النسبي الناتج عن تراجع الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، وإلى موازنة أدوار القوى الإقليمية الصاعدة مثل تركيا، بما يضمن لها موطئ قدم في منطقة تشهد إعادة تشكيل مستمرة لموازين القوى. كما تحاول بكين تقديم نفسها كقوة عالمية مسؤولة قادرة على لعب دور في إدارة الأزمات الإقليمية، دون أن تتورط في التزامات أمنية مباشرة. وهكذا يصبح الشرق الأوسط جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة موقع الصين في النظام الدولي، ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كفاعل جيوسياسي يمتلك القدرة على التأثير في مسارات التنافس العالمي.([4])

وعلى المستوى الأمني، يبرز بوضوح دور الأمن البحري العالمي في تشكيل السلوك الصيني. فمع تزايد أهمية الممرات البحرية التي تمر عبر البحر الأحمر وخليج عدن، وجدت الصين نفسها مضطرة إلى تطوير مقاربة أمنية أكثر نشاطًا، وإن بقيت غير مباشرة. وقد دفعها ذلك إلى الانخراط في عمليات مكافحة القرصنة، وحماية السفن التجارية، ومنع انتقال عدم الاستقرار إلى مناطق حيوية ترتبط بسلاسل الإمداد العالمية. وتنسجم هذه المقاربة مع نظرية الأمن المركّب التي تربط بين الأمن البحري والاقتصاد العالمي، وتعتبر أن حماية التجارة البحرية ليست خيارًا بل ضرورة استراتيجية. وهكذا، يصبح الأمن البحري جزءًا من منظومة دوافع متشابكة تدفع الصين إلى تعزيز حضورها في المنطقة، دون أن تتخلى عن حذرها التقليدي تجاه التدخلات العسكرية. ([5])

ثالثًا: أدوات القوة الصينية:

لا تعتمد الصين في الشرق الأوسط على أداة واحدة لبناء نفوذها، بل توظّف مزيجًا متدرجًا من أدوات القوة يمكن فهمه من خلال مفهوم القوة الذكية، الذي يجمع بين عناصر القوة الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية في إطار واحد متكامل. ففي الجانب الاقتصادي، الذي يشكّل حجر الأساس في الاستراتيجية الصينية، تستخدم بكين القروض الميسّرة، ومشاريع البنية التحتية، وتطوير الموانئ، والاستثمار في الاتصالات والطاقة، لبناء شبكات اعتماد متبادل طويلة الأمد. هذه الأدوات لا تخلق فقط حضورًا اقتصاديًا، بل تؤسس لارتباطات هيكلية تجعل من الصعب على الدول المضيفة الانفكاك عن الشراكة الصينية، وهو ما يمنح بكين نفوذًا مستدامًا منخفض التكلفة السياسية.([6])

وفي الجانب الدبلوماسي، تتبنى الصين خطابًا يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل والشراكة والتنمية، وهو خطاب يعكس رؤية بنائية ترى أن الأفكار والهويات تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل السلوك الدولي. ومن خلال هذا الخطاب، تسعى بكين إلى تقديم نفسها كقوة مختلفة عن القوى الغربية، قوة لا تفرض شروطًا سياسية ولا تربط التعاون بالإصلاحات الداخلية، بل تطرح نموذجًا يقوم على المنفعة المتبادلة. وقد مكّنها هذا النهج من بناء علاقات مستقرة مع دول المنطقة، خصوصًا تلك التي تتحسس من الضغوط الغربية أو تبحث عن شراكات بديلة.([7])

أما في الجانب الأمني، فتتبنى الصين مقاربة واقعية حذرة تقوم على الحضور الأمني غير المباشر. فهي لا تنخرط في تحالفات عسكرية ولا تنشر قوات قتالية، لكنها في الوقت ذاته لا تتخلى عن حماية مصالحها. ولذلك تعتمد على أدوات مثل مكافحة القرصنة، والتدريب الأمني، والتعاون الفني، وهي أدوات تمنحها قدرة على التأثير في البيئة الأمنية دون تحمل كلفة التدخل العسكري. وبهذا الأسلوب، تنجح الصين في تحقيق معادلة دقيقة: حضور أمني فعّال دون أن تتحول إلى قوة عسكرية تقليدية في المنطقة.

رابعًا: مبدأ عدم التدخل في السياسة الصينية

يحتل مبدأ عدم التدخل موقعًا مركزيًا في بنية السياسة الخارجية الصينية، ليس بوصفه مجرد خيار دبلوماسي، بل باعتباره عنصرًا تأسيسيًا في الهوية الدولية التي تسعى بكين إلى بنائها منذ نهاية الحرب الباردة. فمن منظور بنائي، تحاول الصين أن تقدّم نفسها كقوة “غير استعمارية”، مختلفة جذريًا عن القوى الغربية التي ارتبط حضورها في الشرق الأوسط وإفريقيا بتاريخ طويل من التدخلات العسكرية والوصاية السياسية. هذا الخطاب الهوياتي ليس مجرد أداة دعائية، بل هو جزء من سردية أعمّ تسعى الصين من خلالها إلى إعادة تعريف ذاتها كقوة صاعدة مسالمة، تعتمد التنمية والشراكة بدل الإكراه والهيمنة. وفي بيئات هشّة مثل الصومال، يكتسب هذا الخطاب جاذبية خاصة، إذ يقدّم للصينيين ميزة تنافسية مقارنة بالقوى الغربية التي غالبًا ما تُحمّل مساعداتها بشروط سياسية أو إصلاحية. .([8])

لكن هذا البعد الهوياتي لا ينفصل عن اعتبارات واقعية صلبة. فمن منظور الواقعية، يمثّل عدم التدخل أداة لتجنّب التورط في صراعات مكلفة قد تستنزف موارد الصين أو تجرّها إلى مواجهات غير محسوبة مع قوى إقليمية ودولية. فبكين، رغم صعودها الاقتصادي والعسكري، ما تزال حذرة في توسيع حضورها الأمني المباشر، وتفضّل الحفاظ على صورة القوة التي لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ليس فقط احترامًا لمبدأ السيادة، بل أيضًا لحماية مصالحها الاقتصادية الواسعة التي قد تتضرر إذا ارتبط اسمها بصراعات داخلية أو انقسامات سياسية. وهكذا يصبح عدم التدخل جزءًا من استراتيجية واقعية تهدف إلى تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب.

أما من منظور ليبرالي، فإن هذا المبدأ يعكس تركيز الصين على التنمية باعتبارها المدخل الأساسي للاستقرار. فبدل التدخل العسكري أو فرض الشروط السياسية، تفضّل بكين الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الموانئ، وتعزيز التجارة، معتبرة أن التنمية الاقتصادية هي الطريق الأكثر فعالية لمعالجة جذور عدم الاستقرار. وهذا ما يجعل مبدأ عدم التدخل متسقًا مع رؤية ليبرالية ترى في الأسواق والتعاون الاقتصادي أدوات لبناء السلام والنفوذ في آن واحد.

التفاعل النظري: الواقعية والليبرالية والبنائية في الاستراتيجية الصينية

لا يمكن فهم التحول في الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط من خلال مدرسة واحدة، بل هو نتاج تفاعل مركّب بين ثلاث مقاربات نظرية كبرى. فالواقعية تفسّر صعود الصين وسعيها إلى ملء الفراغ الناتج عن تراجع الدور الأمريكي، وإعادة تشكيل توازن القوى في المنطقة. والليبرالية تفسّر اعتماد بكين على التجارة والاستثمار والاعتماد المتبادل كأدوات رئيسية للنفوذ. أما البنائية، فتقدّم تفسيرًا لخطاب عدم التدخل، وللهوية الصينية التي تتشكل حول فكرة (الصعود السلمي) ورفض الهيمنة الإمبريالية الأحادية.

هذا التفاعل النظري لا يعكس تعددية فكرية فحسب، بل يعبّر عن طبيعة السياسة الصينية نفسها، التي تمزج بين القوة الاقتصادية والحذر الجيوسياسي والدبلوماسية الهادئة والأمن البحري وبناء الهوية. فالصين ليست قوة عسكرية تقليدية تسعى إلى فرض نفوذها بالقوة الصلبة، وليست قوة ليبرالية خالصة تراهن فقط على الأسواق، وليست قوة بنائية تعتمد على الخطاب وحده. إنها قوة هجينة، توظّف كل هذه العناصر في إطار واحد متماسك، يسمح لها بالتوسع في الشرق الأوسط دون الانجرار إلى صراعات مباشرة أو التورط في التزامات أمنية مكلفة. ([9])

إن مبدأ عدم التدخل ليس مجرد شعار صيني، بل هو حجر زاوية في استراتيجية أوسع تسعى من خلالها بكين إلى بناء نفوذ طويل الأمد منخفض الكلفة، قائم على التنمية والشراكة واحترام السيادة. وفي بيئات هشّة مثل الصومال، يصبح هذا المبدأ أداة فعّالة تمنح الصين قدرة على التحرك في فضاءات معقدة دون أن تتحمل أعباء التدخل العسكري أو التورط السياسي. وهكذا تتشكل الاستراتيجية الصينية كمنظومة متعددة الأبعاد، تجمع بين الاقتصاد والجيوسياسة والأمن والهوية، وتسمح لبكين بتعزيز حضورها في منطقة تشهد تحولات استراتيجية متسارعة، دون أن تتخلى عن حذرها التقليدي أو تدخل في مواجهات مباشرة مع القوى الكبرى.

المحور الثاني: الصومال في الاستراتيجية الصينية:

تُعدّ الصومال أول دولة في شرق إفريقيا تُقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1960، غير أن جذور التواصل بين الجانبين تعود إلى نحو ستة قرون، حين وصلت بعثة البحّار الصيني ” تشنغ خه” إلى السواحل الصومالية ضمن مسار طريق الحرير البحري القديم.

وفي هذا السياق، يمثّل الصومال إحدى أكثر الساحات دلالة على كيفية اشتغال الاستراتيجية الصينية في البيئات الهشّة، حيث تتقاطع اعتبارات الجغرافيا السياسية مع متطلبات التنمية، وتتداخل مصالح القوى الدولية والإقليمية في فضاء واحد بالغ الحساسية. وفي هذا السياق، تتعامل الصين مع الصومال بوصفه مختبرًا عمليًا لتجريب نموذج نفوذ منخفض الكلفة السياسية، قائم على التنمية والبنية التحتية والدبلوماسية الهادئة، بدلًا من التدخل العسكري أو التحالفات الأمنية الصلبة. ويتيح تحليل الحالة الصومالية فهمًا معمّقًا لكيفية توظيف الصين لموقع جغرافي استثنائي ضمن رؤيتها الأوسع لأمن الممرات البحرية ومبادرة الحزام والطريق.([10])

يتقارب الصومال والصين اليوم بدافعَين رئيسيين يختزلان التحولات الجيوسياسية في القرن الإفريقي. يتمثل الدافع الأول في استثمار الصين لتراجع الحضور الأمريكي في الصومال على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية؛ فانسحاب القوات الأمريكية عام 2021، واعتماد واشنطن على العقوبات بدل الانخراط السياسي، وتهديد المؤسسات المالية بوقف التمويل، كلها عوامل أضعفت الثقة المحلية بالدور الأمريكي وفتحت الباب أمام نموذج صيني يقوم على الدعم التنموي والأمني دون مشروطية سياسية. هذا التحول جعل بكين شريكًا أكثر قبولًا لدى النخب الصومالية، وساهم في تراجع نسبي للنفوذ الأمريكي في مقديشو.

أما الدافع الثاني فيرتبط مباشرة بالصراع الصيني–التايواني، حيث تسعى بكين إلى إجهاض محاولات أرض الصومال تعزيز علاقاتها مع تايوان([11]) فالتقارب بين هرجيسا وتايبيه، وزيارة رئيس أرض الصومال للولايات المتحدة بحثًا عن اعتراف دبلوماسي، دفع الصين إلى تعزيز التواصل مع الحكومة الفيدرالية لضمان موقف موحد ضد أي تحرك انفصالي مدعوم من تايوان. وهكذا أصبح الصومال بالنسبة للصين ساحة استراتيجية لحماية مبدأ ” الصين الواحدة”، بينما ترى مقديشو في بكين قوة داعمة لوحدة أراضيها في مواجهة المساعي الانفصالية.

وتأسيسًا على ما سبق يمكن القولإن الصومال والصين يواجهان تحديات متشابهة تتعلق بكيانات انفصالية ذات وضع سياسي متنازع عليه، تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع حسابات القوى الدولية. ففي حين تتعامل الصومال مع إقليم أرض الصومال الذي أعلن انفصاله من طرف واحد ويحظى بدعم خارجي محدود، تواجه الصين وضعًا مشابهًا مع تايوان التي تتمتع بعلاقات واسعة مع قوى غربية. ويكشف هذا التشابه عن أن البلدين يتقاطعان في إشكالية الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها في بيئة دولية تتسم بتنافس جيوسياسي متصاعد وتوظيف متزايد للقضايا الانفصالية كأدوات ضغط في العلاقات الدولية.

أولًا: الموقع الجيوسياسي للصومال – قلب الهلال البحري الصيني

يقع الصومال في نقطة التقاء ثلاثة فضاءات بحرية كبرى: خليج عدن، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، إضافة إلى قربه المباشر من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويمر عبر هذه الممرات ما يقارب 12% من التجارة العالمية، بما في ذلك نسبة كبيرة من واردات الصين من النفط والغاز. هذا الموقع لا يمنح الصومال أهمية إقليمية فحسب، بل يجعله جزءًا لا يتجزأ من الأمن البحري الصيني، خصوصًا في ظل توسع مبادرة الحزام والطريق واعتماد الصين على سلاسل إمداد بحرية طويلة تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا.

ومن منظور الواقعية الجيوسياسية، يشكّل الصومال نقطة ارتكاز في “الهلال البحري” الذي تسعى الصين إلى تأمينه من بحر الصين الجنوبي وصولًا إلى البحر الأحمر. أما من منظور البنائية، فإن بكين توظّف خطاب “حماية التجارة العالمية” لتبرير حضورها البحري، مقدّمة نفسها كقوة مسؤولة تسهم في استقرار الممرات البحرية بدل السيطرة عليها.([12])

ثانيًا: مسار العلاقات الصينية–الصومالية:

تعود جذور العلاقات بين الصين والصومال إلى ستينيات القرن الماضي، غير أنّها شهدت منذ عام 2012 تحوّلًا نوعيًا مع استعادة الصومال لنظامه السياسي المعترف به دوليًا وخروجه من المرحلة الانتقالية. وقد تبنّت الصين منذ ذلك الحين مقاربة تقوم على دعم إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية وتعزيز التعاون في مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية، مع الحرص على عدم الانخراط في الصراعات الداخلية. هذا النهج عزّز صورة بكين كشريك «محايد» مقارنة بالقوى الغربية التي غالبًا ما تقرن مساعداتها بشروط سياسية أو إصلاحية.

ومن منظور الجيو–اقتصاد السياسي، تنظر الصين إلى الصومال بوصفه نقطة ارتكاز مهمة في استراتيجيتها الرامية إلى تعزيز الترابط الاقتصادي عبر التجارة والاستثمار ومشاريع البنية التحتية، بما ينسجم مع توجهاتها الأوسع في مبادرة الحزام والطريق. أما من منظور الواقعية السياسية، فإن هذا الانخراط يخدم مصالح بكين في تأمين الممرات البحرية الحيوية في خليج عدن والبحر الأحمر، وموازنة النفوذ الأميركي والتركي، وتوسيع حضورها في منطقة القرن الإفريقي التي تشهد تنافسًا متسارعًا بين القوى الدولية.

وفي هذا السياق المتحوّل، برزت مؤخرًا مؤشرات على تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين في المنطقة. فقد كثّفت واشنطن تحركاتها عبر زيارات لمسؤولين إلى إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، في مقابل خطوات صينية لتعزيز التعاون العسكري مع مقديشو. وقد التقى وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي بالسفير الصيني وانغ يو لبحث التعاون العسكري والدعم اللوجيستي، في خطوة تعكس رغبة صومالية في تنويع الشراكات الأمنية.([13])

وتزامن هذا الحراك مع احتفاء السفارة الصومالية في بكين بالذكرى الخامسة والستين للعلاقات الثنائية، حيث أكدت السفيرة هُدن عثمان عبدي دخول العلاقات «مرحلة جديدة»، مشيرة إلى الإرث التاريخي الذي بدأ منذ اعتراف الصومال المبكر بجمهورية الصين الشعبية عام 1960. ويُقرأ هذا الخطاب الدبلوماسي في إطار سعي مقديشو إلى تحويل العلاقات التاريخية إلى شراكة استراتيجية أكثر مؤسسية واستدامة.

ويرى عدد من الخبراء أن هذا التقارب يعكس محاولة صينية لتعزيز نفوذها في مواجهة التحركات الأميركية، في حين تسعى الصومال إلى تحقيق توازن في علاقاتها الخارجية وسط بيئة إقليمية معقدة. وتشير التقديرات إلى أن التنافس الدولي في القرن الإفريقي مرشح للتصاعد، مع دخول العلاقات الصومالية–الصينية مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.

ثالثًا: أدوات النفوذ الصيني في الصومال

تعتمد الصين في الصومال على مزيج من أدوات القوة الذكية التي تجمع بين التنمية الاقتصادية والدبلوماسية الهادئة والحضور الأمني غير المباشر. فمشاريع البنية التحتية — من الطرق والموانئ إلى الاتصالات والمستشفيات — تشكّل المدخل الرئيسي للنفوذ الصيني، إذ تمنح بكين حضورًا ملموسًا في الحياة اليومية للمواطن الصومالي وتخلق اعتمادًا بنيويًا طويل الأمد.

كما تركز الصين على المساعدات التنموية في مجالات الأمن الغذائي ومكافحة الجفاف ودعم الزراعة وبناء القدرات الحكومية، وهي مساعدات تُقدَّم دون شروط سياسية، ما يمنحها شرعية اجتماعية واسعة. أما دبلوماسيًا، فتفضّل بكين العمل عبر الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ودعم الحلول السياسية المحلية، في انسجام تام مع مبدأ عدم التدخل.([14])

رابعًا: تجليات  الصعود السلمي الصيني في الساحة الصومالية:

يمثّل الصومال إحدى أهم الساحات التي تختبر فيها الصين نموذجها القائم على التنمية بدل القوة الصلبة، وعلى الشراكات المرنة بدل التحالفات العسكرية. في هذا الفضاء المفتوح على تنافس دولي محتدم، تقدّم بكين نفسها كقوة صاعدة بلا ضجيج، تبني نفوذها عبر البنية التحتية، والتعليم، والصحة، وتحرص على ترسيخ صورة “القوة غير الاستعمارية”. هذا النهج ينسجم مع فلسفة “الصعود السلمي” التي تعتمدها الصين لتوسيع حضورها العالمي دون إثارة المخاوف الجيوسياسية.

وتكتسب الساحة الصومالية أهمية خاصة في الحسابات الصينية بفضل موقعها الحيوي على طرق التجارة البحرية، واحتياجاتها التنموية الكبيرة، ومرونتها السياسية التي تسمح بتجريب أدوات النفوذ الناعم. هنا تتقاطع الواقعية مع البنائية: فمن جهة، تستفيد الصين من بيئة منخفضة التكلفة لتعظيم مكاسبها الاستراتيجية؛ ومن جهة أخرى، تبني سردية شراكة تقوم على التنمية والاحترام المتبادل، في مقابل نماذج غربية ارتبطت بالمشروطية والتدخل.

وعلى امتداد العقود، تركت الصين بصمتها في مشاريع تنموية بارزة مثل مستشفى بنادر، والاستاد الوطني، ومدرسة 15 مايو، والمركز الوطني للفنون المسرحية، إضافة إلى حضورها المبكر في جوهر حيث عاش الصينيون بين السكان وشاركوا في مشاريع زراعية مثل زراعة الأرز. هذه التجارب لم تكن مجرد مساعدات، بل كانت مختبرًا عمليًا لصياغة نموذج نفوذ جديد: نفوذ يبنى عبر التنمية، ويترسخ عبر الثقة، ويمنح الصين موطئ قدم استراتيجيًا في القرن الإفريقي دون الحاجة إلى قواعد أو تدخلات عسكرية.([15])

خامسًا: حدود النفوذ الصيني – قيود بنيوية وجيوسياسية

ورغم توسع الحضور الصيني، فإن هناك قيودًا واضحة تحد من قدرتها على التمدد. فهشاشة الدولة الصومالية — بما في ذلك ضعف المؤسسات والانقسامات الداخلية والتهديدات الأمنية — تجعل الاستثمار محفوفًا بالمخاطر. كما تواجه الصين منافسة شديدة من الولايات المتحدة وتركيا والإمارات والسعودية وقوى أوروبية، إضافة إلى النفوذ التركي المتزايد الذي يجمع بين القوة العسكرية والحضور التنموي. ويُضاف إلى ذلك الوجود الأمريكي في مكافحة الإرهاب، ونشاط حركة الشباب الذي يشكّل تهديدًا مباشرًا للمشاريع الصينية.

يمثّل الصومال نموذجًا مثاليًا لفهم كيفية اشتغال الاستراتيجية الصينية في البيئات الهشّة، حيث تتفاعل الواقعية (حماية الممرات البحرية وموازنة القوى)، والليبرالية (التنمية والتجارة والبنية التحتية)، والبنائية (خطاب عدم التدخل والقوة الناعمة) لتشكيل نموذج نفوذ صيني يقوم على التنمية والحذر الاستراتيجي وتجنب الانخراط العسكري وبناء الاعتماد المتبادل. وهكذا يصبح الصومال “بيئة اختبار” حقيقية لاستراتيجية الصين في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.([16])

المحور الثالث: أدوات النفوذ الصيني في الشرق الأوسط – قراءة تحليلية في ضوء القوة الذكية

يمتد النفوذ الصيني في الشرق الأوسط عبر منظومة مركّبة من الأدوات التي تجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية والأمن والقوة الناعمة، في إطار استراتيجية كبرى تقوم على تعظيم المكاسب وتقليل الكلفة السياسية والأمنية. ويكشف تحليل هذه الأدوات أن الصين لا تعتمد على القوة العسكرية أو التحالفات الأمنية الصلبة، بل توظّف ما يمكن تسميته ب القوة الذكية، التي تمزج بين عناصر القوة الصلبة والناعمة ضمن رؤية براغماتية طويلة الأمد. وتختلف هذه المقاربة عن النماذج الغربية التقليدية؛ فهي مقاربة تراكمية، تدريجية، منخفضة المخاطر، تستند إلى الاقتصاد كمدخل رئيسي للنفوذ، وإلى الدبلوماسية الهادئة كآلية لإدارة العلاقات، وإلى الأمن البحري كضرورة استراتيجية، وإلى القوة الناعمة كوسيلة لبناء صورة إيجابية للصين في المنطقة.([17])

أولًا: القوة الاقتصادية – حجر الأساس في الاستراتيجية الصينية

تحتل القوة الاقتصادية موقع القلب في الاستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط، وتشكّل مبادرة الحزام والطريق الإطار البنيوي الذي تنتظم داخله أدوات النفوذ الاقتصادي. فالمبادرة ليست مجرد مشروع بنية تحتية، بل رؤية جيو–اقتصادية تهدف إلى إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية وربط آسيا بالشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا عبر تطوير الموانئ الحيوية، وبناء المناطق الصناعية، والاستثمار في الطاقة التقليدية والمتجددة، وتعزيز الربط البحري والبري. وقد انخرطت دول عربية مركزية مثل السعودية والإمارات ومصر والعراق وقطر في هذه المبادرة، ما يمنح الصين قدرة على إعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.

ومن منظور الليبرالية الاقتصادية، تمثل المبادرة نموذجًا للاعتماد المتبادل الذي يعزز النفوذ دون الحاجة إلى القوة العسكرية. أما من منظور الواقعية الاقتصادية، فهي أداة لتأمين الموارد الحيوية، خاصة الطاقة، وضمان استقرار سلاسل الإمداد. وإلى جانب المبادرة، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لمعظم دول الشرق الأوسط، وأكبر مستورد للنفط من الخليج، ومساهمًا رئيسيًا في مشاريع البنية التحتية والموانئ، ما يخلق شبكات اعتماد متبادل تمنحها قدرة متزايدة على التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية للدول.

ثانيًا: القوة الدبلوماسية – الوساطة وبناء الشراكات

إلى جانب الاقتصاد، تعتمد الصين على دبلوماسية هادئة تقوم على الوساطة وبناء الشراكات الاستراتيجية. وقد برز هذا الدور بوضوح في السنوات الأخيرة، خاصة بعد نجاحها في الوساطة بين السعودية وإيران عام 2023، وهو حدث شكّل نقطة تحول في دور الصين الإقليمي، وأعاد تقديمها كقوة قادرة على إدارة التوازنات المعقدة في المنطقة. كما دعمت الصين المسارات السياسية في اليمن وسوريا، وشجعت الحوار الإقليمي متعدد الأطراف، في إطار خطاب يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل.

ومن منظور البنائية، تسعى الصين إلى بناء هوية دولية تقوم على “السلام والتنمية”، وهو ما يميزها عن القوى الغربية التي ارتبط حضورها في المنطقة غالبًا بالقوة العسكرية. وتُعد الشراكات الاستراتيجية الشاملة التي وقّعتها الصين مع دول مثل السعودية والإمارات ومصر والجزائر وإيران جزءًا من هذا التوجه، إذ تمنحها حضورًا سياسيًا متزايدًا، وقدرة على الوصول إلى الأسواق، ونفوذًا في ملفات الطاقة والأمن البحري، دون الدخول في تحالفات عسكرية مكلفة. ومن منظور الواقعية البنيوية، تمثل هذه الشراكات آلية لتوسيع النفوذ ضمن نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية.

ثالثًا: القوة الأمنية غير المباشرة – الأمن البحري دون تدخل عسكري

ورغم تجنبها التدخل العسكري المباشر، فإن الصين تعتمد أدوات أمنية محدودة لكنها فعّالة، خاصة في مجال الأمن البحري الذي يُعد جزءًا أساسيًا من مصالحها الاستراتيجية. فقد شاركت في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن، وقدمت تدريبًا أمنيًا للقوات المحلية، وساهمت في حماية الموانئ، وتبادلت المعلومات في مكافحة الإرهاب. وتمنح هذه الأدوات الصين قدرة على حماية مصالحها دون تحمل كلفة إنشاء قواعد عسكرية أو الانخراط في صراعات محلية.

ومن منظور نظرية الأمن المركّب، فإن الصين تربط بين الأمن البحري والتجارة العالمية، ما يجعل تدخلها الأمني محدودًا لكنه ضروري لضمان استقرار الممرات البحرية التي تعتمد عليها في تجارتها الدولية.

رابعًا: القوة الناعمة – بناء صورة “القوة غير الاستعمارية”

إلى جانب الاقتصاد والدبلوماسية والأمن البحري، توظّف الصين أدوات القوة الناعمة لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط. وتشمل هذه الأدوات التعليم والمنح الدراسية، والإعلام الموجّه، والثقافة واللغة عبر معاهد كونفوشيوس، والمساعدات الإنسانية([18]). وتسعى الصين من خلال هذه الأدوات إلى تقديم نفسها كقوة غير استعمارية، تحترم السيادة، وتركز على التنمية، ولا تفرض شروطًا سياسية، وهو خطاب يلقى قبولًا واسعًا في المنطقة، خاصة في الدول التي عانت من التدخلات الغربية.([19])

ومن منظور البنائية، فإن القوة الناعمة الصينية تسعى إلى إعادة تشكيل تصورات وهويات الفاعلين المحليين تجاه الصين، وبناء صورة إيجابية تعزز من شرعية حضورها الاقتصادي والسياسي حيث تكشف أدوات النفوذ الصيني في الشرق الأوسط عن استراتيجية مركّبة تقوم على الاقتصاد كمدخل للنفوذ، والدبلوماسية كآلية لإدارة التوازنات، والأمن البحري كضرورة استراتيجية، والقوة الناعمة كوسيلة لبناء الشرعية. وتعكس هذه الأدوات مزيجًا من الواقعية (حماية المصالح وتوازن القوى)، والليبرالية (التجارة والاستثمار والاعتماد المتبادل)، والبنائية (الهوية والخطاب والقوة الناعمة). وبذلك، فإن النفوذ الصيني في الشرق الأوسط ليس مجرد توسع اقتصادي، بل هو مشروع جيوسياسي طويل الأمد يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة.

يُظهر تحليل المساعدات الصينية الأخيرة للصومال أن بكين باتت تعتمد مقاربة أكثر تدرجًا وفاعلية في تعزيز حضورها داخل القرن الإفريقي، تقوم على الدمج بين الدبلوماسية الإنسانية وأدوات القوة الناعمة ومشاريع التنمية. فالمساعدات الغذائية التي قدمتها للصومال ليست حدثًا معزولًا، بل تمثل امتدادًا لاستراتيجية صينية أوسع تسعى إلى بناء نفوذ مستدام في البيئات الهشّة عبر بوابة الإغاثة والتنمية، بعيدًا عن المقاربات الأمنية المباشرة التي تتبناها قوى دولية أخرى.

كما يعكس هذا التحرك إدراك الصين لأهمية الصومال في معادلة البحر الأحمر والممرات البحرية العالمية، في وقت يتزايد فيه التنافس الدولي على النفوذ في المنطقة. وفي المقابل، تكشف هذه المبادرات عن استمرار هشاشة البنية الاقتصادية والبيئية في الصومال، ما يجعل البلاد أكثر اعتمادًا على الدعم الخارجي، ويضع الحكومة أمام تحدي تحويل الشراكات الدولية إلى أدوات لبناء قدرات وطنية طويلة المدى.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المساعدات الصينية للصومال لم تعد مجرد مبادرات تنموية معزولة، بل أصبحت جزءًا من مسار استراتيجي متصاعد تسعى من خلاله بكين إلى ترسيخ حضورها في الصومال والقرن الإفريقي. ويستند هذا التوسع إلى إدراك صيني متزايد بأن المنطقة تمثل إحدى أهم نقاط الارتكاز الجيوسياسية في العالم، خصوصًا في ظل الفراغات الأمنية وتراجع أنماط النفوذ التقليدي للقوى الغربية.

وتزداد أهمية هذا المسار في المرحلة الراهنة بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية–الأميركية ضد إيران، وما ترتب عليها من إعادة تشكيل لمعادلات الأمن الإقليمي. فقد أصبحت الجغرافيا—وخاصة الممرات البحرية الحيوية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي—في قلب حسابات أمن الاقتصاد العالمي، بما يشمل أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتجارة الدولية. وفي هذا السياق، يكتسب الصومال موقعًا استراتيجيًا متقدمًا في الرؤية الصينية، ليس فقط بوصفه دولة مطلة على واحد من أهم الممرات البحرية، بل أيضًا باعتباره جزءًا من فضاء جيوسياسي يشهد تنافسًا محتدمًا بين القوى الكبرى.

ومن ثمّ، فإن فهم طبيعة الحضور الصيني في الصومال والقرن الإفريقي أصبح ضروريًا لاستيعاب التحولات الجارية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، ولتقدير موقع الصومال في الحسابات الصينية المستقبلية، سواء على مستوى النفوذ السياسي أو أمن الممرات البحرية أو إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

خاتمة

يُظهر تحليل الحضور الصيني في الصومال والقرن الإفريقي والشرق الأوسط أن بكين تعتمد نموذجًا استراتيجيًا مغايرًا للأنماط التقليدية التي اتبعتها القوى الخارجية في المنطقة. فالصين لا تسعى إلى إنشاء قواعد عسكرية أو ترتيبات أمنية صلبة، بل تتقدم كفاعل جيو–اقتصادي يركز على الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الموانئ والطرق والطاقة، وتعزيز التجارة، وتقديم المساعدات التنموية، إلى جانب دبلوماسية هادئة منخفضة التكلفة. ويتجلى هذا النموذج بوضوح في الصومال، حيث تفضّل بكين دعم المؤسسات الحكومية دون مشروطية سياسية، وتبتعد عن الانخراط في الصراعات الداخلية أو الاصطفافات الأمنية، معتمدة على أدوات القوة الذكية التي تمزج بين الاقتصاد والقوة الناعمة والأمن البحري ضمن إطار حذر يجنّبها التورط العسكري المباشر.

ويمتد هذا النمط من الحضور إلى القرن الإفريقي والشرق الأوسط، حيث تعمل الصين على ترسيخ موقعها كقوة صاعدة عبر شبكة شراكات استراتيجية مع دول محورية، مستفيدة من التحولات البنيوية في الإقليم، بما في ذلك التراجع النسبي للدور الأمريكي، وصعود قوى إقليمية جديدة، وتزايد التنافس الدولي في البحر الأحمر. ويعكس تعيين مبعوث صيني خاص للقرن الإفريقي انتقال بكين إلى مرحلة انخراط أكثر تنظيمًا، هدفها حماية مصالحها في الممرات البحرية وتأمين سلاسل الإمداد المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. وفي هذا السياق، يبرز الصومال بوصفه حلقة مركزية في ” الهلال البحري” الممتد من بحر الصين الجنوبي إلى البحر الأحمر، ما يمنح بكين دافعًا إضافيًا لتعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي فيه.

وتشير الدراسة إلى أن الصين قادرة على بناء نفوذ تدريجي منخفض الكلفة السياسية، لكنها في الوقت ذاته محكومة بسقف واضح تفرضه اعتبارات “الصعود السلمي” والحذر من التورط الأمني. فبكين تسعى إلى تعظيم مكاسبها الجيوسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على صورة “القوة غير الاستعمارية” التي تفضّل التنمية على التدخل العسكري. ومن المرجح أن يستمر هذا الدور في التوسع، لكن ضمن حدود مدروسة توازن بين الطموح الجيوسياسي والحذر الاستراتيجي، وبين حماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، والحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة التنافس.

التوصيات

أولًا: توصيات لصنّاع القرار في الصومال

1ـ تعزيز التوازن في العلاقات الدولية: ينبغي للصومال أن تُرسّخ شراكتها مع الصين بوصفها ركيزة استراتيجية داخل منظومة علاقات دولية متوازنة، لا باعتبارها بديلًا حصريًا عن القوى الأخرى. فالصين تمتلك قدرة استثنائية على دعم البنية التحتية، وتطوير الموانئ، وتمويل المشاريع الكبرى، وهي مجالات تمثل حاجة ملحّة للدولة الصومالية في مرحلة إعادة البناء. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة تتعاظم عندما تُدار ضمن سياسة خارجية متعددة الأطراف، تتيح لمقديشو تنويع مصادر الدعم، وتقليل مخاطر الارتهان لطرف واحد، وتعزيز قدرتها على المناورة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التنافس. إن دمج الصين في شبكة شراكات أوسع يمنح الصومال قوة تفاوضية أكبر، ويضمن أن تتحول العلاقة مع بكين إلى رافعة تنموية واستراتيجية تخدم المصالح الوطنية دون الإضرار بتوازنات الصومال مع شركائه الإقليميين والدوليين.

2- توجيه الاستثمارات الصينية نحو القطاعات الإنتاجية: من المهم ألا يقتصر الحضور الصيني على مشاريع البنية التحتية فحسب، بل يُعاد توجيه جزء معتبر منه نحو الزراعة، والصناعة الخفيفة، والطاقة المتجددة، بما يعزز القدرة الإنتاجية للاقتصاد الصومالي، ويقلل من هشاشته أمام الصدمات الخارجية. فالبنية التحتية دون قاعدة إنتاجية صلبة قد تتحول إلى عبء مالي بدل أن تكون رافعة تنموية.

3- تحسين الحوكمة والشفافية في إدارة المشاريع: تحتاج الصومال إلى تطوير أطر مؤسسية ورقابية تضمن أن المشاريع الصينية تخدم أولويات التنمية الوطنية، وتحد من مخاطر الديون، وتمنع تحول بعض الاستثمارات إلى أدوات نفوذ غير متكافئ. فكلما كانت الحوكمة أقوى، كانت قدرة الدولة على توظيف الحضور الصيني لصالحها أكبر.

4- تعزيز التعاون البحري دون السماح بوجود أمني مباشر: يمكن للصومال أن تستفيد من خبرة الصين في حماية الممرات البحرية، ومكافحة القرصنة، وبناء القدرات البحرية، لكن ضمن إطار يحافظ على سيادتها، ويمنع تحول التعاون الأمني إلى وجود عسكري دائم أو ترتيبات قد تجر البلاد إلى صراعات إقليمية أو دولية.

ثانيًا: توصيات لصنّاع القرار في الصين

1- تطوير نموذج أكثر مرونة للتعامل مع الدول الهشّة: تحتاج الصين إلى إدراك أن البيئات الهشّة مثل الصومال لا يمكن التعامل معها بمنطق اقتصادي صرف، بل تتطلب فهمًا عميقًا لتعقيدات البنية الاجتماعية والسياسية والأمنية. ومن ثم، فإن تطوير نموذج أكثر مرونة يأخذ في الاعتبار المخاطر الأمنية والسياسية يصبح ضرورة لحماية الاستثمارات وتقليل احتمالات الفشل.

2- تعزيز الشراكات مع الفاعلين الإقليميين: من مصلحة الصين أن توسّع تعاونها مع الاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية، ومع قوى إقليمية مثل تركيا والإمارات والسعودية، بما يقلل من حدة التنافس المباشر، ويحوّل بعض مساحات التنافس إلى تعاون أو تنسيق وظيفي، خاصة في ملفات الأمن البحري والتنمية.

3- الاستثمار في التنمية البشرية ونقل المعرفة: لكي يكون النفوذ الصيني أكثر استدامة، ينبغي أن يتجاوز البنية التحتية إلى بناء الإنسان، عبر المنح الدراسية، وبرامج التدريب، ونقل التكنولوجيا، ودعم التعليم الفني والتقني. فالتنمية البشرية تخلق نخبًا محلية أكثر فهمًا للصين، وأكثر قدرة على إدارة شراكات متوازنة معها.

4- توسيع دور الدبلوماسية الوقائية: يمكن للصين أن تعزّز صورتها كقوة مسؤولة عبر الانخراط في دبلوماسية وقائية تسهم في منع تفاقم الأزمات في الصومال، ودعم مسارات المصالحة الداخلية، دون الانزلاق إلى أدوار أمنية مباشرة. هذا النهج ينسجم مع خطاب “عدم التدخل”، لكنه يطوّره إلى دور أكثر فاعلية في إدارة الاستقرار.

ثالثًا: توصيات للباحثين وصنّاع السياسات

1- دراسات مقارنة بين النماذج الصينية والتركية والخليجية: تُعد المقارنة بين أدوات النفوذ الصيني والتركي والخليجي في القرن الإفريقي مدخلًا مهمًا لفهم طبيعة التنافس والتكامل المحتمل بين هذه القوى، وكيفية تأثير ذلك على الدول الهشّة مثل الصومال.

2- تحليل مبادرة الحزام والطريق من منظور الأمن والتنمية في الدول الهشّة: ثمة حاجة إلى دراسات أعمق تربط بين مشاريع الحزام والطريق وبين قضايا الأمن، والاستقرار، والحوكمة، ومخاطر الديون، في دول مثل الصومال، لتقييم ما إذا كانت هذه المبادرة تساهم في تعزيز الاستقرار أم تعيد إنتاج الهشاشة بأشكال جديدة.

3- متابعة تطور الدور الصيني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي: مع تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر، يصبح من الضروري رصد تطور الحضور الصيني، ليس فقط في الصومال، بل في جيبوتي والسودان وإريتريا، لفهم كيف تعيد الصين رسم خرائط النفوذ البحري، وكيف سينعكس ذلك على موازين القوى الإقليمية.

بهذا المعنى، لا تمثّل حالة الصومال مجرد مثال جزئي في دراسة السياسة الصينية، بل تشكّل نافذة كاشفة على طبيعة التحول في دور الصين في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، وعلى الكيفية التي يمكن لقوة صاعدة أن تبني نفوذًا واسعًا بأدوات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية غير مباشرة، دون أن تتحول بالضرورة إلى قوة احتلال أو تدخل عسكري مباشر.


[1] -إبراهيم أحمد نصر الدين، دراسات في العلاقات الدولية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2011م.

[2] Zhang, Y. China’s Foreign Policy in the Middle East, Journal of Contemporary China, 2021.

[3] إيمان رجب، إعادة “هيكلة” الوجود العسكري في الشرق الأوسط، في كتاب، عسكرة التفاعلات: تحولات الحروب والأسلحة، تحرير: رغدة البهي، ط1، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2025،

[4] أحمد داود أوغلو” العمق الاستراتيجي موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية”، ترجمة محمد جابر وطارق عبدالجليل، الدرا العربية للعلوم والنشر، بيروت، 2014م، ط3.

[5] ماري ماهر، الشرق الأوسط في معادلة التنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي العالمي، في كتاب، التحولات الكبرى: إعادة تشكيل الخريطة العالمية، تحرير وإشراف: د.دلال محمود، ط1، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2025

[6] حكمات العبدالرحمن “الصين والشرق الأوسط : دراسة تاريخية في تطور موقف الصين تجاه قضايا المنطقة العربية بعد الحرب الباردة”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.

[7] حكيم أَلَادَيْ نجم الدين، تطور العلاقات الصينية الإفريقية: هل تتحول من الاقتصاد إلى النفوذ السياسي؟ ورقة تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 2025.

[8] Chen, L. Belt and Road Initiative and Maritime Security, Maritime Affairs Review, 2022.

[9] علي، محمد. الصين والشرق الأوسط: مقاربة جديدة. مركز دراسات الشرق الأوسط، 2020.

[10] مقابلة أجرتها وكالة الأنباء الوطنية الصومالية مع سفيرة الصومال لدى الصين، الدكتورة هودان عثمان عبدي، حيث قدمت فيها قراءة معمّقة لتطور العلاقات الصومالية‑الصينية، مؤكدة جذورها التاريخية ومرحلتها الجديدة القائمة على الاستقلال الاقتصادي وبناء القدرات.

[11] تُعدّ أرض الصومال كيانًا انفصاليًا أعلن من طرف واحد استقلاله عن جمهورية الصومال عام 1991، دون أن يحظى باعتراف دولي رسمي. وقد سعت إلى بناء شبكة علاقات خارجية خاصة بها، من أبرزها إقامة علاقات مع تايوان وإسرائيل، في إطار محاولاتها تعزيز شرعيتها الدولية. في المقابل، تحتفظ جمهورية الصومال الفيدرالية بعلاقات وثيقة مع الصين تقوم على الدعم الدبلوماسي المتبادل، واحترام مبدأ “الصين الواحدة”، وتطوير التعاون الاقتصادي والتنموي بين البلدين.

[12] عبد الرحمن شيخ محمود الزيلعي ” العلاقات التاريخية بين الصومال والصين، ورقة منشورة في موقع : /www.academia.edu

[13] قام وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقه بزيارة رسمية إلى مقرّ السفارة الصينية في مقديشو يوم الثلاثاء 24 يونيو 2025، حيث التقى السفير الصيني وبحث معه سبل تعزيز التعاون الدفاعي والعسكري بين البلدين، في إطار تنامي العلاقات الصومالية–الصينية وتوسّع مجالات التنسيق الثنائي.

[14] تطور إيجابي وتوافق متبادل في العلاقات الصومالية الصينية، تقرير الصومال الجديد، 2023م

[15] وانغ يو (سفير الصين لدى الصومال) تعزيز العلاقات الصينية ـ الصومالية لتحقيق المزيد من النتائج الجديدة، صحيفة الشعب اليومية أونلاين، 29 أكتوبر 2024.

[16] خلال قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني ـ الأفريقي في عام 2024، التقى الرئيس شي جين بينغ مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وأعلن رئيسا الدولتين أنهما سيرفعان العلاقات الصينية ـ الصومالية إلى شراكة استراتيجية ويرسمان مخططًا لتنمية العلاقات الصينية ـ الصومالية.

[17] أسماء عادل” الحضور الصيني في الصومال.. الدوافع والمآلات” المرصد المصري، أبريل 2022م

[18] قدّمت الصين في 8 مارس 2026 تبرعًا بقيمة مليوني دولار كمساعدات غذائية لدعم المجتمعات المتضررة من الجفاف في الصومال، حيث تسلّمت هيئة إدارة الكوارث الصومالية هذه المساعدات رسميًا من السفير الصيني لدى الصومال وانغ يو، في إطار دعم بكين للجهود الإنسانية والتنموية في البلاد.

[19] وكالة الأنباء الوطنية الصومالية (SONA)

Admin

القرن الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات: مؤسسة بحثية مستقلة، تأسست عام 2020 تقوم على إعداد البحوث والدراسات والتقديرات وأوراق السياسات، وتنظيم الفعاليات العلمية والأكاديمية وتقديم الاستشارات حول التفاعلات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية في منطقة القرن الأفريقي، وما يرتبط بها من تفاعلات إقليمية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى