أمنيةأوراق و دراسات

إدارة العلاقات المدنية – العسكرية في جمهورية جنوب السودان

د. ميول كور أكوي كير

تتناول هذه الدراسة إدارة العلاقات المدنية–العسكرية في جمهورية جنوب السودان خلال الفترة من الاستقلال في عام 2011م وحتى عام 2026م، وتركز، من منظور أمني ومؤسسي، على الكيفية التي تُدار بها القوة المنظمة داخل الدولة، ومدى خضوعها للسلطة المدنية المشروعة، ودرجة احترافها وحيادها السياسي، وقدرة عمليات دمج القوات والترتيبات الأمنية الانتقالية على إنتاج مؤسسة أمنية وطنية متماسكة وقابلة للاستدامة. اعتمدت الدراسة منهج دراسة الحالة النوعية بالاستناد إلى البحث المكتبي، واستخدمت التحليل التاريخي والمؤسسي، وتحليل المضمون الوثائقي، وتتبع العمليات، والمقارنة التقويمية بين ما تقرره النصوص الدستورية والقانونية واتفاقات السلام وما تكشفه الممارسة المؤسسية والنتائج الأمنية. واستندت إلى الدستور الانتقالي، واتفاقية السلام الشامل، وإعلان جوبا، واتفاقيتي ARCSS وR-ARCSS، والتشريعات الأمنية ذات الصلة، وتقارير RJMEC وCTSAMVM والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، إلى جانب الأدبيات المتخصصة في إصلاح القطاع الأمني والعلاقات المدنية–العسكرية.

وتخلص الدراسة إلى أن جنوب السودان أرسى إطاراً دستورياً وقانونياً واضحاً لعلوية السلطة المدنية على المؤسسة العسكرية، غير أن هذا المبدأ لم يتحول بصورة كاملة إلى رقابة مدنية مؤسسية فاعلة وموزعة عبر وزارة الدفاع والسلطة التشريعية والرقابة المالية والقانونية.

كما حقق الاحتراف العسكري تقدماً على مستوى النصوص والتدريب وبناء الهوية المؤسسية، غير أن هذا التقدم ظل يتأثر بضغط الموارد، وإرث الشبكات السياسية–العسكرية، وعدم اكتمال توحيد القيادة. وحققت عملية توحيد القوات إنجازات إجرائية مهمة، من بينها التدريب المشترك وتخريج الدفعة الأولى من القوات الموحدة اللازمة، إلا أن هذه الإنجازات لم تتحول إلى تماسك تنظيمي ومعياري مستدام. وبحلول 2025–2026م كانت آليات أمنية مشتركة أساسية قد توقفت عن العمل، وتعطل مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وعاد عدد من أفراد القوات الموحدة إلى وحداتهم الأم السابقة.

وتعدّ الدراسة فجوة التنفيذ والترسيخ المؤسسي جوهر المعضلة الأمنية: إذ وصلت إصلاحات عديدة إلى مستوى القانون والاتفاق واللجنة والتدريب والتخريج، لكنها لم تتحول دائماً إلى قواعد تنظيمية مستقرة تتفوق في قوتها واستدامتها على البنى الفصائلية السابقة. وبناءً على ذلك توصي الدراسة بإعادة تفعيل الآليات الأمنية المشتركة، واستكمال توحيد القوات وتوفير التمويل اللازم لاستدامتها، وربط نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بالهيكل النهائي للقوات، وتوحيد نظم الأفراد والرواتب، وتعزيز الحوكمة المدنية والتشريعية للدفاع، وربط حماية المدنيين بمساءلة القيادة العسكرية.

الكلمات المفتاحية: العلاقات المدنية–العسكرية؛ السيطرة المدنية؛ الاحتراف العسكري؛ الحياد السياسي؛ دمج القوات؛ إصلاح القطاع الأمني؛ نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج؛ جنوب السودان؛ الأمن القومي؛ حماية المدنيين.

تُمثّل العلاقات المدنية–العسكرية إحدى القضايا المركزية في حوكمة الأمن القومي؛ فالقوات المسلحة تحتكر، من حيث الأصل، القدرة المنظمة على استخدام القوة باسم الدولة، غير أن مشروعية هذه القوة وفاعليتها تظلان مرهونتين بخضوعها لسلطة مدنية دستورية قادرة على تحديد الغايات السياسية، ومساءلة المؤسسة العسكرية عن الأداء، وفي الوقت نفسه صون المجال المهني اللازم للتخطيط والتنفيذ العسكريين (ماضي، 2021؛ عبد الشافي، د.ت.-أ).

ومن ثم لا تنحصر العلاقات المدنية–العسكرية في سؤال الانقلاب أو التدخل المباشر في الحكم، وإنما تشمل توزيع الاختصاصات بين المؤسسات المدنية والعسكرية، وسلامة منظومة القيادة والسيطرة، والاحتراف والحياد السياسي، ونظم التعيين والترقية والميزانية والرقابة، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالمجتمع الذي تستمد منه أفرادها وشرعيتها (عبد الشافي، د.ت.-أ؛ باراني، 2018).

وتكتسب هذه المسائل وزناً مضاعفاً في جنوب السودان، لأن الدولة المستقلة ورثت جيش تحرير كان مطلوباً منه أن يتحول إلى قوة وطنية نظامية في الوقت نفسه الذي واجه فيه صراعات داخلية، وعمليات دمج لقوات متعارضة، وضغوطاً متصلة ببناء الدولة وحماية المدنيين (راندز، 2010؛ سنودن، 2012). وعلى هذا الأساس تبحث الدراسة في إدارة العلاقات المدنية–العسكرية في جمهورية جنوب السودان خلال الفترة 2011–2026م، وتقوّم مدى نجاح الأطر الدستورية واتفاقات السلام في إنتاج سيطرة مدنية فعالة، ومؤسسة عسكرية محترفة ومحايدة سياسياً، وقوة وطنية متماسكة قادرة على دعم الأمن القومي وحماية السكان.

1.1 خلفية الدراسة

على المستوى العام، يقوم أمن الدولة الحديثة على توازن دقيق: أن تتوافر للدولة قوة منظمة تكفي للدفاع عن السيادة ووحدة الإقليم وحماية السكان، وألا تتحول هذه القوة، في المقابل، إلى مركز سياسي قائم بذاته أو بديل عن السلطة الدستورية. ولهذا تنصرف العلاقات المدنية–العسكرية إلى تنظيم الصلة بين المؤسسات المدنية والمؤسسة العسكرية في إطار يحدد الوظائف والصلاحيات والمسؤوليات، ويضمن في الوقت نفسه أن يظل استخدام القوة مرتبطاً بأهداف الدولة وقواعدها القانونية (ماضي، 2021؛ عبد الشافي، د.ت.-أ).

ومن منظور أمني، لا يتحقق هذا التوازن بمجرد وجود رئيس مدني على قمة هرم السلطة، بل تتطلب مؤسسات قادرة على صياغة السياسة الدفاعية، واعتماد الموارد، ومراجعة الأداء، ومحاسبة المخالفات، مع ترك المسائل الفنية والتكتيكية للقيادة العسكرية المحترفة. ومن ثم فإن السيطرة المدنية الفعالة والاحتراف العسكري ليسا نقيضين؛ بل إن كل واحد منهما شرط لاستقرار الآخر (عبد الشافي، د.ت.-ب).

وتزداد المعضلة تعقيداً في الدول الخارجة من حروب التحرير أو النزاعات الأهلية. ففي هذه الحالات تكون التنظيمات المسلحة قد تشكلت قبل قيام مؤسسات الدولة أو بالتوازي معها، وقد تمتلك من التماسك والشبكات الاجتماعية والموارد ما يفوق ما تمتلكه الأجهزة المدنية الناشئة. لذلك لا يعني الانتقال من الحرب إلى الدولة مجرد تغيير الاسم أو الزي العسكري؛ بل يقتضي إعادة بناء القيادة، وتوحيد قواعد التجنيد والترقية، وإعادة صياغة العقيدة، ودمج الخصوم السابقين أو تسريحهم، وتحويل الولاء من الحركة أو الفصيل أو القائد إلى الدولة نفسها (باراني، 2018).

ويشير باراني إلى أن الفترات التي تعقب الحرب الأهلية أو قيام الدولة تمثل لحظات تأسيسية، لأن الخيارات المتعلقة بمن يُدمج، ومن يُسرّح، وكيف تُبنى القيادة، وكيف تُوزع الموارد، قد تترك أثراً ممتداً في طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية. وبالنسبة للمحلل الأمني، تصبح الأسئلة العملية هنا أكثر أهمية من النصوص وحدها: من يصدر الأمر؟ من يملك القدرة على التنفيذ؟ وهل القيادة واحدة؟ وهل يحصل الجندي على راتبه وعتاده من الدولة أم من شبكة سابقة؟ وهل يعرّف نفسه باعتباره جندياً للدولة أم تابعاً لتشكيل سابق؟

وفي السياق الإفريقي، ارتبطت العلاقات المدنية–العسكرية في عدد من الدول بحداثة المؤسسات، وإرث التنظيمات المسلحة، وضعف البنى المدنية، وتداخل المصالح السياسية مع شبكات المحسوبية والولاءات المحلية. ولا يعني ذلك افتراض مسار واحد لجميع الدول الإفريقية، لكنه يلفت النظر إلى أن تركيب الأجهزة القسرية وطريقة تجنيدها وترقيتها وتوزيع الموارد داخلها قد تتحول إلى مسألة أمن قومي عندما ترتبط بالوصول إلى السلطة أو بالحماية الجماعية (باراني، 2018؛ عبد الشافي، د.ت.-د).

ويقدم عبد الشافي تمييزاً مفيداً بين أمن الجماعة، وأمن النظام، وأمن الدولة؛ فحين تُدار أدوات القوة لخدمة فئة أو شبكة سياسية ضيقة، تضعف صفتها الوطنية وتزداد احتمالات التهميش والتعبئة المضادة. وفي الدول المتعددة الهويات، لا تكمن المشكلة في الانتماء الاجتماعي ذاته، وإنما في تحوله إلى معيار مؤسسي للتعيين والامتياز والقيادة وتوزيع القوة.

دخل جنوب السودان مرحلة الدولة المستقلة وهو يحمل هذا الإرث بصورة واضحة. فقد نشأت الحركة/ الجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLM/A) منذ عام 1983م بوصفها تنظيماً سياسياً وعسكرياً في آن واحد، وخاضت حرباً طويلة تخللتها انشقاقات وخصومات وظهور تشكيلات مسلحة أخرى تنافست أو تحالفت مع الجيش الشعبي في مراحل مختلفة (يونغ، 2006؛ راندز، 2010).

أنهت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005م الحرب الرئيسية بين الشمال والجنوب وفتحت فترة انتقالية انتهت بالاستفتاء والاستقلال، لكنها أبقت أمام حكومة جنوب السودان مهمة أمنية شديدة الصعوبة: توحيد البيئة المسلحة، وتحويل الجيش الشعبي من جيش حركة تحرير إلى قوة نظامية، والتعامل مع الفصائل الأخرى من دون إعادة إنتاج الحرب داخل مؤسسات الدولة (حكومة السودان والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان، 2005).

وفي هذا الإطار جاء إعلان جوبا للوحدة والدمج في 8 يناير 2006م، الذي سعى إلى إدماج قوات دفاع جنوب السودان في قيادة الجيش الشعبي، وتسوية الرتب والانتشار، ومعالجة مسائل التسريح وتقليص القوات. وكان الإعلان خطوة مهمة نحو احتكار الدولة الناشئة للقوة، لكنه كشف مبكراً أن الإدماج السياسي لا يساوي بالضرورة الاندماج المؤسسي الكامل (الجيش الشعبي لتحرير السودان وقوات دفاع جنوب السودان، 2006؛ يونغ، 2006).

وخلال الفترة السابقة للاستقلال، أدركت القيادة الجنوبية أن بناء الدولة يتطلب تغييراً أعمق في طبيعة الجيش. استهدفت عملية تحول الجيش الشعبي إنشاء قوة أصغر حجماً وأكثر احترافاً وانضباطاً وقدرة على العمل تحت سيطرة مدنية، واعتمدت الجمعية التشريعية لجنوب السودان الورقة البيضاء للدفاع في يونيو 2008م بوصفها إحدى المحطات الرسمية في هذا المسار (راندز، 2010).

غير أن الدراسات المتخصصة رصدت فجوة واضحة بين حجم المهام المسندة إلى الجيش وبين الموارد والنظم الإدارية المتاحة لإعادة بنائه، إضافة إلى ضغوط المليشيات والوكلاء والتوترات الحدودية والعنف المجتمعي وضعف الموارد البشرية والمالية (راندز، 2010؛ سنودن، 2012). وهذا يعني أن جنوب السودان لم يدخل الاستقلال وهو يمتلك مؤسسة عسكرية مكتملة ثم طرأ عليها الانقسام لاحقاً؛ بل دخل الدولة الجديدة ومشروع التحول العسكري نفسه ما يزال غير مكتمل.

حوّل الاستقلال في 9 يوليو 2011م مطلب الإصلاح من هدف سياسي إلى التزام دستوري. فقد نصت المادة 151 من الدستور الانتقالي على تحويل الجيش الشعبي إلى قوات مسلحة وطنية «غير حزبية، قومية الطابع، وطنية، نظامية، محترفة ومنضبطة»، وخاضعة للسلطة المدنية التي ينشئها الدستور والقانون. كما أسندت إليها حماية الدستور والسيادة ووحدة الإقليم والشعب، وحددت المادة 152 ضرورة الفصل بين الواجبات العسكرية والواجبات الحزبية، وبين الوظائف العسكرية والشرطية، بينما جعلت المادة 153 رئيس الجمهورية القائد الأعلى ونظمت التعيين والترقية والتقاعد والإعفاء وفق القانون (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011). ومن ثم رسم الدستور نموذجاً واضحاً نسبياً: قوة وطنية محترفة، منفصلة عن التنافس الحزبي، خاضعة لسلطة مدنية، وتستخدم القوة في إطار القانون لحماية الجمهورية وسكانها.

لكن أزمة ديسمبر 2013م كشفت الفجوة بين التصميم الدستوري وقدرة المؤسسة على الصمود أمام الصراع السياسي. بدأ القتال داخل البيئة الأمنية في جوبا في 15 ديسمبر، ثم اتسع سريعاً إلى مناطق واسعة من البلاد، وارتبط بانقسامات داخل الجيش الشعبي وباصطفافات سياسية ومجتمعية، كما سجلت بعثة الأمم المتحدة انتهاكات جسيمة واستهدافاً للمدنيين من أطراف النزاع (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2014). وقد أظهر الانقسام أن مشروع تحويل الجيش من شبكة تحررية وفصائل مسلحة إلى مؤسسة وطنية لم يكن قد اكتمل؛ إذ تمكنت عناصر وقيادات من إعادة الاصطفاف على أساس علاقات سياسية وحربية سابقة. ومن زاوية العلاقات المدنية–العسكرية، لم تكن المشكلة مجرد اندلاع حرب أهلية، وإنما انهيار القدرة المؤسسية على إبقاء التنافس السياسي منفصلاً عن بنية القيادة العسكرية، وهو ما يفسر اتساع آثار الأزمة على المدنيين وعلى احتكار الدولة للقوة.

جاءت اتفاقية حل النزاع لعام 2015م (ARCSS) محاولة لإعادة تنظيم المجال الأمني عبر وقف إطلاق نار دائم وترتيبات أمنية انتقالية وآليات للمتابعة والتنفيذ، إلا أن تجدد العنف كشف هشاشة التسوية وعدم كفاية النصوص وحدها لضبط شبكات القيادة المتنافسة (الإيغاد، 2015). لذلك أعاد الاتفاق المنشط لعام 2018م (R-ARCSS) وضع المسألة الأمنية في قلب الانتقال، فنص على وقف إطلاق النار، والتجميع، والفرز، والتدريب، وتوحيد القوات، وإعادة الانتشار، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإصلاح مؤسسات القطاع الأمني (الإيغاد، 2018). وكان المنطق واضحاً: لا يمكن أن تستقر التسوية السياسية بصورة مستدامة إذا ظلت للأطراف جيوش أو تشكيلات موازية تستطيع العودة إلى القتال متى انهارت الثقة السياسية.

حقق تنفيذ الترتيبات الأمنية بعض الإنجازات المهمة. ففي 30 أغسطس 2022م تخرج أكثر من 20 ألفاً من أفراد الدفعة الأولى من القوات الموحدة اللازمة في جوبا، وعدّ كل من UNMISS وRJMEC الحدث محطة أساسية في تنفيذ الاتفاق (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2022؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2022). غير أن التخرج كان بداية عملية وليس نهايتها. فالاندماج الحقيقي لا يثبت في ساحة العرض، وإنما في نظام قيادة واحد، ورواتب موحدة، وإدارة أفراد مشتركة، وعقيدة واحدة، وانتشار مشترك، وانقطاع الاعتماد على الوحدات الأم السابقة. ولهذا لا يكفي عدّ الأفراد الذين تخرجوا؛ بل ينبغي تقويم ما إذا كانت المؤسسة الجديدة قد أصبحت قادرة على العمل بعيداً عن المرجعيات الفصائلية التي جاء منها أفرادها.

وبحلول الربع الأول من عام 2026م، أظهرت بيانات الرصد الرسمية تراجعاً خطيراً في هذا المسار. فقد سجلت RJMEC عدد 133 ادعاءً بانتهاك وقف إطلاق النار، شملت اشتباكات وجرائم ضد المدنيين وعنفاً جنسياً ونزوحاً قسرياً واحتلال مناطق مدنية، وأفادت بعدم إحراز تقدم في الترتيبات الأمنية الانتقالية خلال الربع المذكور. كما كانت CTSAMVM تعمل بثلاث فرق فقط للمراقبة والتحقق على مستوى البلاد، في حين ظل مجلس الدفاع المشترك (JDB) ولجنة وقف إطلاق النار العسكرية المشتركة (JMCC) واللجنة الأمنية الانتقالية المشتركة (JTSC) غير عاملة منذ مارس 2025م. وتعطل عمل مفوضية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بسبب توقف التوحيد ونقص التمويل، وأصبحت غالبية مواقع التجميع ومراكز التدريب غير عاملة، كما أفادت RJMEC بأن القوات الموحدة التي جرى نشرها في 2023–2024م لم تعد قائمة كقوات مستقلة بعد عودة أعداد كبيرة من أفرادها إلى وحداتهم الأم السابقة (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ). وهذه مؤشرات على ضعف مؤسسي يمس جوهر منظومة القيادة والدمج، لا مجرد تأخر إداري في الجدول الزمني.

تنعكس هذه الاختلالات على بيئة حماية المدنيين. فقد وثقت UNMISS خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026م عدد 206 حوادث عنف مرتبطة بالنزاع أضرت بما مجموعه 1,388 مدنياً، منهم 767 قتيلاً و457 جريحاً و93 مختطفاً و71 من ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع. وعلى الرغم من انخفاض عدد الحوادث مقارنة بالربع السابق، ارتفع عدد الضحايا بنحو 67%، بينما ارتفعت الوفيات بنسبة 89% والإصابات بنسبة 73%، مع تنبيه البعثة إلى أن القيود الأمنية والوصول الميداني تعني أن الأرقام الموثقة قد لا تمثل الحجم الكامل للضرر (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2026ب). وفي الوقت نفسه قدّرت UNICEF أن نحو 9.3 ملايين شخص، أي أكثر من 70% من السكان، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في عام 2026م بسبب تداخل النزاع والصدمات المناخية والتدهور الاقتصادي. ولا يمكن نسبة هذا الاحتياج الإنساني كله إلى العلاقات المدنية–العسكرية، لكن استمرار ضعف القيادة ووقف إطلاق النار والدمج يزيد تكلفة الهشاشة القائمة ويحد من قدرة الدولة على حماية السكان (اليونيسف، 2026؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

وعليه، تمثل جنوب السودان حالة مناسبة لدراسة العلاقات المدنية–العسكرية من منظور تحليلي وتقويمي؛ فالدولة تمتلك نموذجاً دستورياً واضحاً نسبياً، واتفاقات أمنية متكررة، وبرامج للتوحيد والإصلاح، لكنها ما تزال تواجه فجوة واسعة بين ما تقرره النصوص وما تنتجه المؤسسات فعلياً. والسؤال الحاسم ليس ما إذا كان المدنيون يحتلون قمة السلطة اسمياً، ولا ما إذا كانت القوات قد أعيدت تسميتها أو تخريج دفعات منها، بل ما إذا كانت السلطة المدنية قادرة على توجيه المؤسسة الأمنية ومساءلتها، وما إذا كان الاحتراف والحياد السياسي قد أصبحا قواعد مؤسسية، وما إذا كانت القوات السابقة قد اندمجت في بنية وطنية واحدة، وما إذا كانت آليات الترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تعمل بما يكفي للحد من المنافسة المسلحة وحماية المدنيين. ومن هنا تنتقل الدراسة إلى تحديد المشكلة البحثية بصورة مباشرة.

1.2 مشكلة الدراسة

تتمثل المشكلة الأمنية التي تعالجها الدراسة في استمرار الفجوة بين الإطار الدستوري المنظم للعلاقات المدنية–العسكرية في جنوب السودان وواقع الممارسة الفعلية داخل المنظومة الأمنية. فالدستور الانتقالي يوجب قيام قوات وطنية غير حزبية ومحترفة ومنضبطة وخاضعة للسلطة المدنية، غير أن RJMEC سجلت في الربع الأول من عام 2026م 133 ادعاءً بانتهاك وقف إطلاق النار، وأفادت بعدم إحراز تقدم في الترتيبات الأمنية الانتقالية، وبقاء الآليات الأمنية المشتركة الرئيسة غير عاملة منذ مارس 2025م، وبأن القوات الموحدة اللازمة التي سبق نشرها لم تعد قائمة كتشكيلات موحدة مستقلة بعد عودة كثير من أفرادها إلى وحداتهم الأم (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

وفي البيئة نفسها وثقت UNMISS تأثر 1,388 مدنياً بالعنف خلال يناير–مارس 2026م، منهم 767 قتيلاً و457 جريحاً و93 مختطفاً و71 من ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، بينما قُدّر عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية بنحو 9.3 ملايين شخص نتيجة تداخل النزاع والعوامل المناخية والاقتصادية (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2026ب؛ اليونيسف، 2026).

وتتمحور أوجه الخلل في فعالية السيطرة المدنية والمساءلة، والاحتراف والحياد السياسي، وتماسك القوات ووحدة القيادة، وتنفيذ التوحيد والتجميع والتدريب والانتشار ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وقد سعت الدولة والأطراف إلى معالجة هذه المشكلات عبر إعلان جوبا، والدستور الانتقالي، وARCSS وR-ARCSS ومسار القوات الموحدة، إلا أن انعدام الثقة السياسية، وتجدد المواجهات، وضعف التمويل واللوجستيات، وتعطل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والآليات المشتركة، واستمرار بعض الولاءات السابقة، حالت دون ترسيخ النتائج. ومن ثم تتمثل الفجوة البحثية في الحاجة إلى تقويم متكامل يفسر لماذا لم تُنتج هذه الإصلاحات، حتى عام 2026م، مؤسسة أمنية وطنية تتسم بصورة مستقرة بالسيطرة المدنية والاحتراف والحياد السياسي والتماسك والمساءلة، وما يترتب على ذلك من آثار في الأمن القومي وحماية المدنيين.

1.3 أسئلة الدراسة

1.3.1 السؤال الرئيس

إلى أي مدى أسهمت إدارة العلاقات المدنية–العسكرية في جمهورية جنوب السودان في بناء مؤسسة أمنية وطنية محترفة، ومحايدة سياسياً، ومتماسكة، وخاضعة للمساءلة، وقادرة على دعم الأمن القومي وحماية المدنيين؟

الأسئلة الفرعية

– ما مدى فعالية الآليات الدستورية والقانونية والمؤسسية التي تمكّن السلطات المدنية من توجيه القوات المسلحة والرقابة عليها ومساءلتها في جنوب السودان؟

– إلى أي مدى ترسخ الاحتراف العسكري والحياد السياسي داخل القوات المسلحة في جنوب السودان؟

– ما مدى نجاح عملية دمج القوات في تحويل قوات حركات التحرير والمعارضة والتشكيلات المسلحة الأخرى إلى مؤسسة عسكرية وطنية متماسكة؟

– إلى أي مدى نُفذت الترتيبات الأمنية الانتقالية، بما في ذلك القيادة الموحدة، والتجميع، والتدريب، والانتشار، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج؟

– ما آثار نمط إدارة العلاقات المدنية–العسكرية على الأمن القومي، وحماية المدنيين، والاستقرار السياسي في جنوب السودان؟

1.4 أهداف الدراسة

1.4.1 الهدف العام

تحليل وتقويم إدارة العلاقات المدنية–العسكرية في جمهورية جنوب السودان خلال الفترة 2011–2026م، مع التركيز على السيطرة المدنية والمساءلة، والاحتراف العسكري والحياد السياسي، ودمج القوات وتماسكها، وتنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية، وانعكاسات ذلك على الأمن القومي وحماية المدنيين.

الأهداف الفرعية

– تقويم الآليات الدستورية والقانونية والمؤسسية التي تمارس من خلالها السلطات المدنية توجيه القوات المسلحة والرقابة عليها ومساءلتها.

– تقويم مدى ترسخ الاحتراف العسكري والحياد السياسي داخل القوات المسلحة.

– تحليل فعالية دمج القوات في بناء مؤسسة أمنية وطنية متماسكة من قوات حركات التحرير والمعارضة والتشكيلات المسلحة الأخرى.

– تقويم تنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية، بما يشمل القيادة الموحدة والتجميع والتدريب والانتشار ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

– تقويم آثار إدارة العلاقات المدنية–العسكرية على الأمن القومي وحماية المدنيين والاستقرار السياسي.

1.5 أهمية الدراسة

1.5.1 الأهمية العلمية

تنبع الأهمية العلمية من أن الدراسة لا تختزل العلاقات المدنية–العسكرية في مسألة الانقلاب أو خضوع الجيش الشكلي للحكومة، وإنما تتعامل معها بوصفها منظومة أمنية تشمل توزيع السلطة، ومهنية المؤسسة العسكرية، وحيادها السياسي، وتكوينها الاجتماعي، ونظم التجنيد والترقية، وعلاقتها بالمجتمع، وقدرتها على أداء الوظيفة الأمنية بكفاءة ومساءلة (عبد الشافي، د.ت.-أ؛ عبد الشافي، د.ت.-ج؛ الزاوي ولونيس، 2020). وتوفر حالة جنوب السودان مجالاً مهماً لربط نظريات العلاقات المدنية–العسكرية بمشكلات تحويل جيش تحرير إلى جيش دولة، ودمج الخصوم السابقين، وبناء المؤسسات بعد الحرب، وتنفيذ إصلاح القطاع الأمني (باراني، 2018؛ راندز، 2010؛ سنودن، 2012). وتضيف الدراسة قيمة تحليلية من خلال التمييز بين المستوى القانوني، والمستوى التنظيمي، ومستوى الممارسة والتنفيذ؛ إذ قد توجد السيطرة المدنية في النص، بينما تظل قدرتها المؤسسية على التوجيه والرقابة محدودة، وقد يوجد التدريب العسكري بينما لا يكون الاحتراف قد تحول بعد إلى ثقافة تنظيمية مستقرة.

1.5.2 الأهمية العملية

عملياً، يمكن أن تفيد نتائج الدراسة المؤسسات المسؤولة عن الدفاع والأمن وتنفيذ السلام وحماية المدنيين في جنوب السودان، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية، ووزارة الدفاع وشؤون قدامى المحاربين، وقوات دفاع شعب جنوب السودان، والسلطة التشريعية الانتقالية، وهيئات الرقابة، والآليات الأمنية المشتركة. كما تكتسب أهمية بالنسبة إلى IGAD والاتحاد الإفريقي وUNMISS والشركاء الداعمين للإصلاح. وتساعد الدراسة على التمييز بين أنماط مختلفة من الخلل: فزيادة التمويل لا تعالج وحدها مشكلة الولاءات المتوازية، والنص القانوني لا يعوض غياب القيادة الموحدة، والتدريب لا يخلق مؤسسة وطنية إذا ظل الأفراد يعتمدون على تشكيلاتهم السابقة، كما أن أجهزة الرقابة لا تكون فعالة من دون معلومات وقدرة فنية. ومن خلال تحديد مواضع الخلل وطبيعة الترابط بينها، يمكن توجيه الإصلاح نحو منع عودة المنافسة المسلحة، وتقوية المساءلة، ورفع قدرة مؤسسات الدولة على حماية السكان.

1.6 حدود الدراسة

1.6.1 الحدود الموضوعية

تقتصر الدراسة موضوعياً على إدارة العلاقات المدنية–العسكرية بوصفها مسألة أمن قومي وحوكمة مؤسسية. وتركز على أربعة أبعاد تفسيرية رئيسة: السيطرة المدنية والمساءلة المؤسسية؛ الاحتراف العسكري والحياد السياسي؛ دمج القوات والتماسك والطابع الوطني؛ وتنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية، بما فيها القيادة الموحدة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وتُقوَّم هذه الأبعاد في ضوء نتائج تتصل بالأمن القومي والاستقرار المؤسسي وحماية المدنيين. ولا تتناول الدراسة التاريخ العسكري لجنوب السودان بصورة شاملة، ولا تحصي جميع الجماعات المسلحة، ولا تقدم تقييماً عاماً لكل جوانب الانتقال السياسي إلا بالقدر الذي يؤثر مباشرة في بنية المؤسسة الأمنية وسلوكها.

1.6.2 الحدود الجغرافية

تغطي الدراسة جمهورية جنوب السودان بوصفها وحدة التحليل الأساسية، مع التركيز على العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسات الدستورية والرقابية، وقوات دفاع شعب جنوب السودان، وبقية المؤسسات الأمنية، والآليات المنشأة بموجب اتفاقات السلام. وتستخدم شواهد من ولايات ومناطق متأثرة بالنزاع، مثل جونقلي وأعالي النيل والوحدة وشرق الاستوائية وغرب الاستوائية وغرب بحر الغزال، عندما تكشف تلك الشواهد كيفية عمل القيادة الوطنية أو تعطلها، أو أثر وقف إطلاق النار ودمج القوات على حماية المدنيين؛ لكنها لا تتعامل مع أي ولاية أو مقاطعة كدراسة حالة مستقلة.

1.6.3 الحدود الزمنية

يمتد الإطار الزمني الرئيس من عام 2011م، وهو عام استقلال جمهورية جنوب السودان وقيام نظامها الدستوري الأمني، إلى عام 2026م، وهو آخر تاريخ تتوافر عنه في الدراسة بيانات حديثة عن تنفيذ الترتيبات الأمنية وحماية المدنيين. وتُستدعى بعض السوابق من الفترة 1983–2010م، ولا سيما نشأة SPLM/A، واتفاقية السلام الشامل 2005م، وإعلان جوبا 2006م، ومسار تحول الجيش الشعبي، بقدر ما يلزم لتفسير المؤسسات التي ورثتها الدولة عند الاستقلال.

1.7 منهجية الدراسة

1.7.1 منهج الدراسة وتصميمها

تعتمد الدراسة تصميماً نوعياً قائماً على دراسة الحالة والبحث المكتبي. ويُعد هذا التصميم ملائماً لأن المشكلة تتعلق بالسلطة والقيادة والسلوك المؤسسي والمعايير المهنية وتنفيذ اتفاقات الأمن والفجوة بين النص والممارسة، وهي موضوعات يمكن تحليلها بصورة منهجية من خلال الوثائق الدستورية والقانونية، واتفاقات السلام، وتقارير المؤسسات الرسمية والرقابية، والدراسات الأمنية المتخصصة. ولا تستخدم الدراسة استبيانات أو مقابلات أو عينات ميدانية؛ إذ تعتمد جميع بياناتها على الأدلة الوثائقية والمصادر الثانوية.

1.7.2 المناهج والأساليب المستخدمة

توظف الدراسة ثلاثة أساليب متكاملة. أولاً، المنهج التاريخي لتتبع نشأة القوات المسلحة وتطورها من مرحلة التحرير، مروراً باتفاقية السلام الشامل والاستقلال، وصولاً إلى مرحلة ما بعد أزمة 2013م. ثانياً، المنهج المؤسسي لتحليل توزيع الاختصاصات بين الرئاسة والسلطة التنفيذية والتشريعية والمؤسسة العسكرية وآليات تنفيذ اتفاقات السلام، ومقارنة ما تقرره النصوص بما يحدث في الممارسة. ثالثاً، تحليل المضمون الوثائقي وتتبع العمليات لرصد أنماط التنفيذ ونقاط التحول، بما في ذلك CPA 2005م، وإعلان جوبا 2006م، والاستقلال 2011م، والانقسام 2013م، وARCSS 2015م، وR-ARCSS 2018م، وتخريج القوات الموحدة 2022م، وتراجع الآليات المشتركة في 2025–2026م.

1.7.3 مصادر البيانات وجمعها

تعتمد الدراسة على مصادر وثائقية وثانوية تم اختيارها وفق الصلة المباشرة بالموضوع، ووضوح الجهة أو المؤلف، والمصداقية، وحداثة المصدر وملاءمته الزمنية. وتشمل الوثائق الأساسية الدستور الانتقالي، واتفاقية السلام الشامل، وإعلان جوبا، وARCSS وR-ARCSS، والتشريعات الأمنية، والسجلات الرسمية المتعلقة بتنفيذ الترتيبات. كما تستفيد من تقارير RJMEC وCTSAMVM، ووثائق مجلس الأمن وUNMISS، ومواد IGAD والاتحاد الإفريقي، وتقارير حماية المدنيين، والدراسات العسكرية المتخصصة. وتضم القاعدة العلمية كتباً ومقالات محكمة وأطروحات ودراسات عربية وأجنبية، من بينها أعمال عبد الفتاح ماضي وزولتان باراني ورابح زاوي وفارس لونيس، ومواد د. عصام عبد الشافي، إلى جانب دراسات مشروع مسح الأسلحة الصغيرة (HSBA) المتعلقة بتحول الجيش الشعبي ودمج القوات وإصلاح القطاع الأمني.

1.7.4 أسلوب تحليل البيانات

تُحلل المادة الوثائقية من خلال تحليل مضمون نوعي منظم مع التحقق المتقاطع بين المصادر. وتُرتب الأدلة زمنياً ثم تُصنف وفق محاور الدراسة: السيطرة المدنية والمساءلة؛ الاحتراف والحياد السياسي؛ دمج القوات والتماسك والطابع الوطني؛ تنفيذ الترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج؛ ثم نتائج الأمن القومي وحماية المدنيين. وتُستخدم الوثائق الدستورية واتفاقات السلام لتحديد الالتزامات الرسمية، وتقارير الرصد لقياس التنفيذ وحالة الآليات ووقف إطلاق النار والتجميع والتدريب والانتشار، وتقارير حماية المدنيين لتقدير الآثار البشرية، بينما تستخدم الدراسات المتخصصة لتفسير مشكلات القيادة والتنظيم والاحتراف والتحول العسكري. وعندما تختلف المصادر، يُنظر في طبيعة الجهة التي أصدرت المعلومة، وتاريخها، ونطاق اختصاصها، وطريقة جمعها بدلاً من افتراض أن سرداً واحداً يقدم الصورة الكاملة.

1.7.5 موثوقية الدراسة وضبط المصادر والقيود المنهجية

تُعزز الموثوقية عبر المضاهاة بين أكثر من نوع من المصادر، والتحقق الزمني من الوقائع الرئيسية، وعدم الاعتماد على مصدر منفرد في القضايا الأمنية الحساسة متى أمكن ذلك. وتُعامل الوثائق الرسمية بوصفها مرجعاً أساسياً للولاية القانونية والقرارات المعلنة، لا بوصفها وصفاً كاملاً للواقع التشغيلي، بينما تستخدم تقارير حقوق الإنسان والحماية أساساً لتوثيق أنماط الحوادث مع مقارنتها بتقارير الرصد والمؤسسات الرسمية. ومن أهم القيود صعوبة الوصول إلى بعض مناطق النزاع، وهو ما قد يمنع التحقق الكامل من أعداد الضحايا، وقد أشارت UNMISS نفسها إلى هذا القيد في تقارير 2026م. كما أن البيئة السياسية والأمنية ظلت متحركة حتى نهاية الفترة المدروسة، ولذلك تقوّم الدراسة أحدث الأدلة المتاحة دون افتراض أن الانتقال قد وصل إلى نتيجة نهائية. ويُتعامل مع هذه القيود عبر الحذر في الصياغة، والإسناد الصريح، وتجنب الادعاءات السببية التي لا يدعمها أكثر من مصدر.

ثامنًا: مراجعة الأدبيات والإطار النظري والمفاهيمي

يؤسس هذا الفصل القاعدة العلمية التي تستند إليها عملية التقويم في الفصول التطبيقية. ولا يتعامل مع الدراسات السابقة بوصفها قائمة ملخصات منفصلة، بل يعيد تنظيمها حول محاور المشكلة البحثية، ثم يقارن بين ما تتفق عليه وما تختلف فيه وما تعجز عن تفسيره. وينصب التركيز على خمسة مسارات مترابطة: السيطرة المدنية والمساءلة؛ الاحتراف العسكري والحياد السياسي؛ تكوين المؤسسة العسكرية والهوية والتماسك؛ التحول العسكري ودمج القوات بعد النزاعات؛ وإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والترتيبات الأمنية، مع ربط ذلك بحماية المدنيين واستقرار الدولة. وبعد المراجعة النقدية يبني الفصل إطاراً نظرياً تكاملياً يجمع بين الاحتراف والسيطرة المدنية الموضوعية، ونظرية الأصيل والوكيل، ونظرية التوافق، ومدخل التحول العسكري في مرحلة ما بعد النزاع، ثم يحول هذه المداخل إلى مفاهيم ومؤشرات قابلة للتطبيق على حالة جنوب السودان (هنتنغتون، 1957؛ فيفر، 2003؛ شيف، 2009؛ باراني، 2012؛ ماضي، 2021).

2.1 مراجعة الدراسات السابقة

الأدبيات ذات الصلة واسعة ومتشعبة، وهي تعكس تعدد الزوايا التي يمكن من خلالها النظر إلى المؤسسة العسكرية. فالأدبيات الكلاسيكية تسأل عن موضع السلطة وحدود التدخل العسكري، وأدبيات الحوكمة الأمنية تضيف أسئلة الفعالية والكفاءة والمساءلة، بينما تهتم دراسات ما بعد النزاع بالدمج والتسريح وإعادة بناء المؤسسات، وتركز دراسات جنوب السودان على إرث SPLM/A، والمساومات المسلحة، وشبكات المحسوبية، والهوية، وبناء الدولة، وحماية المدنيين. غير أن فصل هذه المسارات عن بعضها يخلق صورة مجزأة للمشكلة. لذلك تسعى هذه المراجعة إلى وصلها في تحليل واحد يوضح كيف تتداخل القواعد الرسمية مع البنية التنظيمية وشبكات القوة غير الرسمية والنتائج الأمنية على السكان (برونو وماتي، 2008؛ باراني، 2012؛ وارنر، 2016؛ بريتنغ وآخرون، 2016).

2.1.1 السيطرة المدنية والمساءلة المؤسسية

ينطلق المسار الأول من السؤال التقليدي: كيف تظل المؤسسة التي تحتكر أدوات القوة خاضعة للسلطة السياسية المشروعة من دون إفساد كفاءتها المهنية؟ قدّم هنتنغتون تمييزه المعروف بين السيطرة المدنية الذاتية والسيطرة الموضوعية، وجعل جوهر الثانية في رفع درجة الاحتراف العسكري مع حصر القرار السياسي النهائي في يد المدنيين (هنتنغتون، 1957).

وفي هذا المنظور لا يكون الجيش «ضعيفاً» حتى يكون خاضعاً، بل يصبح أكثر احترافاً وأقل انخراطاً في السياسة كلما اتضحت الحدود بين المجالين. وتضيف مواد عبد الشافي بعداً مهماً إلى هذا النقاش حين تطرح المسألة في صورتين متلازمتين: كيف تخضع القوات المسلحة للسلطة المدنية، وكيف تحترم السلطة المدنية، في المقابل، الاختصاص المهني للعسكريين (عبد الشافي، د.ت.-ب). وهذه الثنائية مفيدة لحالة جنوب السودان لأنها تنقل النقاش من سؤال «من يحكم؟» إلى سؤال «كيف تُدار السلطة والاختصاص داخل منظومة الأمن؟».

وسّع فيفر هذا النقاش من خلال نظرية الأصيل والوكيل. فتحتاج الدولة إلى إسناد مهام متخصصة إلى المؤسسة العسكرية لا يستطيع صانع القرار المدني تنفيذها مباشرة، وهو ما يمنح العسكريين معرفة وخبرة تفوق معرفة صانع القرار المدني بالتفاصيل الفنية. وهنا تبرز إشكالية الرقابة والمتابعة: كيف يضمن الأصيل المدني أن الوكيل العسكري ينفذ المهمة وفق الغرض السياسي والقانوني المتفق عليه، لا وفق مصالحه الخاصة أو تقديراته المنفردة؟ (فيفر، 2003).

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الدول الانتقالية، لأن علوية السلطة المدنية التي يقررها الدستور قد يظل شكلياً إذا كانت المؤسسات المدنية تفتقر إلى الخبرة أو المعلومات أو أدوات التحقيق والميزانية والمساءلة. وبذلك يصبح الفرق بين السيطرة القانونية والسيطرة الفعلية أحد أهم مفاتيح تحليل جنوب السودان.

ويقترح برونو وماتي توسيع معيار التقويم من «السيطرة» وحدها إلى ثلاثية السيطرة والفعالية والكفاءة (برونو وماتي، 2008). فالسلطة قد تكون قادرة على إصدار الأوامر، لكن المؤسسة الأمنية قد تظل غير قادرة على تنفيذ مهامها أو تستهلك موارد لا تتناسب مع أدائها. وهذه الإضافة مهمة في جنوب السودان، حيث يمكن أن توجد قيادة سياسية واضحة في القمة بينما تتعطل القدرة على حماية المدنيين أو نشر القوات أو ضبط الرواتب واللوجستيات.

ولذلك لا يكفي إثبات أن الرئيس قائد أعلى؛ بل ينبغي سؤال ما إذا كانت منظومة الدفاع ككل تعمل وفق قواعد مهنية، وهل تخضع الميزانية والأفراد للمراجعة، وهل توجد آليات تصحيح ومساءلة، وهل يستطيع الجهاز العسكري تحويل التوجيه السياسي إلى أثر أمني فعلي.

وتقدم الأدبيات العربية، ولا سيما ماضي وعبد الشافي، تصوراً أوسع للسيطرة المدنية بوصفها منظومة مؤسسات لا علاقة شخصية بين الرئيس والقيادة العسكرية. فالتشريع، والوزارة المدنية، والبرلمان، والقضاء، والرقابة المالية، وأجهزة التفتيش، والرأي العام والإعلام، كلها تدخل بدرجات متفاوتة في البيئة التي تُمارس فيها السيطرة والمساءلة (ماضي، 2021؛ عبد الشافي، د.ت.-أ).

ومن هنا يمكن التمييز بين سيطرة مؤسسية تعتمد قواعد وإجراءات مستدامة، وسيطرة شخصية تعتمد على علاقة مباشرة بين رأس السلطة والقادة. وقد تكون الثانية قوية ظاهرياً، لكنها تظل أضعف من الأولى في مواجهة تغير القيادات والأزمات السياسية.

وتكشف حالة جنوب السودان حدود نقل النظريات الكلاسيكية بحذافيرها. فمعظم هذه النظريات افترضت وجود جيش متكامل نسبياً و«أصيل» مدني قادر على مخاطبة «وكيل» عسكري واحد. أما في جنوب السودان فقد تشكلت الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية بالتزامن، واستوعبت المؤسسة العسكرية تشكيلات متعددة لها تاريخها وقادتها وشبكاتها. لذلك قد يكون «الوكيل» متعدداً، وقد لا يكون «الأصيل» نفسه مؤسسياً أو متجانساً. وهذا لا يلغي قيمة نظريات السيطرة؛ لكنه يجعل تطبيقها مشروطاً بربطها بمشكلات الدمج والتماسك والاحتراف والتحول بعد النزاع (راندز، 2010؛ وارنر، 2016؛ باراني، 2012).

2.1.2 الاحتراف العسكري والحياد السياسي

يركز المسار الثاني على المؤسسة العسكرية بوصفها مهنة لها معرفة متخصصة ومسؤولية وهوية جماعية. يربط هنتنغتون الاحتراف بثلاثة عناصر هي الخبرة والمسؤولية وروح الجماعة المهنية، ويرى أن الضابط المحترف يقدّم المشورة في مجال القوة العسكرية ثم ينفذ القرار السياسي الذي تتخذه السلطة المدنية (هنتنغتون، 1957). ويضيف جانوفيتز أن الجندي الحديث لا يعيش في عزلة اجتماعية تامة؛ فالمؤسسة العسكرية تتغير مع المجتمع وتتفاعل معه، بينما يحذر فاينر من أن التنظيم والاحتراف لا يمنعان التدخل السياسي تلقائياً إذا ضعفت المؤسسات المدنية أو ترسخت لدى الجيش تصورات سياسية عن دوره (جانوفيتز، 1960؛ فاينر، 1962). ومن ثم لا توجد علاقة آلية بين «قوة الجيش» و«حياده»؛ بل يتوقف الأمر على نوع الاحتراف والقواعد التي تحكم استخدام القدرة المهنية.

ويساعد تحليل عبد الشافي في ضبط هذا المعنى بصورة عملية. فالاحتراف لا يعني أن المدنيين يتنازلون عن القرار السياسي النهائي، ولا يعني أن السياسيين يديرون التفاصيل الفنية. بل تعترف السلطة المدنية بخبرة العسكريين وتستمع إلى تقديرهم المهني في مسائل الأمن القومي، ثم تحتفظ بسلطة القرار، وتلتزم القوات بتنفيذه في إطار القانون (عبد الشافي، د.ت.-ب).

كما يربط مفهوم السيطرة الموضوعية بين زيادة الاحتراف وبين الحياد السياسي. وهذا الربط وثيق الصلة بجنوب السودان، لأن اختبار الاحتراف لا يقتصر على التدريب والرتبة، وإنما يشمل ما إذا كان ولاء العسكري للدولة والقانون أقوى من ولائه للحركة أو الحزب أو القائد أو شبكة الرفاق التي نشأت في زمن الحرب.

وتوضح أدبيات التحول العسكري في جنوب السودان أن الاحتراف جاء منذ البداية داخل بيئة أمنية ضاغطة. فقد كان على SPLA أن يتحول من جيش حرب عصابات إلى مؤسسة نظامية مدمجة وفي الوقت نفسه يواجه تهديدات حدودية ومليشيات وصراعات محلية ومطالب دمج متتالية (راندز، 2010؛ سنودن، 2012). ولم يكن الدمج دائماً مبنياً على معايير مهنية؛ إذ استخدمت الرتب والمناصب والرواتب أحياناً كوسائل لاحتواء قادة أو فصائل مسلحة، وهو ما حقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل لكنه صعّب توحيد المعايير المهنية على المدى الطويل (يونغ، 2006؛ وارنر، 2016). وهنا يظهر التوتر بين «بناء السلام» و«بناء المهنة»: ما يخفف خطر التمرد اليوم قد يرفع تكلفة إعادة تنظيم الجيش غداً.

وتسلط دراسات الاقتصاد السياسي الضوء على مشكلة أخرى، هي أن المحسوبية العسكرية قد تفرغ الاحتراف من مضمونه. يصف دي وال النظام بأنه قائم بدرجة كبيرة على شبكات سياسية–عسكرية تستخدم الموارد والامتيازات لضمان الولاء، بينما يناقش داقوت صعود «طبقة السلاح» وتداخل النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي (دي وال، 2014؛ داقوت، 2022).

وفي هذه البيئة يصبح إصلاح الرتب والرواتب والتقاعد ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج جزءاً من إصلاح البنية السياسية نفسها، لا مجرد تحديث إداري. فالمعيار المهني يقتضي أن تُحدد الخدمة والترقية والتقاعد وفق قواعد موحدة، بينما تقوم شبكة المحسوبية على علاقة شخصية تمنح القوة العسكرية قيمة تفاوضية خارج المؤسسة.

وتفيد الأدبيات كذلك بأن الحياد السياسي لا يعني انفصال الجيش عن المجتمع. فالتجنيد والتمثيل والثقة العامة والانضباط في التعامل مع المواطنين كلها مكونات تؤثر في شرعية المؤسسة. وفي حالة جنوب السودان، التي تشكلت فيها الحدود بين المدني والمقاتل تاريخياً بصورة مرنة في بعض البيئات، لا يمكن بناء جيش وطني بمجرد إبعاده عن الأحزاب؛ بل يحتاج أيضاً إلى علاقة مستقرة بالمجتمع تقوم على الحماية لا الاستخراج، وعلى المواطنة لا الاصطفاف المسلح (جانوفيتز، 1960؛ شيف، 2009؛ كندرسلي ورولاندسن، 2019).

2.1.3 تكوين المؤسسة العسكرية والهوية والتماسك الوطني

ينقل المسار الثالث التحليل من سؤال السيطرة إلى سؤال «من يتكون منه الجيش وكيف تُبنى هويته؟». وتُعد نظرية التوافق لدى شيف ملائمة لهذا الجانب لأنها تربط استقرار العلاقات المدنية–العسكرية بدرجة الاتفاق بين النخب السياسية والمؤسسة العسكرية والمواطنين حول أربعة موضوعات: التركيب الاجتماعي لهيئة الضباط، وطريقة صنع القرار، ونظام التجنيد، والطابع أو الأسلوب المؤسسي للعسكرية (شيف، 2009؛ الزاوي ولونيس، 2020). وهذه المقاربة مفيدة في دولة متعددة الهويات مثل جنوب السودان لأنها لا تفترض أن الفصل المؤسسي وحده يكفي؛ بل تسأل عما إذا كان الجيش يُرى فعلاً كمؤسسة وطنية من حيث القيادة والتجنيد والمعايير والثقافة.

ويقدم عبد الشافي تحذيراً مقارناً من أن تمركز أدوات القوة في جماعة اجتماعية أو إقليمية محددة يمكن أن يحوّل الأمن من وظيفة وطنية إلى مورد تنافسي، خاصة عندما يرتبط الانتماء بالترقية والامتياز والموارد (عبد الشافي، د.ت.-د). ولا يعني ذلك أن الهوية الاجتماعية بذاتها تؤدي إلى التفكك؛ فالمشكلة تظهر عندما تُؤسَّس القرارات المؤسسية على الهوية بحيث تصبح الرتبة أو الحماية أو الموارد مرتبطة بالمجموعة لا بالقواعد الوطنية. ولذلك تتعامل هذه الدراسة مع الهوية كمتغير مؤسسي يتوسطه التجنيد والتعيين والقيادة وتوزيع الموارد، لا كسبب ثقافي حتمي للنزاع.

وتؤكد دراسات جنوب السودان هذا التفسير. فقد بيّن يونغ أن إعلان جوبا لعام 2006م كان في جوهره تفاوضاً مع تشكيلات مسلحة متعددة ذات قواعد اجتماعية ورعاة وقادة ومصالح مختلفة، بينما يرى وارنر أن نظام الإدماج الواسع عبر الرتب والرواتب والمناصب خفف بعض التهديدات لكنه لم يقض على الاستقلال التنظيمي للشبكات السابقة (يونغ، 2006؛ وارنر، 2016). ومن ثم لا يجوز تفسير انقسام 2013م تفسيراً إثنياً صرفاً؛ إذ إن الهويات أصبحت مؤثرة أمنياً لأنها تقاطعت مع مؤسسات ضعيفة وشبكات قيادة ومصالح سياسية ومادية قابلة لإعادة التعبئة.

وتضيف دراسة كندرسلي ورولاندسن مستوى محلياً مهماً؛ فقد أظهرت أن الحدود بين المدني والمقاتل في بعض مراحل الحرب كانت متحركة، وأن المجتمعات لم تكن مجرد «ضحايا» أو «مستفيدين» بل دخلت في شبكات التجنيد والحماية والضرائب والماشية والموارد (كندرسلي ورولاندسن، 2019). وهذه النتيجة تعني أن التماسك الوطني لا يُبنى داخل الثكنات وحدها، بل يتأثر بالطريقة التي يتعامل بها الجنود والوحدات مع المجتمعات المحلية. وعليه، فإن مفهوم الجيش الوطني في جنوب السودان يتطلب تماسكاً داخلياً وشرعية اجتماعية في آن واحد.

وتظل نظرية التوافق، رغم فائدتها، غير كافية وحدها. فقد يحدث «توافق» بين نخب سياسية وعسكرية على ترتيبات تستبعد مجموعات أخرى أو تكرس مصالح مشتركة للنخبة. لذلك تُستخدم هذه النظرية في الدراسة بوصفها أداة لفحص التمثيل والتجنيد والقيم والعلاقة بالمجتمع، لكنها تُقيد بمعايير السيطرة المدنية والاحتراف والقانون والمساءلة حتى لا يتحول التوافق إلى مجرد صفقة بين النخب المتحكمة في أدوات القوة (شيف، 2009؛ ماضي، 2021).

2.1.4 التحول العسكري بعد النزاع ودمج القوات

يتمحور المسار الرابع حول كيفية بناء الجيوش بعد الحروب أو التحولات الكبرى. وتبرز أعمال باراني لأنها تنطلق من فرضية أن المؤسسة العسكرية تحمل معها إرثها التنظيمي حتى بعد تغير النظام السياسي أو قيام دولة جديدة، وأن إنشاء جيش جديد يتطلب قرارات مقصودة بشأن مصير القوات القديمة، واختيار الأفراد، وبناء أنظمة التجنيد والترقية، وتطوير العقيدة، والتسريح، وإعادة تشكيل القيادة (باراني، 2012). وتنبع أهمية هذا المنظور لحالة جنوب السودان من أن الاستقلال لم يأت بعد هزيمة الجيش القديم وحله، بل جاء عبر تحويل SPLA واستيعاب منافسين مسلحين، أي إن الدولة الجديدة اضطرت إلى إعادة بناء جهاز قائم لا إلى إنشاء جيش من نقطة الصفر.

وتوضح أدبيات إعلان جوبا أن الإدماج الواسع كان في مرحلة معينة خياراً أمنياً شبه اضطراري؛ فاستبعاد SSDF وبقية التشكيلات ذات القوة العسكرية كان سيهدد اتفاقية السلام الشامل ويُبقي مراكز مسلحة مستقلة خارج الدولة (يونغ، 2006). إلا أن وارنر يوضح أن الإدماج الذي يوقف التمرد في المدى القصير قد يصبح عبئاً على الاحتراف في المدى الطويل إذا استمر استخدام الرتب والرواتب كأدوات للمساومة، وإذا لم يتبعه توحيد فعلي للتدريب والعقيدة والقيادة والحقوق والواجبات (وارنر، 2016). لذلك تميز الدراسة بين «استيعاب» مقاتلين داخل الهيكل، وبين «اندماج» مؤسسة عسكرية جديدة تتراجع داخلها الأهمية السياسية للانتماءات السابقة.

وترى راندز وسنودن أن مشروع التحول قبل الاستقلال كان يسعى إلى تقليص القوة، وخفض كلفتها، وتحسين التدريب والجاهزية والقيم والإدارة في إطار سيادة القانون، لكنه واجه تناقضاً عملياً: الجيش مطالب في الوقت نفسه بالاستعداد لتهديدات خارجية، واحتواء جماعات مسلحة داخلية، ورفع الجاهزية، وتقليص الحجم، وإصلاح الإدارة (راندز، 2010؛ سنودن، 2012). وقد جعلت هذه الأهداف المتزامنة عملية التحول شديدة الكلفة سياسياً ومالياً، وأسهمت في بقاء كثير من عناصر البنية السابقة من دون إعادة صياغة كاملة.

ويذهب بريتنغ وزملاؤه إلى أن إخفاق محاولات إصلاح القطاع الأمني لا يُفسر بنقص التدريب أو الهياكل الإدارية وحدهما، بل بعدم معالجة شبكات المحسوبية التي تعمل من خلالها القوى المسلحة (بريتنغ وآخرون، 2016). ويقدم دي وال تحليلاً مكملاً حين يربط الترتيبات الأمنية باقتصاد سياسي للمساومة والولاء (دي وال، 2014).

ومن هنا تظهر أهمية مفهوم «سلام الرواتب» لدى دي وال وبوسويل؛ إذ يمكن أن يحفز الوعد بالراتب والرتبة بعض الجماعات على تضخيم أعدادها قبل التجميع أو الدمج، بما يحول الإصلاح إلى سوق جديد للمساومة المسلحة بدلاً من أن يكون مساراً لتقليصها (دي وال وبوسويل، 2020).

ومع ذلك، لا تقود المقارنات إلى استنتاج أن التحول مستحيل. ويبيّن باراني أن بناء جيوش جديدة بعد الحروب نجح في حالات متعددة عندما توافرت إرادة سياسية متماسكة، وتسلسل واقعي للإصلاح، وقيادة قادرة على فرض قواعد موحدة، ومؤسسات مدنية ذات قدرة، وحوافز تجعل الانتماء إلى الجيش الوطني أكثر جاذبية من العودة إلى التشكيلات السابقة (باراني، 2012). وهذا ما يجعل منظور التحول مناسباً للدراسة الحالية: فهو لا يسأل فقط عمّا إذا كانت الإصلاحات «مطلوبة»، بل عمّا إذا كانت شروط تنفيذها وتسلسلها قد توافرت فعلاً في جنوب السودان.

2.1.5 إصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والترتيبات الأمنية الانتقالية في جنوب السودان

يوسع إصلاح القطاع الأمني نطاق التحليل من الجيش إلى منظومة تشمل المؤسسات التي تقدم الأمن وتديره وتراقبه وتحاسبه. ومن ثم يضم الإصلاح، بحسب الموضوع، القوات المسلحة والشرطة والأمن الوطني والسجون وأجهزة العدالة والرقابة والميزانية والإدارة المدنية (برونو وماتي، 2008؛ ماضي، 2021). وفي جنوب السودان تزداد الحاجة إلى هذا المنظور لأن الترتيبات الواردة في R-ARCSS لا تعيد تنظيم الجيش وحده، بل تسعى إلى إنشاء بنية أمنية انتقالية مترابطة، الأمر الذي يجعل إصلاح مؤسسة واحدة بمعزل عن بقية المنظومة محدود الأثر (الإيغاد، 2018؛ لوبرون، 2017).

وتنتقد أدبيات جنوب السودان الإصلاحات المدفوعة من الخارج عندما تختزل المشكلة في مخططات تنظيمية أو بناء قدرات فنية. يوضح بريتنغ وزملاؤه أن برامج التوحيد والتحديث لم تحقق النتائج المتوقعة لأنها لم تستوعب بما يكفي شبكات الرعاية السياسية داخل القطاع الأمني، بينما يؤكد ديتزنر أن الإصلاح في البيئات الهشة يتطلب بيئة سياسية ومؤسسية تمكّن الفاعلين المحليين، لا مجرد استيراد نماذج إدارية (بريتنغ وآخرون، 2016؛ ديتزنر، 2019). كما تُظهر دراسة بيل أن الدعم الدولي يمكن أن يفتح فرصاً للإصلاح، لكن أثره يظل محدوداً إذا غابت الثقة والتنسيق والملكية الوطنية (بيل، 2026).

أما نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج فيقدم زاوية أكثر اتصالاً بالأفراد والمجتمعات. فالخبرة منذ مرحلة CPA أظهرت أن التسريح لا ينجح إذا عومل باعتباره إخراج أسماء من كشوف القوات فقط؛ إذ يحتاج المقاتل السابق إلى بديل اقتصادي واجتماعي وأمني معقول، وإلا بقيت العودة إلى السلاح خياراً متاحاً (راندز، 2010؛ وارنر، 2016). وتضيف علي أن تصميم برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج قد يستبعد فئات مثل النساء المرتبطات بالقوات إذا بُنيت معايير الاستحقاق على صورة المقاتل الذكر المسلح وحده، وهو ما يبين أن إعادة الإدماج عملية اجتماعية وأمنية لا إجراء إداري فحسب (علي، 2020).

حاولت ARCSS، وبدرجة أوضح R-ARCSS، تحويل هذه الأفكار إلى برنامج تنفيذي يربط وقف إطلاق النار بالتجميع والفرز والتدريب المشترك وإعادة الانتشار وتكوين القوات الموحدة ثم نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لمن لا يُختارون للخدمة (الإيغاد، 2018). ولذلك كان تخريج أول دفعة من NUF في أغسطس 2022م إنجازاً مهماً من حيث المخرجات، لكنه لا يكفي للحكم على النتيجة. فالمعيار الحاسم هو الانتشار، ووحدة القيادة، واللوجستيات، والرواتب، والعقيدة، وتنظيم الوحدات، ومدى انقطاع ولاء الأفراد عن تشكيلاتهم الأم (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2022؛ دي وال وبوسويل، 2020). وهنا تفرق الأدبيات بين «مخرج» الإصلاح، مثل إنشاء لجنة أو مركز تدريب أو تخريج أفراد، وبين «نتيجته»، مثل تغير السلوك، واستقرار القيادة، وتفعيل المساءلة، وقيام وحدات وطنية مستدامة.

وتكشف الأدبيات عن دائرة مفرغة خطرة: كل تأخير في الإصلاح يقلل الثقة في الإصلاح نفسه، وهو ما يدفع الأطراف إلى الاحتفاظ بقواتها بوصفها تأميناً ضد فشل العملية؛ واحتفاظها بتلك القوات يزيد بدوره صعوبة التوحيد. وهذه صورة داخلية من «المعضلة الأمنية» في مرحلة الانتقال (وارنر، 2016؛ بريتنغ وآخرون، 2016؛ دي وال وبوسويل، 2020). ومن هنا تتعامل الدراسة مع الترتيبات الأمنية لا كقائمة مهام تقنية، بل كمنظومة ضمان سياسي وعسكري يجب أن تقلل دوافع الأطراف للاحتفاظ بقدرات قسرية مستقلة.

2.1.6 العلاقات المدنية–العسكرية وحماية المدنيين واستقرار الدولة

تنقل مجموعة أخرى من الأدبيات النقاش من مؤسسات الدولة إلى أثرها على السكان. فالمؤسسة العسكرية لا تستمد مشروعيتها من امتلاك السلاح، بل من قدرتها على استخدام القوة لحماية المجتمع والدولة في إطار القانون. وتؤكد مواد عبد الشافي أن المجتمع هو المصدر البشري للجيش، وأن المؤسسة العسكرية في المقابل تتحمل واجب الدفاع عنه وعن سيادة الدولة (عبد الشافي، د.ت.-أ). ويعني ذلك أن علاقة الجيش بالمواطنين ليست مسألة علاقات عامة، وإنما جزء من الأمن القومي والشرعية المؤسسية.

وتوضح كندرسلي ورولاندسن أن الحروب في جنوب السودان جعلت السكان في كثير من البيئات جزءاً من اقتصاد الحرب والتجنيد والحماية والجباية والموارد، وهو ما طمس أحياناً الحدود الصارمة بين «الجندي» و«المدني» (كندرسلي ورولاندسن، 2019). وتدل هذه النتيجة على أن حماية المدنيين لا تتحقق عبر إصلاح القيادة العليا فقط، بل تتطلب تغيير الممارسات اليومية للوحدات في تعاملها مع المجتمعات المحلية. فالجيش الوطني يُختبر في نقاط الاحتكاك الواقعية: الانتشار، نقاط التفتيش، الاستجابة للنزاعات المحلية، استخدام القوة، حماية الممتلكات، ومساءلة الأفراد.

وتبين فينتون ولوفنا، من خلال تقييم ترتيبات الحماية الدولية والوطنية، أن وجود هياكل التنسيق لا يضمن فعالية الحماية إذا غابت القيادة الواضحة والقدرة العملياتية ووضوح توزيع المسؤوليات (فينتون ولوفنا، 2013). وهذه النتيجة مهمة عند تقويم R-ARCSS: فالقيمة الحقيقية للآليات لا تقاس بعدد اللجان أو الاجتماعات، بل بقدرتها على تغيير السلوك الميداني وتقليل الضرر على المدنيين. كما تكشف عن حدود التدخل الدولي؛ فUNMISS يمكن أن تراقب وتحمي في حدود ولايتها، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة في بناء سلسلة قيادة وطنية ومؤسسات مساءلة دائمة.

وتركز دراسات عربية عديدة حول جنوب السودان على بناء الدولة والنزاع السياسي. فقد ربطت دراسات مسعودي ومسلم بين استمرار الصراعات وضعف بناء المؤسسات، وأشارت إلى أن الاستقرار يتطلب مؤسسات أمنية قادرة على فرض النظام في إطار سياسي متماسك (مسعودي ومسلم، 2022). وتفيد هذه الأدبيات في فهم السياق، لكنها لا تشرح بصورة كافية كيف تتغير المؤسسة العسكرية نفسها، وكيف تُدار القيادة والرقابة والاحتراف داخلها. وهذا هو المجال الذي تسعى الدراسة الحالية إلى تغطيته بصورة أوضح.

أما أدبيات الاقتصاد السياسي، ولا سيما دي وال وداقوت، فتفسر لماذا تتعثر الإصلاحات عندما تصبح القوة العسكرية جزءاً من نظام توزيع الموارد والامتيازات (دي وال، 2014؛ داقوت، 2022).

وفي المقابل توفر الدراسات الميدانية الأحدث، مثل بيل، معلومات مفيدة عن بيئة الإصلاح والثقة والتنسيق، لكنها لا تحل محل التحليل المؤسسي الطويل المدى للقيادة والسيطرة (بيل، 2026). وبجمع هذه الأدبيات يتضح أن حماية المدنيين واستقرار الدولة يتوقفان على ثلاث قدرات مترابطة: ضبط المؤسسة لأفرادها، واستقرار علاقتها بالمجتمع، وقدرة البنية الأمنية على الصمود أمام الأزمات السياسية.

وعليه، تستخدم الدراسة حماية المدنيين بوصفها أحد مؤشرات أداء النظام الأمني، لا بوصفها متغيراً تُنسب أسبابه كلها إلى العلاقات المدنية–العسكرية. فالعنف المجتمعي والأوضاع الاقتصادية والتدخلات الإقليمية والكوارث تؤثر أيضاً في أمن السكان. لكن عندما تفشل القيادة أو تتعدد مراكز القوة أو تنهار آليات الرصد أو تُستخدم الوحدات بصورة فصائلية، تصبح المؤسسة الأمنية نفسها عاملاً يضاعف المخاطر بدلاً من احتوائها.

2.1.7 التحليل النقدي للدراسات السابقة

تكشف المراجعة عن خمس نقاط اتفاق رئيسة. أولاً، إقرار علوية السلطة المدنية شرط ضروري لكنه غير كافٍ؛ إذ لا تتحقق السيطرة الفعلية من دون مؤسسات رقابة ومساءلة وقواعد واضحة للقيادة (فيفر، 2003؛ برونو وماتي، 2008؛ ماضي، 2021). ثانياً، الاحتراف العسكري ليس مهارة فنية فقط، بل هو منظومة قيم وهوية وتنظيم وانضباط وحياد سياسي (هنتنغتون، 1957؛ عبد الشافي، د.ت.-ب). ثالثاً، دمج الخصوم السابقين قد يكون ضرورياً لخفض خطر الحرب فوراً، لكنه قد يخلق على المدى الطويل جيشاً متضخماً أو شبكات موازية إذا لم يتبعه توحيد حقيقي للمعايير والقيادة (يونغ، 2006؛ وارنر، 2016). رابعاً، SSR ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عمليتان سياسيتان بقدر ما هما فنيتان، لأن نجاحهما يتوقف على توازنات القوة وشبكات الرعاية والموارد (بريتنغ وآخرون، 2016؛ ديتزنر، 2019). خامساً، شرعية القطاع الأمني مرتبطة بعلاقته بالمدنيين وقدرته على حمايتهم (فينتون ولوفنا، 2013؛ كندرسلي ورولاندسن، 2019).

في المقابل، تكشف الأدبيات عن اختلافات منهجية ونظرية. فنظريات السيطرة تفسر توزيع السلطة لكنها تفترض أحياناً درجة من التكامل المؤسسي لا تتوافر في الدولة الخارجة من الحرب. ونظرية التوافق توسع دائرة التحليل لتشمل المجتمع والتمثيل، لكنها قد لا تفسر بصورة كافية كيف يمكن أن يتوافق الأقوياء على ترتيبات إقصائية. أما مقاربات الاقتصاد السياسي فتشرح شبكات المحسوبية والمساومة بعمق، لكنها تميل أحياناً إلى تقليل أهمية القواعد الرسمية والتغير التنظيمي داخل الجيش. وفي الأدبيات الخاصة بجنوب السودان توجد دراسات فنية دقيقة للتحول والدمج، ودراسات سياسية قوية حول شبكات القوة، ودراسات حماية تركز على المدنيين، لكن نادراً ما تُدمج هذه المسارات في إطار واحد.

كما أن نوع الأدلة يختلف من حقل إلى آخر. فقد قدم يونغ وراندز وسنودن ووارنر تحليلات غنية لمسارات التنظيم والتحول العسكري، بينما ركز دي وال وداقوت على الاقتصاد السياسي، واستفادت بعض الدراسات الأحدث من المقابلات والمناهج المختلطة في تقويم بيئة الإصلاح (بيل، 2026). ولا تعني هذه الفروق أن أحد المسارات أفضل في ذاته؛ بل تعني أن بناء تفسير متكامل يتطلب قراءة الوثيقة الرسمية، والسلوك التنظيمي، وشبكات المصالح، ونتائج الحماية معاً.

ومن مواطن القصور أيضاً أن المواطن العادي يظهر في كثير من الدراسات باعتباره ضحية أو مستفيداً أو مجنداً، بينما توضح شيف وكندرسلي ورولاندسن أن المجتمع نفسه يسهم في تشكيل المؤسسة العسكرية من خلال الشرعية والتجنيد والتفاعلات اليومية (شيف، 2009؛ كندرسلي ورولاندسن، 2019). لذلك تدمج الدراسة حماية المدنيين وعلاقة الجيش بالمجتمع ضمن تحليلها، من دون أن تتوسع في دراسة المجتمع المدني كله.

وأخيراً، تميل بعض الأدبيات إلى فصل الرسمي عن غير الرسمي، بينما الواقع الأمني يتكون من تفاعلهما. فالتعيين له نص قانوني وقد تكون له اعتبارات سياسية، والوحدة «الموحدة» قد تحمل رتبة وشارة وطنية مع بقاء ولاء عملي سابق، والآلية المنشأة بموجب اتفاق قد تكون قائمة قانوناً لكنها عاجزة عملياتياً. ومن ثم تعتمد الدراسة الحالية قراءة تركيبية تجمع القاعدة الرسمية، والعملية التنظيمية، والممارسة غير الرسمية، والأثر على الأمن والمدنيين.

2.1.8 الفجوة البحثية

لا تتمثل الفجوة الرئيسة في ندرة الكتابة عن أمن جنوب السودان، وإنما في غياب تحليل ممتد ومتكامل للعلاقات المدنية–العسكرية بوصفها سلسلة واحدة من عمليات الأمن القومي. فقد تناولت الدراسات تطور SPLA، والدمج، والمحسوبية، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإصلاح القطاع الأمني، والصراع السياسي، وبناء الدولة، وحماية المدنيين، لكنها غالباً تناولت كل مسألة في فترة أو إطار منفصل (راندز، 2010؛ سنودن، 2012؛ دي وال، 2014؛ وارنر، 2016؛ بريتنغ وآخرون، 2016؛ كندرسلي ورولاندسن، 2019؛ بيل، 2026). وتسد الدراسة الحالية هذه الفجوة من خلال تقويم الفترة 2011–2026م عبر أربعة أبعاد مترابطة: السيطرة المدنية والمساءلة؛ الاحتراف والحياد السياسي؛ دمج القوات والتماسك الوطني؛ وتنفيذ إصلاح القطاع الأمني والترتيبات الانتقالية، ثم ربطها بنتائج الأمن القومي والاستقرار المؤسسي وحماية المدنيين.

2.2 الإطار النظري

يتطلب موضوع الدراسة إطاراً نظرياً يفسر السلطة والاحتراف والتكوين الاجتماعي والتحول المؤسسي في آن واحد. ولا يقدم أي مدخل منفرد تفسيراً كافياً لحالة جنوب السودان، لأن الحالة تجمع بين بناء دولة جديدة، وتحويل جيش تحرير، ودمج خصوم مسلحين، وتنافس سياسي حاد، وتعبئة هوية، وترتيبات أمنية انتقالية، وعلاقة مضطربة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع. لذلك تتبنى الدراسة إطاراً تكاملياً يكون فيه الاحتراف العسكري والسيطرة المدنية الموضوعية قاعدةً معيارية، وتستخدم نظرية الأصيل والوكيل لفهم التفويض والرقابة، ونظرية التوافق لفحص التجنيد والتمثيل والعلاقة بالمجتمع، ومنظور باراني لفهم التحول العسكري بعد النزاع (هنتنغتون، 1957؛ فيفر، 2003؛ شيف، 2009؛ باراني، 2012).

2.2.1 الاتجاهات الرئيسة في نظريات العلاقات المدنية–العسكرية

بدأت الأدبيات الكلاسيكية من مشكلة تدخل الجيش في السياسة وحدود السيطرة عليه. ركز هنتنغتون على التمايز المهني والسيطرة الموضوعية، وركز جانوفيتز على الطابع الاجتماعي المتغير للمؤسسة العسكرية، بينما درس فاينر الظروف التي تجعل المؤسسة العسكرية راغبة أو قادرة على التدخل في الحكم (هنتنغتون، 1957؛ جانوفيتز، 1960؛ فاينر، 1962). وانتقلت الأدبيات اللاحقة إلى قضايا التفويض والرقابة والفعالية والكفاءة والحوكمة الأمنية، فوسعت موضوع التحليل من العلاقة بين الرئيس والجيش إلى شبكة أوسع من المؤسسات المدنية والأمنية (فيفر، 2003؛ برونو وماتي، 2008؛ ماضي، 2021).

وفي اتجاه موازٍ، رفضت نظرية التوافق افتراض أن الفصل الصارم بين العسكري والمدني هو النموذج الوحيد، وركزت على درجة الاتفاق بين النخب السياسية والمؤسسة العسكرية والمواطنين حول تكوين الضباط وصنع القرار والتجنيد والطابع العسكري (شيف، 2009). أما باراني فاهتم باللحظات التي يُعاد فيها بناء الجيوش بعد حرب أو تغيير نظام أو نشوء دولة، وهي لحظات يصبح فيها سؤال «من سيكون الجيش؟» مساوياً في الأهمية لسؤال «من يسيطر عليه؟» (باراني، 2012). وتتشابك هذه القضايا الثلاث في جنوب السودان، ولذلك تقتضي الدراسة الجمع بينها بدلاً من اختيار مدخل واحد بشكل قسري.

2.2.2 الاحتراف العسكري والسيطرة المدنية الموضوعية

يوفر هنتنغتون القاعدة الأولى للتحليل. فوفقاً له تتحقق السيطرة المدنية الموضوعية عندما يظل القرار السياسي النهائي في يد المدنيين، بينما تُمنح المؤسسة العسكرية مساحة مهنية كافية لإدارة وسائل استخدام القوة في حدود المهمة والقانون. وتقوم المهنة العسكرية على الخبرة، والمسؤولية تجاه الدولة، والهوية المهنية الجماعية، ويكون الحياد السياسي نتيجة متوقعة لرسوخ هذا الاحتراف (هنتنغتون، 1957). وتعيد مواد عبد الشافي صياغة الفكرة في صورة عملية: العسكري يقدم الخبرة والمشورة، والقيادة المدنية تتخذ القرار السياسي، والقوات تنفذ، مع ضرورة ألا يتحول احترام المهنية إلى استقلال سياسي ولا تتحول السيطرة المدنية إلى تدخل فني مفسد للمهنة (عبد الشافي، د.ت.-ب).

تُستخدم هذه النظرية في الدراسة لفحص: وضوح السلطة المدنية، وحدود الاختصاص المهني، ودرجة الحياد السياسي، واستقرار نظم التعيين والترقية، ومدى انتقال الولاء من الحركة أو الفصيل إلى الدولة. غير أن النظرية تفترض قدراً من التكامل المهني قد لا يكون متحققاً أصلاً في جيش تشكل من مجموعات متعددة؛ لذلك لا تُستخدم باعتبارها تفسيراً كاملاً، بل معياراً لتقويم مقدار ما تحقق من الاحتراف والسيطرة الموضوعية في جنوب السودان.

2.2.3 نظرية الأصيل والوكيل

تُكمل نظرية فيفر البعد المؤسسي من خلال النظر إلى العلاقة بوصفها عملية تفويض. فالسلطة المدنية تفوض المؤسسة العسكرية في مهام متخصصة، لكن التفاوت في المعرفة يخلق احتمال أن يتصرف الوكيل بطريقة لا تتفق كلياً مع إرادة الأصيل، وهو ما يستدعي أدوات للمراقبة والتقرير والميزانية والتحقيق والمساءلة (فيفر، 2003). وتفيد هذه النظرية في جنوب السودان في تحليل وضوح التفويض، وتعدد مراكز السيطرة المدنية، وعلاقة الرئاسة بالوزارة والبرلمان، وآليات الميزانية والأفراد، ومدى تنسيق SSPDF والشرطة والأمن الوطني وبقية الأجهزة.

لكن تطبيق النظرية يواجه قيداً مهماً؛ إذ قد لا يكون «الانحراف» العسكري ناتجاً عن مصلحة عسكرية مستقلة، بل عن تحالفات سياسية–عسكرية أو شبكات رعاية يشترك فيها مدنيون وعسكريون (دي وال، 2014). لذلك تستخدم الدراسة مفاهيم التفويض والمراقبة والمساءلة من فيفر، مع الاستعانة بأدبيات الاقتصاد السياسي والتحول بعد النزاع لفهم أهداف الفاعلين بصورة أكثر واقعية.

2.2.4 نظرية التوافق

تضيف نظرية شيف البعد الاجتماعي والتمثيلي. وهي تسأل عن وجود اتفاق مقبول بين النخب السياسية والعسكريين والمواطنين بشأن تركيب هيئة الضباط، وآليات صنع القرار، وطرق التجنيد، والطابع المؤسسي والقيم العسكرية (شيف، 2009؛ الزاوي ولونيس، 2020). وتناسب هذه الأسئلة جنوب السودان لأن شرعية الجيش الوطني لا تتوقف على القيادة القانونية وحدها؛ بل تشمل من يُجنَّد، ومن يصل إلى القيادة، وكيف تُوزع الفرص، وما القيم التي تضبط علاقة الجيش بالمجتمع.

غير أن التوافق ليس قيمة كافية في ذاته؛ فقد تتفق النخب على ترتيبات تخدم مصالحها. لذلك تستفيد الدراسة من النظرية لتقويم التمثيل والتجنيد والشرعية الاجتماعية، لكنها تربط ذلك دائماً بشرطين: مشروعية السيطرة المدنية، والاحتراف القائم على القانون. وبهذا تصبح نظرية التوافق مكملاً للمهنية والسيطرة وليست بديلاً عنهما.

2.2.5 مدخل التحول العسكري في مرحلة ما بعد النزاع

يوفر باراني الإطار الزمني والمؤسسي اللازم لفهم بناء الجيوش في اللحظات الانتقالية. فبعد الحرب الأهلية أو نشوء دولة جديدة لا يكون التحدي مجرد السيطرة على جيش قائم، وإنما تقرير مصير القوات القديمة، واختيار من سيبقى، وتصميم القيادة والتجنيد والتدريب، وتسريح الفائض، وبناء هوية جديدة (باراني، 2012). وتتطابق هذه القضايا بصورة مباشرة مع تجربة جنوب السودان بعد CPA ثم بعد 2013–2018م.

ويبرز هذا المنظور أهمية التسلسل. فقد يكون الدمج الواسع ضرورياً لوقف الحرب سريعاً، لكنه يجب أن يتبعه توحيد للمعايير وتقليص للقوات وإلغاء للهياكل الموازية، وإلا تحول «الاحتواء» المؤقت إلى بنية دائمة تعوق الاحتراف. ولذلك تستخدم الدراسة منظور التحول للحكم على ليس فقط ما إذا كانت الخطوات مرغوبة، بل ما إذا كان ترتيبها وتمويلها وشروطها السياسية يجعلها قابلة للحياة (باراني، 2012؛ وارنر، 2016؛ دي وال وبوسويل، 2020).

2.2.6 الإطار النظري المعتمد في الدراسة

تعتمد الدراسة إطاراً تكاملياً. تُستخدم المهنية والسيطرة الموضوعية لتقويم علوية السلطة المدنية والاحتراف والحياد السياسي؛ وتستخدم نظرية الأصيل والوكيل لفحص التفويض والرقابة والمساءلة؛ وتستخدم نظرية التوافق لفهم التجنيد والتمثيل والقيم وعلاقة الجيش بالمجتمع؛ ويستخدم مدخل التحول العسكري في مرحلة ما بعد النزاع لتحليل دمج القوات ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإعادة بناء القيادة والمؤسسات. ولا يفترض الإطار أن متغيراً واحداً يفسر النتيجة. بل يفترض أن ضعف السيطرة المؤسسية مع ضعف الاحتراف وعدم انتظام التجنيد وتعثر الإصلاح يزيد احتمالات التجزؤ والتسييس، بينما يؤدي ترسيخ القواعد المدنية والمهنية والتجنيد المنظم والإصلاح المتسلسل إلى مزيد من الوحدة والمساءلة والقدرة على الحماية. وهذه فروض تفسيرية نوعية تُختبر بالوثائق والمقارنة، لا بنماذج إحصائية.

2.3 الإطار المفاهيمي

يستلزم التحليل ضبط المصطلحات لأن كثيراً من مفاهيم العلاقات المدنية–العسكرية تستخدم بصورة واسعة ومتداخلة. وتُعرَّف المفاهيم هنا تعريفاً نظرياً وتشغيلياً في آن واحد، بحيث لا تبقى كلمات عامة، بل تتحول إلى مؤشرات يمكن تتبعها في الوثائق والممارسة. ويحتل مفهوم إدارة العلاقات المدنية–العسكرية مركز الإطار، بينما تمثل السيطرة المدنية والمساءلة، والاحتراف والحياد السياسي، ودمج القوات والتماسك، وإصلاح القطاع الأمني المتغيرات الأساسية، وتظهر نتائجها في الأمن القومي والاستقرار المؤسسي وحماية المدنيين (عبد الشافي، د.ت.-أ؛ ماضي، 2021).

2.3.1 إدارة العلاقات المدنية–العسكرية

يقصد بإدارة العلاقات المدنية–العسكرية في هذه الدراسة العملية المؤسسية المستمرة التي تنظم بها الدولة استخدام القوة المسلحة، وتحدد أدوار المؤسسات المدنية والعسكرية، وتضبط السلوك المهني والسياسي للعسكريين، وتدير التعيين والترقية والموارد والإصلاح، وتتعامل مع الخلافات السياسية–العسكرية، وتحدد موقع القوات المسلحة في المجتمع. واختيار كلمة «إدارة» مقصود؛ فالسيطرة تركز على من يملك القرار النهائي، أما الإدارة فتتناول أيضاً الكيفية التي يصنع بها القرار، ومسارات انتقاله، وآليات المتابعة، وكيف تُدار عملية الإصلاح نفسها وما النتائج الأمنية المترتبة عليها.

2.3.2 العلاقات المدنية–العسكرية

العلاقات المدنية–العسكرية هي مجمل الروابط المؤسسية والسياسية والاجتماعية بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية والمجتمع فيما يتصل بوظائف القوات المسلحة وتنظيمها وتمويلها واستخدامها والرقابة عليها. ويشمل المفهوم تقديم المشورة الدفاعية، والميزانية، والتعيين والترقية، والتجنيد والتدريب، ودعم السلطات المدنية، والتحقيق في الانتهاكات، ومواقف المجتمع تجاه الجيش. وفي جنوب السودان يضاف إلى ذلك بعد خاص هو تحول جيش تحرير ودمج قوى متحاربة سابقة داخل مؤسسة دولة واحدة (جانوفيتز، 1960؛ شيف، 2009؛ عبد الشافي، د.ت.-أ).

2.3.3 السيطرة المدنية والمساءلة المؤسسية

تعني السيطرة المدنية أن تكون للسلطات المدنية الدستورية المشروعة الكلمة النهائية في السياسة الأمنية واستخدام القوات المسلحة، بينما تعني المساءلة وجود قواعد تسمح بتحديد المسؤولية والتحقيق والتصحيح والعقوبة عند تجاوز القانون أو المهمة. وتميز الدراسة بين السيطرة المؤسسية القائمة على الدستور والقانون والوزارة والبرلمان والقضاء والرقابة والميزانية، وبين السيطرة الشخصية التي تعتمد على علاقة مباشرة بين قائد سياسي وقائد عسكري. وتقاس السيطرة هنا بوضوح سلسلة القيادة، وسلطة القرار المدني، والرقابة على الميزانية والأفراد، ونظم التعيين والتقرير والتحقيق، وغياب مراكز قرار عسكري غير مخولة (هنتنغتون، 1957؛ فيفر، 2003؛ ماضي، 2021).

2.3.4 الاحتراف العسكري

يقصد بالاحتراف العسكري وجود خبرة متخصصة ومسؤولية تجاه الدولة وهوية مهنية منضبطة، تُترجم إلى تدريب وتعليم عسكري، وعقيدة مشتركة، ونظم موحدة للتجنيد والترقية، واحترام التسلسل القيادي والقانون، والقدرة على تنفيذ الأوامر المشروعة بكفاءة. ولا يساوي الاحتراف مجرد وجود أكاديميات ورتب؛ بل يُقاس بالسلوك المؤسسي الذي يجعل مصلحة الدولة فوق مصالح القادة والفصائل والشبكات الخاصة (هنتنغتون، 1957؛ عبد الشافي، د.ت.-ب).

2.3.5 الحياد السياسي

الحياد السياسي هو عدم استخدام المؤسسة العسكرية أو مواردها أو وظائفها لخدمة حزب أو حركة أو فصيل أو شخص، مع بقاء حق القيادة العسكرية في تقديم الرأي المهني بشأن قضايا الأمن القومي. ويظهر الحياد في الفصل بين الواجب العسكري والنشاط الحزبي، وفي الترقي على أساس مهني، واستمرار القيادة في خدمة الدولة رغم تغير المواقف السياسية، وعدم توظيف الوحدات المسلحة في المنافسة الحزبية (هنتنغتون، 1957؛ عبد الشافي، د.ت.-ب).

2.3.6 دمج القوات والتماسك العسكري

دمج القوات هو إدخال تشكيلات وأفراد كانوا منفصلين أو متحاربين في مؤسسة أمنية واحدة تخضع لقيادة وقواعد وتدريب وعقيدة وإدارة مشتركة. أما التماسك العسكري فهو قدرة تلك المؤسسة على إنتاج هوية وجهد موحدين يقبل فيهما الأفراد السلطة نفسها رغم اختلاف خلفياتهم السابقة. وتفرق الدراسة بين الإدماج الإداري، الذي قد يقتصر على الكشوف والرتب، والاندماج المؤسسي الحقيقي الذي يقتضي قيادة واحدة، ووحدات مختلطة، ونظم خدمة متساوية، وتراجع الاعتماد على التشكيلات الأم (يونغ، 2006؛ وارنر، 2016).

2.3.7 إصلاح القطاع الأمني

إصلاح القطاع الأمني عملية سياسية ومؤسسية تهدف إلى جعل أجهزة الأمن فعالة وكفؤة وقانونية وخاضعة للمساءلة والسلطة المدنية. ولا تقتصر على الجيش، بل قد تشمل الشرطة والأمن والاستخبارات والسجون والقضاء والرقابة والميزانية والإدارة المدنية. وفي حالة جنوب السودان يُقاس الإصلاح بمدى انتقال التزامات اتفاقات السلام من النص إلى مؤسسات تعمل فعلاً، لا بمجرد تنفيذ أنشطة تدريب أو شراء معدات (برونو وماتي، 2008؛ ماضي، 2021؛ بريتنغ وآخرون، 2016).

2.3.8 نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج

يشير نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج إلى إخراج الأفراد من التشكيلات المسلحة، ونزع سلاحهم حيث ينطبق ذلك، وإنهاء صفتهم العسكرية، ثم مساعدتهم على العودة إلى حياة مدنية مستقرة. وتعامل الدراسة نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج كعملية أمنية–سياسية واجتماعية، لأن التسريح الذي لا يوفر بديلاً معقولاً للمعيشة والحماية يظل معرضاً لإعادة التعبئة. وتشمل مؤشرات النجاح انخفاض أعداد المقاتلين، ووجود إجراءات تحقق، وبرامج إعادة إدماج مستدامة، ومعالجة الفئات المرتبطة بالقوات، وانخفاض حالات العودة إلى السلاح (علي، 2020؛ بريتنغ وآخرون، 2016).

2.3.9 الأمن القومي وحماية المدنيين

يقصد بالأمن القومي قدرة الدولة على حماية سيادتها ووحدة أراضيها ونظامها الدستوري وسكانها من التهديدات الداخلية والخارجية عبر مؤسسات مشروعة. أما حماية المدنيين فتعني منع وتقليل والاستجابة للعنف الذي يستهدف المدنيين أو يلحق بهم ضرراً غير مشروع. وهما مفهومان مترابطان لكنهما ليسا متطابقين؛ فقد تستمر مؤسسات الدولة بينما يظل أمن السكان ضعيفاً. ولذلك تقيس الدراسة نتائج الأمن من خلال تماسك القيادة، وانخفاض التجزؤ المسلح، واستقرار المؤسسات، والقدرة على حماية المدنيين، مع الاعتراف بأن الاقتصاد والعوامل الإقليمية والنزاعات المحلية تؤثر كذلك في هذه النتائج (فينتون ولوفنا، 2013؛ كندرسلي ورولاندسن، 2019).

2.4 الإطار التحليلي للدراسة

يحوّل الإطار التحليلي المفاهيم السابقة إلى محاور تقويم متداخلة. ولا تفترض الدراسة استقلال هذه المحاور عن بعضها؛ فضعف الرقابة المدنية قد يؤثر في التعيينات المهنية، والاحتراف يؤثر في التماسك، والدمج يحدد مدى وحدة القيادة، بينما تؤثر آليات الإصلاح في قدرة النظام على المساءلة والانتشار. والنتيجة النهائية تظهر في الأمن القومي والاستقرار المؤسسي وحماية المدنيين. ولهذا ستُقرأ الأدلة من الوثائق الرسمية وتقارير التنفيذ والرصد والدراسات المتخصصة في صورة سلاسل مترابطة لا متغيرات منفصلة.

2.4.1 البعد الأول: السيطرة المدنية والمساءلة المؤسسية

يختبر هذا البعد ما إذا كانت القوة العسكرية خاضعة للدولة الدستورية عبر مؤسسات لا عبر علاقات شخصية. وتشمل المؤشرات: قواعد القيادة، ودور الرئيس ووزارة الدفاع والبرلمان، والتعيين والترقية، والميزانية والرقابة المالية، وتدفق المعلومات للسلطات المدنية، والتحقيق والانضباط، ووضوح المسؤولية عن القرارات والعمليات. تكون السيطرة أقوى عندما تكون السلطة السياسية النهائية واضحة، ويُحترم الرأي العسكري المهني، وتوجد في الوقت نفسه أدوات مستقلة للمتابعة والمساءلة (هنتنغتون، 1957؛ فيفر، 2003؛ ماضي، 2021).

2.4.2 البعد الثاني: الاحتراف العسكري والحياد السياسي

يقوّم هذا البعد ما إذا كانت القوات تعمل كمؤسسة دولة محترفة لا كأداة لحركة أو قائد أو فصيل. وتشمل المؤشرات العقيدة والتدريب والتعليم العسكري والانضباط والإدارة القائمة على الجدارة، واحترام القانون، والفصل بين الوظيفة العسكرية والنشاط الحزبي، واستمرار الولاء للدولة رغم التحولات السياسية. ويُفهم الاحتراف هنا بصورة موضوعية؛ فوجود الرتب واللوائح لا يكفي إذا لم ينتج سلوكاً مهنياً متسقاً (هنتنغتون، 1957؛ عبد الشافي، د.ت.-ب؛ راندز، 2010).

2.4.3 البعد الثالث: دمج القوات والتماسك العسكري الوطني

يفحص هذا البعد ما إذا كانت التشكيلات السابقة قد تحولت إلى مؤسسة أمنية واحدة. ومن مؤشراته توحيد الرتب والتدريب والانتشار والقيادة والتجنيد وشروط الخدمة، وتكوين وحدات مشتركة، وإلغاء الهياكل الموازية، وانخفاض الاعتماد على العلاقات الفصائلية السابقة. كما يدرس الحوافز السياسية للدمج: هل يؤدي الراتب والرتبة إلى الاستقرار المؤقت فقط، أم إلى هوية وطنية راسخة ومستقرة؟ (شيف، 2009؛ وارنر، 2016؛ دي وال وبوسويل، 2020).

2.4.4 البعد الرابع: تنفيذ إصلاح القطاع الأمني والترتيبات الأمنية الانتقالية

يقيس هذا البعد انتقال الإصلاح من الاتفاق إلى مؤسسة تعمل. ويركز على التجميع والفرز والتدريب والتخريج والانتشار والقيادة الموحدة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وأداء الآليات المشتركة والموارد اللازمة لاستدامة العملية. وتفرق الدراسة بين «الإنجاز الإجرائي» و«الأثر المؤسسي»: فالتخريج حدث، لكن النتيجة هي وحدة منتشرة وممولة ومتماسكة؛ وإنشاء لجنة حدث، لكن النتيجة هي لجنة تعمل وتنفذ ولايتها (بريتنغ وآخرون، 2016؛ ديتزنر، 2019؛ الإيغاد، 2018).

2.4.5 البعد الخامس: النتائج الأمنية والمؤسسية وحماية المدنيين

يختبر هذا البعد قدرة النظام الأمني على إنتاج سياسة متماسكة، والحد من مراكز القوة المتنافسة، والاستجابة للأزمات من دون تفكك القيادة. ويظهر الاستقرار في استمرارية مراكز الأمر، وعمل الآليات المتفق عليها، وقدرة المؤسسات على تحمل الخلاف السياسي. وتظهر الحماية في انخفاض الضرر على المدنيين والتشريد والسلوك الافتراسي، وفي تصور السكان للمؤسسات الأمنية بوصفها جهات حماية لا مصدراً للتهديد. ولا تنسب الدراسة هذه النتائج كلها إلى العلاقات المدنية–العسكرية، بل تبحث عن أدلة توضح مقدار مساهمة تنظيم وإدارة القطاع الأمني فيها.

2.4.6 العلاقات بين الأبعاد التحليلية

تعتمد الدراسة منطقاً دائرياً متفاعلاً. فقد تقود رقابة مدنية ضعيفة إلى ترقيات مسيسة وقيادة فصائلية، فتتراجع المهنية والتماسك، ويصعب الدمج ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ثم يتزايد عدم ثقة المدنيين بالمؤسسة. والعكس صحيح: رقابة مؤسسية أقوى تدعم المهنية، والمهنية تساعد على اندماج مستدام، والاندماج يقلل أهمية الفصائل في السياسة، بينما تحسن آليات الإصلاح والمساءلة قدرة الدولة على الحماية. والبحث عن هذه الحلقات المتعاضدة أو المتدهورة أكثر فائدة من عزو النتيجة إلى عامل منفرد (فيفر، 2003؛ شيف، 2009؛ باراني، 2012؛ وارنر، 2016).

الشكل 2.1: الإطار التحليلي للدراسة

ملاحظة: من إعداد الباحث استناداً إلى الأبعاد التحليلية المعتمدة في الدراسة.

2.5 خلاصة الفصل

قدّم الفصل تركيباً نقدياً للأدبيات بدلاً من استعراضها دراسة بعد أخرى. وأظهر أن علوية السلطة المدنية يحتاج إلى مؤسسات مساءلة، وأن الاحتراف يجب أن يرتبط بالحياد السياسي والمعايير الموحدة، وأن التكوين الاجتماعي والتجنيد يؤثران في الشرعية والتماسك، وأن دمج الخصوم بعد النزاع قد يخفض خطر الحرب في الأجل القصير لكنه لا يصبح إصلاحاً دائماً إلا إذا تبعته إعادة تنظيم وقيادة موحدة. كما أوضحت أدبيات جنوب السودان أن SSR ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج واجها عقبات متصلة بالمحسوبية والموارد وانعدام الثقة وبقاء الهياكل الموازية، وأن أثر هذه المشكلات ينتهي في نهاية المطاف عند أمن المواطن وحماية المجتمع.

وبناءً على ذلك تتبنى الدراسة إطاراً تكاملياً يجمع السيطرة المدنية والاحتراف ونظرية الأصيل والوكيل والتوافق والتحول العسكري بعد النزاع. ثم تُترجم هذه المداخل إلى أربعة محاور تطبيقية: السيطرة والمساءلة؛ الاحتراف والحياد السياسي؛ دمج القوات والتماسك؛ وتنفيذ الإصلاح والترتيبات الأمنية، وتُقاس نتائجها على الأمن القومي والاستقرار وحماية المدنيين. ويهيئ هذا البناء للفصل الثالث، الذي ينتقل من النظرية إلى تحليل البنية الدستورية والمؤسسية للسيطرة المدنية والاحتراف في جنوب السودان.

الفصل الثالث: السيطرة المدنية والمساءلة المؤسسية والاحتراف العسكري في جنوب السودان

ينتقل هذا الفصل من البناء النظري إلى التقويم المؤسسي المباشر للبعدَين الأول والثاني من الدراسة: السيطرة المدنية والمساءلة من جهة، والاحتراف العسكري والحياد السياسي من جهة أخرى. ويبدأ من مقارنة ما يقرره الدستور والقوانين بشأن موقع القوات المسلحة وسلسلة القيادة والرقابة المدنية بما تكشفه الممارسة الفعلية عن طريقة إدارة القيادة العليا، والميزانية، والعلاقات بين المؤسسات الأمنية، والانضباط، وحماية المدنيين. والهدف ليس إثبات وجود السلطة المدنية في قمة النظام، فذلك واضح دستورياً، وإنما تحديد مدى تحول هذه السلطة إلى مؤسسات مستقرة وقواعد مهنية قادرة على ضبط المؤسسة العسكرية في الأزمات، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرتها العملياتية (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011؛ قانون الجيش الشعبي لتحرير السودان، 2009؛ فيفر، 2003).

3.1 البنية الدستورية والقانونية للعلاقات المدنية–العسكرية

3.1.1 الوضع الدستوري ومهام القوات المسلحة

يضع الدستور الانتقالي معياراً طموحاً وواضحاً للمؤسسة العسكرية. فالمادة 151 لا تكتفي بإعلان خضوع القوات للسلطة المدنية، وإنما تشترط أن تكون وطنية الطابع، غير حزبية، وطنية الولاء، نظامية، محترفة ومنضبطة، وأن تؤدي مهامها في حماية الدستور والسيادة والإقليم والسكان. وتضيف المادة 152 الفصل بين الوظيفة العسكرية والوظيفة الحزبية، وبين المهام العسكرية والشرطية. وبذلك لا يقدم الدستور معياراً واحداً للنجاح، بل حزمة مترابطة من المعايير: السلطة، والمهنية، والحياد، والطابع الوطني، والانضباط، وتحديد الوظيفة (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011، المواد 151-153).

«تكون القوات المسلحة الوطنية غير حزبية، وقومية الطابع، ووطنية، ونظامية، ومحترفة ومنضبطة، وتخضع للسلطة المدنية.» (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011م، المادة 151(2)، ترجمة الدراسة)

تكمن أهمية النص في أن شروطه تراكمية. فقد تكون القوات خاضعة للرئيس من حيث التسلسل الرسمي، لكنها لا تكون قد حققت بعد الحياد السياسي أو الاحتراف أو التماسك الوطني. وقد تكون لديها وحدات مدربة جيداً لكنها تعمل داخل نظام تعيين أو ولاء شديد التسييس. ولذلك تُقوَّم المؤسسة العسكرية في هذه الدراسة على أساس الجمع بين الشرعية الدستورية والقدرة المهنية والطابع الوطني؛ لأن أي خلل في أحد هذه الأبعاد ينعكس على بقية المنظومة.

3.1.2 الرئاسة والإدارة المدنية للدفاع والقيادة المهنية

يجعل الدستور رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ويمنحه، وفق القانون، سلطة تعيين الضباط وترقيتهم وإحالتهم إلى التقاعد وإعفائهم. غير أن الإطار التشريعي الذي ورثته الدولة لا يتصور القيادة العسكرية باعتبارها امتداداً شخصياً للرئيس؛ فقد منح قانون SPLA لعام 2009م الوزير المدني مهام تتصل بالإدارة الاستراتيجية وتخصيص الموارد وإعداد الميزانية والشفافية والمساءلة والعلاقات المدنية–العسكرية، بينما أسند إلى رئيس الأركان وظائف الاستراتيجية العسكرية والتنظيم والتدريب والانتشار والجاهزية والتوصيات المهنية المتعلقة بالأفراد (قانون الجيش الشعبي لتحرير السودان، 2009، المواد 13-18). ومن حيث التصميم، يوجد إذن فصل بين تحديد الغايات والموارد سياسياً وبين إدارة الوسائل العسكرية مهنياً.

«يكون الوزير شخصاً غير مرتدٍ للزي العسكري، ويعاونه وكيل مدني.» (قانون الجيش الشعبي لتحرير السودان، 2009، المادة 16(1)، ترجمة الدراسة)

هذا النص مهم لأنه يجعل وزارة الدفاع أداة للحوكمة المدنية لا طبقة إضافية في القيادة العملياتية. وهو ينسجم مع الفكرة التي تشدد عليها مواد عبد الشافي: القرار السياسي النهائي في الأمن القومي للسلطة المدنية، أما المؤسسة العسكرية فتقدم الخبرة والتقدير الفني وتنفذ القرار (عبد الشافي، د.ت.-ب). وعليه فإن اختبار السيطرة لا يتوقف على قدرة الرئيس على إصدار الأوامر، بل يمتد إلى مدى انتظام السياسات والميزانيات والتعيينات والتقارير عبر مؤسسات مستقرة تمنع التعسف المدني كما تمنع الاستقلال العسكري غير المشروع.

3.1.3 الرقابة التشريعية والقانونية

يوفر الدستور للسلطة التشريعية صلاحيات واسعة من حيث الأصل: مراقبة الجهاز التنفيذي، واعتماد الخطط والسياسات العامة، وإجازة الميزانية، واستدعاء المسؤولين، ومساءلة الوزراء، ومراجعة الإنفاق، إضافة إلى صلاحيات تتصل بإعلان الحرب والمسائل السيادية (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011، المواد 55، 57، 80-82، 87-88). وتكتسب هذه الصلاحيات أهمية خاصة في الدفاع، لأن النظام الذي يخضع فيه الجيش لرئيس مدني لكن تبقى ميزانيته وقراراته الكبرى بعيدة عن الرقابة المؤسسية قد يكون «مدنياً» في الشكل، لكنه يظل ضعيف المساءلة.

والتحدي في جنوب السودان هو تحويل هذه الصلاحيات الدستورية إلى ممارسة دورية مدعومة بالمعلومات والخبرة الفنية، لا إبقاؤها أدوات استثنائية.

وترتبط المساءلة كذلك بوضوح الحدود بين الجيش والشرطة والأمن الوطني. فالدستور لا يمنح القوات المسلحة وظيفة عامة في إنفاذ القانون الداخلي إلا وفق شروط قانونية ومساعدة للسلطات المدنية، كما يقدم جهاز الأمن الوطني أساساً بوصفه جهازاً للمعلومات والتحليل والمشورة. لذلك تصبح التوسعات في سلطات الاعتقال أو تداخل مهام الأجهزة مسألة علاقات مدنية–عسكرية، لأنها تضعف تحديد المسؤولية وتُصعّب معرفة أي مؤسسة تخضع لأي رقابة. وقد أثار تعديل قانون جهاز الأمن الوطني في 2024م نقاشاً واسعاً بسبب استمرار صلاحيات اعتقال واسعة، بما يعكس أن إصلاح الحدود الوظيفية بين أجهزة القوة لم يكتمل بعد (منظمة العفو الدولية، 2024).

3.2 السيطرة المدنية في الممارسة

3.2.1 التوجيه السياسي والقيادة العليا

أقوى دليل على علوية السلطة المدنية في جنوب السودان هو بقاء الرئاسة مركز السلطة العسكرية الدستورية وعدم حلول المؤسسة العسكرية محل الحكم المدني. غير أن علوية السلطة المدنية لا تعني بالضرورة اكتمال السيطرة المؤسسية. فمن ديسمبر 2024م إلى مايو 2026م شهد منصب رئيس قوات الدفاع تغييرات متكررة: أُعفي سانتينو دينق وول وحل محله بول نانق ماجوك في ديسمبر 2024م؛ ثم عُيّن داو أتورجونق في يوليو 2025م؛ وأعيد ماجوك في أكتوبر؛ ثم أُعيد سانتينو دينق وول في مايو 2026م (رويترز، 2024؛ رويترز، 2025أ؛ رويترز، 2025ب؛ رويترز، 2026). وهذه التغييرات تقع في إطار صلاحيات الرئيس، لكنها تثير من منظور مؤسسي أسئلة عن استمرارية التخطيط، ومعايير إدارة القيادة العليا، وقدرة المؤسسة على الفصل بين الضرورات المهنية والتحولات السياسية.

ويزداد هذا السؤال حدة لأن السيطرة السياسية تُمارس في بيئة لم تكتمل فيها عملية تحويل قوات الأطراف إلى بنية عسكرية واحدة. فقد أفادت UNMISS في يناير 2026م بوقوع مواجهات مباشرة بين قوات مرتبطة بأطراف الاتفاق في ثماني ولايات من أصل عشر، بينما سجلت RJMEC لاحقاً 133 ادعاءً بانتهاك وقف إطلاق النار وعدم إحراز تقدم في الترتيبات الأمنية خلال الربع الأول (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2026أ؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ). لذلك لا تتمثل المشكلة في غياب رئيس مدني يأمر الجيش، بل في مدى وصول سلسلة القيادة الوطنية فعلياً إلى كل التشكيلات والأفراد في بيئة ما تزال فيها هويات حزبية وفصائلية وترتيبات انتقالية غير مكتملة.

3.2.2 قدرات المؤسسات المدنية والرقابة البرلمانية والمالية

السيطرة المدنية تحتاج إلى مؤسسات مدنية قادرة، لا مجرد شرعية دستورية. فوزارة الدفاع تحتاج إلى خبرة في التخطيط والميزانية وإدارة الأفراد والمشتريات، والبرلمان يحتاج إلى معلومات ولجان فنية وقدرة على متابعة الإنفاق، وأجهزة الرقابة تحتاج إلى بيانات يمكن التحقق منها. ويؤكد عبد الشافي أن العلاقات المدنية–العسكرية هي تفاعل مؤسسي منظم لا علاقة ثنائية بين رئيس وجنرال (عبد الشافي، د.ت.-أ). ومن هذه الزاوية، فإن ضعف القدرة الفنية لدى المدنيين قد يؤدي عملياً إلى ترك مساحة واسعة للمؤسسة العسكرية أو للرئاسة لإدارة قطاع الدفاع خارج رقابة مؤسسية متوازنة.

وتكشف بيانات المالية العامة عن تحديات أوسع تمس مباشرة قطاع الدفاع. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى نقاط ضعف في واقعية الموازنة، وضبط الالتزامات، وإدارة النقد، والتقارير المالية، وتراكم المتأخرات (صندوق النقد الدولي، 2024). وفي ديسمبر 2024م نقلت رويترز أن الجنود كانوا يعانون تأخر الرواتب لنحو عام. ولا تعني هذه المعطيات أن المتأخرات المالية تؤدي تلقائياً إلى ضعف الانضباط، لكنها تقوض انتظام علاقة الجندي بالدولة، وتضعف نظام الأفراد، وتزيد الاعتماد على ترتيبات غير رسمية. ولذلك فإن المالية العامة جزء من منظومة القيادة والسيطرة، لا قضية اقتصادية منفصلة عنها.

3.3 المساءلة المؤسسية واستخدام القوة

3.3.1 توزيع الاختصاصات بين مؤسسات القطاع الأمني وأثره في المساءلة

تتطلب منظومة الأمن المهني توزيعاً واضحاً للوظائف: القوات المسلحة تتولى الدفاع والمهام العسكرية؛ الشرطة مسؤولة عن إنفاذ القانون؛ أجهزة الاستخبارات تجمع المعلومات وتحللها؛ وكل مؤسسة تعمل في إطار قانوني ورقابي محدد. ويعترف دستور جنوب السودان بهذا المنطق، لكن تاريخ الحرب الداخلية فرض تداخلاً متكرراً في الممارسة بين الجيش والشرطة والأمن الوطني والقوات الحزبية. ومثل هذا التداخل يخلق خطراً مؤسسياً يتمثل في تحول الاستثناء الأمني إلى قاعدة دائمة، بحيث تصبح حدود الاختصاص غير واضحة ويصعب تحديد المسؤولية عن القرار واستخدام القوة (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011، المواد 151-161؛ منظمة العفو الدولية، 2024؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

ولذلك ينبغي تقويم المساءلة في ضوء النتائج لا النصوص فقط. فقد وثقت UNMISS في الربع الأول من 2026م 206 حوادث عنف مرتبطة بالنزاع أثرت في 1,388 مدنياً، مع استمرار القتال بين SSPDF وSPLA-IO وقوى مسلحة أخرى في أكثر من إقليم (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2026ب). ولا يصح إسناد هذه الحالات كلها إلى مؤسسة واحدة، لكنها تكشف عن بيئة أمنية ما تزال فيها حماية المدنيين اختباراً صعباً لسلسلة القيادة، والانضباط، وقواعد الاشتباك، والتحقيق في المخالفات. فالمساءلة لا تعني فقط وجود محكمة أو نص تأديبي، وإنما قدرة المؤسسة على معرفة من أصدر الأمر، ومن نفذه، وهل كان مشروعاً، وما الإجراء الذي اتُّخذ عند وقوع الانتهاك.

3.3.2 الانضباط المهني وحماية المدنيين

توجد مؤشرات إيجابية على السعي إلى تطوير السلوك المهني. فقد نفذت UNMISS بالتعاون مع SSPDF أنشطة تدريب متكررة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع، وحماية الأطفال، وحماية المدنيين، ومن ذلك تدريب أربعين ضابطاً في يامبيو في أبريل 2026م حول مسؤولياتهم تجاه السكان (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2020؛ بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2024؛ بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2026ج). وهذه البرامج مهمة لأنها تنقل الحماية من الخطاب العام إلى المعرفة المهنية. إلا أن التدريب يظل أداة محدودة إذا لم يصاحبه إشراف قيادي، وتحقيق، وعقوبة، ولوجستيات كافية، وأوامر واضحة. واستمرار الضرر المدني بالتوازي مع التدريب يشير إلى فجوة بين بناء المعرفة وبين فرضها تنظيمياً على السلوك.

ومن منظور أمني، تكمن نقطة الضعف في أن الانضباط لا يُنتج في قاعة التدريب وحدها، بل في سلسلة القيادة. القائد المهني مطالب بإصدار أوامر قانونية، وتقدير أثر العمليات على المدنيين، ومراقبة المرؤوسين، والتحقيق في المخالفات. فإذا كانت القيادة مجزأة أو الموارد غير مستقرة أو الوحدات مرتبطة بشبكات حماية سابقة، يصبح إنفاذ المعايير أكثر صعوبة. ولذلك تُقاس مهنية حماية المدنيين بمدى تحولها إلى شرط في التخطيط والانتشار والتقييم القيادي، لا بمجرد عدد الورش المنفذة.

3.4 الاحتراف العسكري والحياد السياسي

3.4.1 الهوية المهنية والكفاءة والانضباط

للاحتراف العسكري بعدان متلازمان: بعد فني يتعلق بالقدرة على التخطيط والقيادة والتدريب واللوجستيات والانضباط، وبعد سياسي–أخلاقي يتعلق بولاء المؤسسة للدولة والقانون وعدم استخدامها كأداة حزبية. وتفيد مواد الأكاديمية بأن السيطرة المدنية والاحتراف لا يتعارضان؛ فالجيش المحترف هو الذي يملك الخبرة اللازمة لحماية الدولة، لكنه يمارس هذه الخبرة داخل حدود السياسة التي يحددها المدنيون (عبد الشافي، د.ت.-ب). وفي حالة جنوب السودان ظل بناء هذه الهوية عملية طويلة بدأت قبل الاستقلال ولم تنته بعد.

«السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية تعزز احتراف الجيش في أداء مهامه الوطنية، أي حماية الدولة لا إدارتها.» (عبد الشافي، د.ت.-ب، صياغة عربية من المادة الأصلية)

يحدد هذا المبدأ معياراً مناسباً للتقويم. فالاستقلال المهني يعني امتلاك القادة حرية تقدير الوسائل العسكرية المناسبة داخل المهمة المشروعة، لكنه لا يعطيهم سلطة تحديد النظام السياسي أو اختيار الغايات العامة للدولة. ومن جهة أخرى، لا ينبغي للمدنيين إفساد المهنية بتدخلات شخصية في الرتب أو العمليات أو الموارد. وقد أظهرت دراسات راندز وسنودن قبل الاستقلال وبعده مباشرة أن مشروع SPLA كان يسعى إلى جيش أقل كلفة وأكثر انضباطاً ومهنية، لكنه اصطدم بمشكلات الحجم والموارد والدمج والتهديدات المتزامنة (راندز، 2010؛ سنودن، 2012).

3.4.2 الحياد السياسي وإرث حركة التحرير

يعد الحياد السياسي أكثر صعوبة في جنوب السودان لأن الدولة نشأت من حركة كان جناحها السياسي والعسكري متداخلين تاريخياً. وقد مثل تغيير اسم SPLA إلى SSPDF في 2018م خطوة رمزية نحو هوية دفاع وطني، لكن الاسم الجديد لا يزيل وحده ذاكرة التنظيم وشبكات العلاقات التي تشكلت في زمن الحرب. لذلك ينبغي فهم الحظر الدستوري على الوظيفة الحزبية للعسكريين بوصفه مشروع تحول مؤسسي: يجب أن تصبح قواعد التجنيد والترقية والقيادة والانضباط أقوى من علاقات الحركة والفصيل والقائد (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011، المادة 152؛ أديبا، 2019؛ باراني، 2012).

وأظهرت تطورات 2025–2026م أن هذا التحول لم يكتمل. فتوقف الآليات الأمنية المشتركة وتعطل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وعودة كثير من أفراد NUF إلى وحداتهم الأم يعني أن الحياد لا يمكن ضمانه بمدونات السلوك وحدها. إذا كانت المؤسسة لا توفر سلسلة قيادة واحدة ورواتب وخدمات وقواعد أفراد موحدة، فإن الأفراد سيحتفظون بحوافز للاستناد إلى شبكات سابقة للحماية والموارد. ومن ثم فإن بناء الحياد السياسي هو في جوهره بناء مؤسسة وطنية موحدة، وليس مجرد إعلان قانوني بعدم التحزب (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ؛ باراني، 2012).

3.4.3 ضغوط الموارد والفاعلية المؤسسية

تتطلب المهنية مؤسسة قادرة على إعالة أفرادها وإدارة مواردها. ولا تُستخدم أزمة الرواتب واللوجستيات هنا لتبرير أي انتهاك؛ فالالتزام بالقانون لا يسقط مع الضائقة. غير أن استمرار المتأخرات ونقص الإمداد يضعف المعنويات، ويصعب ضبط سجلات الأفراد، ويشجع حلولاً غير رسمية للمعيشة، ويزيد اعتماد بعض الوحدات على شبكات خارج الإدارة الوطنية. وعندما يقترن ذلك بانتشار داخلي متكرر وعدم اكتمال التوحيد، يتضاعف الضغط على القيادة. لذلك تُعد القدرة المالية والإدارية أحد شروط الاحتراف الفعلي، لا مسألة ثانوية خارجة عن موضوع العلاقات المدنية–العسكرية (صندوق النقد الدولي، 2024؛ رويترز، 2024؛ سنودن، 2012).

3.5 التكوين الاجتماعي والتجنيد وعلاقة الجيش بالمجتمع

يُختبر الطابع الوطني للقوات المسلحة من خلال التجنيد والتمثيل وطريقة إدارة التنوع داخل المؤسسة. وتفيد نظرية التوافق لأن شيف تضع التركيب الاجتماعي للضباط والتجنيد والقيم المؤسسية في قلب استقرار العلاقات المدنية–العسكرية (شيف، 2009). وفي جنوب السودان لا ينبغي تحويل هذا التحليل إلى أحكام مبسطة عن «القبلية»؛ فالمعيار هو ما إذا كانت قواعد التجنيد والترقية والقيادة تجعل الانتماء الاجتماعي أساساً للامتياز والولاء، أم أنها تحول التنوع إلى عنصر داخل مؤسسة ذات معايير وطنية واحدة.

«الشعب هو المصدر الذي يمد الجيش بالموارد البشرية التي يحتاجها.» (عبد الشافي، د.ت.-أ، صياغة عربية من المادة الأصلية)

توضح العبارة أن الجيش ليس جسماً منفصلاً عن المجتمع. فشرعيته تتأثر بمدى شعور المواطنين بأنه يعكس الدولة ويحميهم بصورة غير تمييزية. وقد اشترط قانون SPLA أن يكون التجنيد ممثلاً وعلنياً، لكن تاريخ استيعاب الجماعات المسلحة جعل مسألة التمثيل مرتبطة أيضاً بالتسويات السياسية. والمطلوب ليس موازنة إثنية حسابية لذاتها، بل نظام وطني شفاف يجعل الخدمة والترقية والانضباط متساوية، بحيث يتراجع أثر الانتماء السابق على المسار المهني (قانون الجيش الشعبي لتحرير السودان، 2009، المادة 21؛ شيف، 2009؛ باراني، 2012).

وعلى مستوى علاقة الجيش بالمجتمع، تؤثر الطريقة التي يتعامل بها العسكريون مع المواطنين في شرعية الدولة نفسها. فالمؤسسة التي يثق بها السكان تحصل على تعاون ومعلومات وقدرة أفضل على الإنذار المبكر، بينما المؤسسة التي تُرى بوصفها منحازة أو مفترسة قد تدفع المجتمعات إلى البحث عن حماية بديلة. ولهذا فإن التمثيل والحياد والانضباط ليست مبادئ تجميلية؛ إنها عناصر من القدرة العملياتية للدولة.

3.6 التقويم العام

تكشف الأدلة عن صورة مركبة. فمن حيث التصميم، يمتلك جنوب السودان إطاراً دستورياً وقانونياً واضحاً نسبياً: القوات المسلحة خاضعة للسلطة المدنية، وغير حزبية، وتوجد وظيفة مدنية لوزارة الدفاع، وسلطات تشريعية للرقابة، وتمييز رسمي بين الجيش والشرطة والأمن. وهذه مرتكزات مؤسسية مهمة لا ينبغي التقليل من قيمتها. لكن نقطة الضعف تظهر عند محاولة ترسيخها في صورة ممارسات مؤسسية مستقرة. فالسيطرة المدنية تبدو أقوى في صورة قيادة رئاسية مباشرة منها في صورة منظومة موزعة للرقابة؛ والتغييرات المتكررة في القيادة العليا تثير أسئلة عن الاستمرارية؛ والضعف المالي يضغط على إدارة الدفاع؛ وتداخل الاختصاصات الأمنية يعقد المساءلة؛ بينما تكشف المواجهات بين قوى مرتبطة بأطراف السلام عن عدم اكتمال سلسلة القيادة الوطنية (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011؛ صندوق النقد الدولي، 2024؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

والاحتراف بدوره في وضع مماثل: توجد معايير قانونية وبرامج تدريب وهوية وطنية معلنة، لكنها تعمل إلى جانب ضغط الموارد، وأضرار خطيرة على المدنيين، وبنى انتقالية لم تستقر بعد. ولذلك يمكن تلخيص الحالة بأنها «تفوق مدني دون مؤسسية كاملة للسيطرة المدنية، ومهنية في طور البناء دون حياد سياسي مستقر بصورة تامة». والهدف المطلوب ليس تقليص قدرة الجيش، بل تعميق القنوات المؤسسية التي تمارس عبرها السلطة المدنية، وربطها بنظام مهني موحد للأفراد والميزانية والانضباط. وهذا يقود مباشرة إلى الفصل الرابع، لأن السيطرة والاحتراف لا يمكن أن يترسخا ما دامت عملية دمج القوات والقيادة الموحدة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج غير مكتملة.

3.7 خلاصة الفصل

أظهر الفصل أن المعضلة الأساسية في جنوب السودان لا تكمن في غياب القواعد، بل في تفاوت درجة مؤسستها. فالدستور يضع معياراً واضحاً للتفوق المدني وعدم الحزبية والاحتراف والفصل بين الاختصاصات، غير أن الممارسة ما تزال شديدة الاعتماد على المركز التنفيذي وتعمل تحت ضغط عدم اكتمال توحيد القوات والموارد والرقابة. كما توجد جهود حقيقية لبناء المهنية وحماية المدنيين، لكن أثرها يظل محدوداً إذا لم تُدعَم بسلسلة قيادة وطنية مستقرة وآليات مساءلة وتمويل يمكن الاعتماد عليه. ويبحث الفصل الرابع في الطبقة المؤسسية التالية من المشكلة: هل استطاعت عملية دمج القوات والترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أن تنتج فعلاً البنية الوطنية التي يحتاجها نظام السيطرة المدنية والاحتراف؟

الفصل الرابع: دمج القوات والترتيبات الأمنية الانتقالية وإصلاح القطاع الأمني في جنوب السودان

يختبر هذا الفصل البعدين الثالث والرابع من الدراسة: مدى نجاح دمج القوات في إنتاج تماسك عسكري وطني، ومدى تنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية التي كان يفترض أن تنقل جنوب السودان من بيئة ما بعد الحرب القائمة على تعدد التشكيلات المسلحة إلى منظومة أمنية وطنية موحدة. ويعتمد الفصل معياراً مؤسسياً للتوحيد لا يكتفي بالمظاهر والإجراءات الشكلية؛ فالتجميع والتدريب والتخريج تمثل خطوات ضرورية، لكنها لا تصبح اندماجاً حقيقياً إلا عندما تقود إلى قيادة واحدة، وانتشار موحد، ورواتب وإدارة أفراد ولوجستيات مشتركة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج فعال، وتراجع فعلي للهياكل الفصائلية السابقة. ويستند التقويم إلى R-ARCSS وتقارير RJMEC وCTSAMVM والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والدراسات المتخصصة، ويقيس الأداء من خلال أربعة معايير: اكتمال المؤسسات، والفاعلية العملياتية، والاستدامة، ومدى الإسهام في بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة (الإيغاد، 2018؛ باراني، 2012؛ راندز، 2010؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

4.1 الأساس الأمني لتوحيد القوات

4.1.1 من تعدد التشكيلات المسلحة إلى قوة وطنية

تنبع ضرورة التوحيد من قاعدة أمنية بسيطة: لا يمكن لتسوية سياسية أن تتحول إلى نظام دولة مستقر إذا احتفظت الأطراف السياسية الرئيسة بقوات قادرة على التعبئة المستقلة. ولذلك جمع R-ARCSS بين وقف إطلاق النار والتجميع والفرز والتدريب والتوحيد والانتشار ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج داخل مسار واحد (الإيغاد، 2018، الفصل الثاني). وكانت تجربة إعلان جوبا قد أثبتت أن استيعاب قوات SSDF داخل SPLA خفف تهديداً مباشراً، لكنه لم يُلغِ تلقائياً شبكات القيادة والرعاية والهوية السابقة (يونغ، 2006؛ راندز، 2010). وعليه، كان التحدي بعد 2018م أعمق من إضافة أفراد إلى هيكل موجود؛ فقد تطلب بناء قواعد واحدة للأمر والإدارة والرواتب والتدريب والعقيدة، بحيث يصبح الانتماء إلى المؤسسة الوطنية أقوى من الانتماء إلى القوة الأم.

«كان الدمج هو الغرض الأول لبناة الجيوش في دول ما بعد التوحيد.» (باراني، 2018، ص. 373)

يفيد هذا المنظور في التمييز بين أربعة مستويات من الاندماج. الإدماج الإداري يعني تسجيل الأفراد داخل بنية رسمية؛ والاندماج التنظيمي يعني خضوعهم لنظم خدمة ورواتب وتدريب وإدارة أفراد واحدة؛ والاندماج القيادي يعني تنفيذهم أوامر سلسلة قيادة وطنية واحدة؛ أما الاندماج المعياري فيعني أن تصبح هوية الدولة والمؤسسة العسكرية هي المرجع الأساسي للولاء. وقد تتحقق المستويات الأولى جزئياً بينما يبقى المستوى الأخير هشاً. ومن ثم يمكن لوحدة أن تُسمى «موحدة» وتظل عملياً محتاجة إلى فصيلها السابق في السلاح أو الراتب أو الحماية أو التوجيه. وهذه الفجوة بين الاسم والمؤسسة هي جوهر التقويم في هذا الفصل (باراني، 2012؛ شيف، 2009).

4.2 البنية الأمنية الانتقالية وفق الاتفاق المنشط

4.2.1 وقف إطلاق النار والتوحيد والآليات المشتركة

أنشأ الفصل الثاني من R-ARCSS منظومة أمنية انتقالية تجمع بين وقف العنف وإعادة بناء المؤسسة. فكان وقف إطلاق النار الدائم مطلوباً لتجميد المنافسة المسلحة، وكان التجميع والتمركز وسيلة لفصل القوات عن المناطق المدنية، والفرز لاختيار من يخدم في القوات الموحدة، والتدريب المشترك لبناء معايير واحدة، والقيادة الموحدة لإلغاء السلاسل المتوازية، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لمعالجة من لن يستمروا في الخدمة، بينما كان من المفترض أن تحدد المراجعة الاستراتيجية للدفاع والأمن (SDSR) شكل القطاع الأمني على المدى الطويل (الإيغاد، 2018؛ اتفاق خارطة الطريق، 2022). وتؤكد هذه البنية أن كل مرحلة تعتمد على الأخرى: فلا يمكن للتجميع أن يستمر بلا غذاء وقيادة، ولا للتدريب أن ينتج قوة عاملة بلا انتشار، ولا للانتشار أن يصمد بلا رواتب ومهام، ولا يمكن لبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أن تعملما لم يُحسم من سيبقى في القوة النظامية.

«إن توحيد القوات هو العمود الفقري للاتفاق المنشط للسلام.» (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2022أ، ترجمة الدراسة)

تكشف العبارة عن الموقع الاستراتيجي للترتيبات الأمنية في مجمل التسوية. فالمشاركة السياسية في الحكومة قد تخفف الإقصاء، لكنها لا تُزيل خطر الحرب إذا احتفظت الأطراف بقيادات وقوات مستقلة. ولهذا وُزعت مسؤوليات التنفيذ على آليات للقيادة والتنسيق والتدريب والمراقبة وإعادة الإدماج، على النحو الموضح في الجدول 4.1.

يُظهر الجدول أن النظام جمع بين آليات التنفيذ وآليات المراقبة. وهذه نقطة جوهرية؛ فإن CTSAMVM تستطيع رصد الانتهاك وإثباته، لكنها لا تستطيع أن تحل محل JDB وJMCC وJTSC في القيادة والتنسيق والتدريب. كما أن القيادة من دون مراقبة مستقلة تقل فيها الشفافية. وبحلول 2026م كانت المنظومة تعاني خللاً هيكلياً: الآليات المعنية بالقيادة والتجميع والتدريب متوقفة، بينما الآلية الرقابية المتبقية تعمل بتغطية ميدانية محدودة للغاية (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

4.3 تكوين القوات الموحدة اللازمة

4.3.1 التجميع والفرز والتدريب

بدأت المرحلة التنفيذية الأولى بمواقع التجميع والإيواء ومراكز التدريب. ففي 2019م كانت CTSAMVM قد قيّمت 33 من أصل 35 موقعاً مخصصاً للتجميع، كما قيّمت JTSC عدداً من مراكز التدريب، إلا أن نقص الغذاء والمياه والمأوى والدواء والنقل ظل مشكلة متكررة أدت في بعض المواقع إلى مغادرة الأفراد (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2019؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2020). وكشفت هذه المرحلة منذ البداية عن قاعدة عملية: الاتفاق السياسي ينشئ الموقع، لكن اللوجستيات هي التي تحدد ما إذا كان الموقع سيستمر. كما ظهر توتر بين معايير الاختيار المهنية وبين نظام الحصص الحزبية. فالحصص قد تكون ضرورية لبناء الثقة في البداية، لكنها تتحول إلى عبء إذا استمرت في تحديد هوية الأفراد وترقياتهم بعد قيام المؤسسة الموحدة.

4.3.2 القيادة الموحدة والتخريج والانتشار

أزيل أحد أكبر العوائق السياسية في أبريل 2022م بإعلان تعيينات القيادة الموحدة، وفتح ذلك الطريق لتخريج القوات. وفي 30 أغسطس 2022م تخرجت أول دفعة في جوبا، وبحلول نوفمبر من العام نفسه أفادت RJMEC بأن نحو 49 ألفاً من أصل قرابة 53 ألفاً من أفراد المرحلة الأولى قد تخرجوا، ثم تخرج نحو 3 آلاف آخرين في بنتيو في يناير 2023م، وهو ما وصفته تقارير أممية بإكمال المرحلة الأولى، رغم بقاء مسائل توحيد الرتب وخطة الانتشار معلقة (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2022أ، 2022ب؛ الأمم المتحدة، 2023). وكان ذلك إنجازاً معتبراً لأنه وضع أفراداً من الحكومة والمعارضة داخل تدريب مشترك وبنية رسمية واحدة.

غير أن الانتشار كشف أن التخريج لا يساوي الاندماج. فبحلول أوائل 2024م كان نحو 4,000 من أفراد NUF قد نُشروا، في ظل تقارير عن نقص الغذاء والمياه والدواء والمأوى وفوارق في السلاح والرواتب بين عناصر قادمة من القوات الحكومية وأخرى من المعارضة (الأمم المتحدة، 2024). وفي أبريل 2024م نُشرت كتيبتان إضافيتان في ملكال وبنتيو ليصبح العدد المبلغ عنه ثماني كتائب، لكن لم تكن هناك مؤشرات جدية على الاستعداد للمرحلة الثانية، كما ظل تمويل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والآليات الأمنية ضعيفاً (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2024). وهكذا كانت عملية التدريب والتخريج تتقدم أسرع من قدرة الدولة على استيعاب الخريجين وإدامتهم داخل مؤسسة واحدة.

لا يشير الجدول إلى غياب التنفيذ بالكامل، بل إلى تنفيذ جزئي لم يتحول إلى ترسيخ مؤسسي. فقد أُنشئت مواقع، وتوصلت الأطراف إلى قيادة، وتدرب عشرات الآلاف وتخرجوا، وبدأ الانتشار. لكن كل إنجاز اصطدم بعائق في المرحلة التالية، فأصبحت العملية سلسلة من المخرجات غير المكتملة: تجميع من دون استدامة، تدريب من دون انتشار كافٍ، انتشار من دون نظام موحد للدعم، ثم عودة بعض الأفراد إلى البنى السابقة عند تدهور البيئة السياسية. وهذه هي مشكلة التسلسل التي ستظهر بصورة أوضح في المرحلة الثانية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

4.4 المرحلة الثانية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإشكالية عدم اكتمال مراحل التنفيذ

4.4.1 المرحلة الثانية وعدم اكتمال هيكل القوة

كان من المفترض أن تستكمل المرحلة الثانية إدخال أعداد إضافية من الأفراد في مسار التجميع والفرز والتدريب والانتشار، وأن تحسم مستويات أخرى من القيادة. غير أن التنفيذ لم يتقدم وفق الخطة. ففي منتصف 2024م أفادت RJMEC بعدم وجود استعدادات واضحة لتدريب المرحلة الثانية، كما ظلت قوائم بعض مستويات القيادة المقدمة من SPLM/A-IO وSSOA بانتظار المعالجة (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2024). وهذا التأخير لم يكن محايداً من الناحية الأمنية؛ فكل فرد يبقى خارج المؤسسة الموحدة يحتفظ بدرجة أكبر من الصلة بتشكيله السابق، وكل مستوى قيادة غير محسوم يترك مساحة لسلطات موازية يمكن أن تعود إلى العمل عند تدهور الثقة السياسية.

4.4.2 نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بوصفه متطلباً أمنياً لا مجرد برنامج مساند

يفترض نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أن الدولة لا تستطيع، ولا ينبغي لها، استيعاب كل من حمل السلاح داخل مؤسساتها النظامية إلى ما لا نهاية. ولذلك تتجاوز وظيفته مسألة دعم سبل العيش؛ فهو أداة لتقليص حجم القطاع الأمني، وخفض كلفته، وإخراج فائض المقاتلين من شبكات الرعاية العسكرية، وتقليل الأسلحة المتداولة، وخفض عدد الأفراد القابلين لإعادة التعبئة. وقد حذرت دراسات مبكرة من أن تضخم القوات وضعف الرواتب واستمرار دمج الجماعات من دون تخطيط للحجم سيقوضان الاحتراف والقدرة المالية للدولة (راندز، 2010؛ سنودن، 2012).

لكن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أصبح في الممارسة رهينة لعدم اكتمال التوحيد. فمن دون هيكل نهائي واضح للقوات لا يمكن تحديد من سيبقى، ومن سيُسرّح، ومن يحق له الحصول على حزمة إعادة إدماج، وما السلاح الذي يجب نزعه، وأي شبكات قيادة ينبغي تفكيكها. وزاد نقص التمويل من هذا المأزق. وبحلول الربع الأول 2026م أفادت RJMEC بأن المفوضية لم تتمكن من تنفيذ مهامها بسبب تعثر توحيد القوات وضعف الموارد (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ). وهنا تظهر دائرة مؤسسية مغلقة: التوحيد يحتاج إلى نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لتقليص الفائض، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يحتاج إلى توحيد مكتمل حتى يعرف من هو الفائض أصلاً.

4.5 أداء الآليات الأمنية المشتركة وتراجع فاعليتها

4.5.1 من ضعف التنسيق إلى تعطل الآليات المؤسسية

بلغ التراجع أخطر مستوياته بعد مارس 2025م. ففي تقرير الربع الأول من 2026م سجلت RJMEC عدد 133 ادعاءً بانتهاك وقف إطلاق النار، شملت اشتباكات وجرائم بحق المدنيين وعنفاً جنسياً ونزوحاً قسرياً واحتلال مناطق مدنية. وكانت CTSAMVM تعمل بثلاث فرق فقط للمراقبة والتحقق، بينما ظل JDB وJMCC وJTSC غير عاملة منذ مارس 2025م. كما أدت الانتهاكات الخطيرة إلى تعطيل معظم مواقع التجميع ومراكز التدريب وتوقف التوحيد إلا في حالات فردية من الانشقاق أو الاستسلام (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ). وهذه الحالة تتجاوز بطء التنفيذ؛ فهي تعني أن المؤسسات المصممة لإدارة القوات واحتواء الصراع فقدت قدرتها على العمل في اللحظة التي أصبحت الحاجة إليها أكبر.

«القوات الموحدة اللازمة … لم تعد موجودة كقوات مستقلة.» (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ، الفقرة 26، ترجمة الدراسة)

أوضحت RJMEC أن غالبية الجنود في الوحدات التي نُشرت خلال 2023–2024م عادوا إلى وحداتهم الأم السابقة. وتحليلياً، يمثل ذلك «تراجعاً مؤسسياً» لا مجرد تأخير، لأن مخرجاً سابقاً للعملية تم تفكيكه جزئياً. ويؤكد ذلك أن الانتشار من دون رواتب مستقرة ولوجستيات ومهام واضحة وسلسلة قيادة نافذة وفاعلةلا يخلق وحدة دائمة. فإذا كان بقاء الوحدة الجديدة يعتمد على الفصيل القديم، فإن المؤسسة الوطنية لم تستبدل البنية السابقة، بل غطتها مؤقتاً. وقد شدد مجلس الأمن في القرار 2821 (2026) على استكمال ترتيبات الفصل الثاني، ودفع الرواتب بانتظام، ونشر جميع القوات الموحدة، وتحديد مهامها في إطار SDSR (مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 2026ب).

ولم يقدم الإيجاز الخاص الصادر عن RJMEC في يوليو 2026م مصفوفة تنفيذ تفصيلية جديدة، لكنه استمر في اعتبار المهام الجوهرية غير مكتملة، ودعا إلى إرادة سياسية متجددة وتنسيق أقوى بين مؤسسات التنفيذ (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026د). ولذلك تبقى أحدث صورة تفصيلية معتمدة في هذه الدراسة هي صورة الربع الأول من 2026م، مدعومة بقرار مجلس الأمن في مايو 2026م، وهي صورة تشير بوضوح إلى انتقال عملية التوحيد من التعثر المزمن إلى مرحلة تراجع بعض المكتسبات.

4.6 العقبات الرئيسة أمام دمج القوات وإصلاح القطاع الأمني

4.6.1 انعدام الثقة السياسية واستمرار شبكات القيادة السابقة

حوّل انعدام الثقة كثيراً من المسائل الفنية إلى موضوعات مساومة سياسية: تعيين القيادة، وتوزيع المناصب، واختيار الأفراد، ومواقع الانتشار، ومستويات القيادة اللاحقة. وهذا مفهوم في سياق تسوية تفاوضية، لكنه يخلق تناقضاً: يستخدم الاتفاق الانتماء الحزبي والفصائلي في البداية لطمأنة الأطراف وضمان مشاركتها، بينما يفترض نجاح التوحيد في النهاية أن يفقد ذلك الانتماء قيمته العسكرية. وإذا ظل القائد السابق يوفر الحماية والراتب والاتصال السياسي بصورة أكثر موثوقية من المؤسسة الوطنية، فمن المنطقي أن يحتفظ الأفراد بعلاقتهم به. ولهذا تثبت عودة NUF إلى الوحدات الأم أن الولاء لا يُعاد تشكيله بالتدريب فقط؛ بل يحتاج إلى مؤسسة وطنية أكثر موثوقية مادياً ومهنياً من البنية التي تحل محلها (باراني، 2012؛ شيف، 2009؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

4.6.2 التمويل واللوجستيات والأوضاع المعيشية للأفراد

العقبة الثانية هي الفجوة بين حجم التصميم الأمني والموارد المخصصة له. فقد واجهت مواقع التجميع نقصاً متكرراً، وبقي متدربون في المراكز بسبب غياب حزم الانتشار، وبدأ الانتشار في بعض المواقع من دون ما يكفي من المأوى والدواء والغذاء، كما أُبلغ عن تفاوتات في الرواتب والسلاح بين عناصر ذات أصول تنظيمية مختلفة، وظلت نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج من دون تمويل ثابت (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2020، 2022ب، 2024؛ الأمم المتحدة، 2024). وهذه ليست مشكلات إدارية هامشية؛ فهي تعيد إنتاج الفوارق التي يفترض بالتوحيد أن يزيلها، وتضعف سلطة القائد الوطني أمام شبكات الدعم القديمة.

4.6.3 تجدد النزاع والدائرة المفرغة بين تعثر الدمج وتدهور الأمن

تتمثل العقبة الثالثة في دائرة مفرغة تربط بين تعثر دمج القوات وتجدد القتال. فالتوحيد الضعيف يُبقي قوات وولاءات قابلة للتعبئة، والتوتر السياسي ينشطها، والقتال الناتج يغلق مراكز التدريب والتجميع ويضعف المراقبة ويحوّل الموارد من الإصلاح إلى العمليات، فتتأخر عملية الدمج أكثر. وبذلك تصبح المشكلة ذاتية التعزيز: ضعف الدمج يؤدي إلى مواجهة، والمواجهة تؤدي إلى مزيد من ضعف الدمج. وتكشف هذه الدائرة أن إصلاح القطاع الأمني لا يمكن عزله عن سلوك النخب السياسية، كما أن التسوية السياسية لا يمكن أن تصمد إذا لم تقلل الإصلاحات فعلاً من مراكز القوة المسلحة الموازية (باراني، 2012؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ؛ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 2026ب).

4.7 تقويم الترتيبات الأمنية الانتقالية

يمكن تقويم الترتيبات الأمنية وفق أربعة معايير: اكتمال المؤسسات، والفاعلية العملياتية، والاستدامة، ومدى الإسهام في بناء مؤسسة عسكرية وطنية. وهذا يمنع مساواة التوقيع على الاتفاق أو تحقيق خطوة منفردة بالنجاح النهائي. ويلخص الجدول 4.3 النتيجة.

يبين الجدول أن أقوى ما حققته الترتيبات كان على مستوى التصميم المتفاوض عليه والمحطات الإجرائية، بينما كان أضعف أدائها على مستوى الاستدامة. وهذا يفسر كيف يمكن وصف تخريج عشرات الآلاف بأنه إنجاز تاريخي، وفي الوقت نفسه وصف المنظومة الأمنية بأنها في أزمة. فالعدد المتخرج لا يضمن بقاء الأفراد في وحدات موحدة، ولا تساوي الرتبة الموحدة إدارة أفراد موحدة، ولا يضمن الانتشار وحده استقلال الوحدة عن تشكيلها السابق. ومن ثم يجب أن يُقاس التحول بمدى دوام المؤسسة بعد انتهاء مراسم التخريج وتغير البيئة السياسية.

4.8 التقويم العام

بالنسبة إلى الهدف الثالث للدراسة، تكشف الأدلة أن الدمج حقق تقدماً ملموساً لكنه لم ينتج حتى 2026م تماسكاً عسكرياً وطنياً مستداماً. فقد قبلت الأطراف إطاراً أمنياً واحداً، وخضع عشرات الآلاف لتدريب مشترك، وعُينت قيادة عليا موحدة، وانتشرت بعض الكتائب. وهذه مكاسب حقيقية ينبغي البناء عليها. غير أن ضعف الاستدامة، وعدم بدء المرحلة الثانية، وبقاء بعض مستويات القيادة غير محسومة، وعودة أفراد إلى وحداتهم الأم، كلها تدل على أن الهياكل السابقة احتفظت بقدرة أكبر على الصمود من الهياكل الجديدة (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2024، 2026أ).

أما الهدف الرابع المتعلق بتنفيذ الترتيبات الأمنية، فالصورة مختلطة لكنها اتجهت إلى التدهور. كان التنفيذ المؤسسي والإجرائي معتبراً بين 2019 و2023م، ثم تباطأ في 2024م، ودخل مرحلة تراجع بعد مارس 2025م. وبحلول الربع الأول من 2026م كانت الآليات الرئيسة غير عاملة، ومواقع كثيرة متوقفة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عاجزة عن تنفيذ ولايتها، وعدد من القوات الموحدة قد عاد إلى تشكيلاته السابقة. وبذلك لا تكمن المشكلة في غياب خطة أمنية؛ بل في عدم حماية تنفيذ الخطة سياسياً وتمويلياً ولوجستياً حتى تصبح المؤسسة الجديدة أقوى من البنى القديمة.

وأقوى خلاصة للفصل أن توحيد القوات في جنوب السودان ما يزال معرضاً للانتكاس. فقد وفر R-ARCSS إطاراً واضحاً للحد من مراكز القوة المسلحة الموازية، لكن التنفيذ لم يصل إلى نقطة تصبح فيها القيادة والرواتب واللوجستيات وإدارة الأفراد والانتشار ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ممارسات مؤسسية مستقرة ومتكاملة. ولهذا يظل النظام معرضاً لأن يعيد الخلاف السياسي تنشيط البنى المسلحة التي كان يفترض بالسلام أن يفككها. واستكمال الفصل الثاني من R-ARCSS يحتاج إلى أكثر من إعادة فتح مراكز التدريب؛ فهو يحتاج إلى استعادة الآليات المشتركة، وتوفير دعم متساوٍ ومنتظم، وإكمال القيادة والمرحلة الثانية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وتحديد المهام عبر SDSR، وربط جميع الوحدات بسلسلة قيادة وطنية واحدة.

4.9 خلاصة الفصل

أظهر الفصل أن الترتيبات الأمنية في جنوب السودان لم تكن عديمة الإنجاز، لكنها لم تصل إلى مستوى الاندماج المؤسسي المستدام. فقد أُنشئت البنية الأولية، وتوحّدت قيادة عليا، وتدرب وتخرج نحو 53 ألفاً في المرحلة الأولى، وبدأ انتشار محدود، ثم واجه المسار اختناقات متتالية في الانتشار والتمويل والمرحلة الثانية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والآليات المشتركة. وبحلول بداية 2026م انتقلت العملية من التأخير إلى تراجع بعض المكتسبات، وهو ما تؤكده عودة كثير من أفراد NUF إلى وحداتهم الأم.

والدلالة الأوسع هي أن دمج القوات بعد النزاع لا يُقاس بعدد الأفراد الذين دخلوا المعسكر أو تخرجوا، بل بقدرة المؤسسات الجديدة على إزاحة الشبكات السابقة في القيادة والموارد والهوية. ولم يصل جنوب السودان بعد إلى هذه النقطة. ومن ثم تتصل نتائج الفصل مباشرة بما انتهى إليه الفصل الثالث: لا يمكن ترسيخ السيطرة المدنية والاحتراف في ظل بقاء هياكل مسلحة موازية قابلة للعودة إلى العمل. وينتقل الفصل الخامس إلى تقويم الآثار التراكمية لهذه الاختلالات على الأمن القومي والاستقرار السياسي وحماية المدنيين، ثم صياغة النتائج والتوصيات النهائية.

الفصل الخامس: انعكاسات العلاقات المدنية–العسكرية على الأمن القومي والنتائج والتوصيات

يقدم هذا الفصل الحكم الأمني النهائي على منظومة العلاقات المدنية–العسكرية في جنوب السودان من خلال جمع نتائج الفصلين الثالث والرابع وربطها بالأمن القومي والاستقرار السياسي وحماية المدنيين. وينطلق من معيار واضح: لا تُقاس جودة العلاقات المدنية–العسكرية بمجرد وجود نصوص دستورية أو لجان أو قوات متخرجة، وإنما بقدرة الدولة على توجيه القوة الشرعية عبر مؤسسات مهنية، وبقدرة القوات على تنفيذ مهامها في سلسلة قيادة واحدة، وبمدى شعور السكان بأن أجهزة الأمن تحميهم وتخضع للمساءلة. وعلى هذا الأساس يتعامل الفصل مع السيطرة المدنية والاحتراف ودمج القوات وإصلاح القطاع الأمني كمنظومة واحدة، ثم يحدد النتائج الرئيسة، ويقدم استنتاجاً عاماً، ويقترح أولويات إصلاح متسلسلة قابلة للتطبيق (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011؛ الإيغاد، 2018؛ باراني، 2012؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ).

5.1 العلاقات المدنية–العسكرية والأمن القومي

5.1.1 ضبط استخدام القوة وسلسلة القيادة الوطنية

يقوم الأمن القومي على احتكار الدولة المشروع للقوة وقدرتها على توجيهها عبر مؤسسات واضحة الاختصاص. وقد حسم دستور جنوب السودان الشكل القانوني لهذه المسألة حين جعل القوات خاضعة للسلطة المدنية، والرئيس قائداً أعلى، والجيش مؤسسة وطنية غير حزبية. لكن التحليل أظهر أن المشكلة تقع في مدى امتداد هذه السلطة فعلياً داخل المؤسسة: هل تصل قواعد الدولة إلى كل وحدة وفرد؟ وهل تخضع الرواتب والترقيات والانتشار والتأديب لنظام وطني واحد؟ وقد انتهى الفصل الثالث إلى أن السيطرة المدنية أقوى عند قمة السلطة منها في دوائر الرقابة الوزارية والتشريعية والمالية، بينما أثبت الفصل الرابع أن بعض البنى الفصائلية السابقة لم تُستبدل بالكامل بمؤسسات وطنية مستقرة.

وتكتسب عودة عدد من أفراد NUF إلى وحداتهم الأم في 2026م دلالة أمنية مباشرة. فوجود أفراد داخل هيكل رسمي لا يعني أن مركز ولائهم العملي أو مصدر حمايتهم ومواردهم قد انتقل نهائياً إلى الدولة. وعندما تبقى شبكات مسلحة قابلة لإعادة التعبئة، يحتفظ الخلاف السياسي بإمكانية التحول إلى مواجهة عسكرية. وقد أكد تجدد القتال بين SSPDF وSPLA-IO في والقاك بمقاطعة أكوبو في يوليو 2026م أن هذا الخطر ظل قائماً بعد فترة التقرير الأولى من العام (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026ج). ومن ثم فإن التحدي هو بناء سلسلة قيادة وطنية لا ينافسها أي مسار بديل في التعبئة أو التمويل أو إصدار الأوامر.

«السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية تعزز الاحتراف العسكري.» (عبد الشافي، د.ت.-ب)

لا تعني هذه القاعدة إضعاف الجيش. فالسيطرة المدنية السليمة تحدد الغايات السياسية وتراقب المشروعية والموارد، بينما تترك للقادة المحترفين اختيار الوسائل العسكرية الملائمة ضمن حدود القانون. وتكمن المعضلة في جنوب السودان في أن علوية السلطة المدنية لا تزال بحاجة إلى مؤسسات تجعل سلطة الدولة أكثر رسوخاً من العلاقات الشخصية والفصائلية. ومن ثم فالمشكلة أدق من صراع «مدنيين ضد عسكريين»؛ إنها عجز جزئي في تحويل السلطة السياسية إلى نظام قيادة مؤسسي قابل للاستمرار (هنتنغتون، 1957؛ فيفر، 2003؛ عبد الشافي، د.ت.-ب).

5.1.2 الفعالية العسكرية واستدامة القوة

السيطرة المدنية تكون ذات قيمة استراتيجية عندما تعمل على مؤسسة قادرة. فالجاهزية تحتاج إلى أفراد مدربين، ورواتب منتظمة، ولوجستيات، وسجلات موثوقة، وعقيدة، واتصالات، ونظام قيادة قادر على نشر الوحدات وإدامتها. وقد أظهرت تقارير 2024م أن بعض القوات الموحدة المنتشرة عانت نقص الغذاء والماء والدواء والمأوى وفوارق في الرواتب والسلاح، ثم أظهرت تقارير 2026م أن عدداً من الوحدات لم يعد يعمل كقوة مستقلة موحدة (الأمم المتحدة، 2024؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ). وهذه العوامل لا تُعفي الجندي من الالتزام بالقانون، لكنها تضعف قدرة الدولة على فرض الانضباط وتفتح مجالاً لشبكات الدعم غير الرسمية.

ومن زاوية الأمن القومي، تنتج عن ذلك ثلاث مخاطر: تراجع الجاهزية، وضعف الانضباط المؤسسي، وعدم دقة تقدير القوة المتاحة فعلاً للدولة. فالجيش قد يبدو كبيراً في السجلات بينما تكون قدرته على الانتشار والاستدامة أقل بكثير. ولذلك يجب أن يشمل الاحتراف إصلاح إدارة الأفراد والرواتب والإمداد بقدر ما يشمل التدريب والعقيدة. فالمؤسسة التي لا تستطيع إعالة أفرادها بانتظام ستجد صعوبة في مطالبتهم بهوية وطنية تفوق شبكاتهم السابقة (راندز، 2010؛ سنودن، 2012؛ صندوق النقد الدولي، 2024).

5.1.3 عسكرة الخلاف السياسي

أخطر أثر أمني لعدم اكتمال المؤسسية هو سهولة انتقال الخلاف السياسي إلى المجال المسلح. وتكشف أزمات 2013م، وتوترات 2025م، و133 ادعاءً بانتهاك وقف إطلاق النار في الربع الأول من 2026م، ثم تجدد المواجهات في جونقلي في يوليو، عن مسار متكرر: تراجع الثقة السياسية ينشط شبكات مسلحة مرتبطة بالأطراف؛ الاشتباك يضر المدنيين ويعطل مراكز التدريب والتجميع؛ تتراجع قدرة آليات الرصد والقيادة؛ ويصبح استكمال التوحيد أصعب، فتظل البيئة مهيأة لمواجهة جديدة (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ، 2026ب، 2026ج).

وهذه الحلقة أخطر من مجرد التأخر في تنفيذ بند من اتفاق السلام؛ فهي تعني أن البنية الأمنية غير قادرة بعد على امتصاص الصراع السياسي داخل المؤسسات. ففي النظام المؤسسي الناضج لا ينبغي أن يؤدي الخلاف على منصب أو سياسة إلى تحريك وحدات مسلحة. ولذلك تصبح الأولوية الوقائية هي إبقاء قنوات القيادة المشتركة والرصد والتحقق وحل الحوادث عاملة في أوقات التوتر تحديداً، لا فقط عندما تكون العلاقات بين الأطراف جيدة.

5.2 الانعكاسات على الاستقرار السياسي

5.2.1 الضمانات الأمنية والانتقال السياسي

ربط R-ARCSS بين السياسة والأمن لأن الانتقال السياسي يحتاج إلى ضمانات مادية، لا إلى تفاهمات نخبوية فقط. وقد أفادت RJMEC في أبريل 2026م بأن الإجراءات الأحادية والمواجهات المتكررة وتراجع الثقة تهدد الأساس التوافقي للاتفاق وتعرقل حماية المدنيين والعمل الإنساني والاستعداد للانتقال السياسي، ثم أكدت في يوليو أن مهاماً أساسية لازمة لانتخابات سلمية وذات مصداقية ما تزال غير مكتملة (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026ب، 2026د). وهذا يعني أن الانتخابات والدستور والحوكمة لا يمكن فصلها عملياً عن السؤال الأمني: هل يستطيع كل طرف أن يقبل المنافسة السياسية وهو واثق من حياد مؤسسات الحماية؟

إذا لم يثق الفاعل السياسي في مؤسسات الدولة الأمنية، فقد يرى الاحتفاظ بقوة مسلحة ضماناً لسلامته. لكنه عندما يفعل ذلك، ويفعل خصمه الشيء نفسه، تنتج «معضلة أمنية داخلية»: كل طرف يتسلح للحماية، لكن مجموع قرارات الحماية الفردية يرفع مستوى الخطر للجميع. وهنا لا يكفي طلب الثقة أو نزع السلاح أخلاقياً؛ بل يجب بناء مؤسسات تجعل الاعتماد على الدولة أكثر عقلانية من الاعتماد على الفصيل. ويتطلب ذلك قواعد شفافة للأفراد والقيادة، ورواتب منتظمة، ورقابة موثوقة على وقف إطلاق النار، وآليات مساءلة، وضمانات قانونية لا ترتبط بشخص أو حزب (باراني، 2012؛ شيف، 2009).

5.2.2 من شخصنة الأمن إلى مأسسته

تكشف النتائج عن مشكلة أخرى هي استمرار بعض أنماط الأمن الشخصي. في النظام الشخصي ترتبط الحماية والترقية والموارد بعلاقة الفرد بقائد سياسي أو عسكري؛ أما في النظام المؤسسي فتُحدد بالقانون والرتبة والكفاءة والإجراءات. وتشير سرعة التغييرات في القيادة العليا، وضعف المالية العامة، وعدم اكتمال نظم الأفراد، وعودة بعض القوات إلى وحداتها السابقة إلى أن الانتقال نحو الأمن المؤسسي لم يكتمل بعد (صندوق النقد الدولي، 2024؛ اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ). ولا يعني ذلك أن كل قرار شخصي أو كل تعيين غير مهني، بل إن القواعد لم تصبح بعد قوية بما يكفي لجعل الشبكات غير الرسمية غير ذات قيمة أمنية.

والانتقال إلى الأمن المؤسسي يخفف عدم اليقين. فالضابط يعرف معايير ترقيته، والجندي يعرف مصدر راتبه، والسياسي يعرف أن الوحدة لا تتحرك لحماية شخص، والمواطن يعرف الجهة التي يسائلها عند استخدام القوة. ووهذا الوضوح والاستقرار في القواعد ليسا قيمة قانونية فحسب، بل شرطاً للاستقرار والفاعلية العسكرية. فكلما كانت إدارة المؤسسة أكثر مهنية وأقل خضوعاً للاعتبارات الشخصية، انخفضت حوافز التعبئة الوقائية وانحياز الوحدات في الأزمات.

5.3 الانعكاسات على حماية المدنيين وشرعية الدولة

5.3.1 حماية المدنيين بوصفها معياراً عملياً لفاعلية المنظومة الأمنية

تُعد حماية المدنيين أحد أوضح الاختبارات العملية لمنظومة الأمن. فقد وثقت UNMISS خلال يناير–مارس 2026م 206 حوادث مرتبطة بالنزاع أضرت بما مجموعه 1,388 مدنياً: 767 قتيلاً، و457 جريحاً، و93 مختطفاً، و71 من ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، مع التنبيه إلى أن القيود الأمنية منعت التحقق الكامل في بعض المناطق (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2026ب). ولا تنسب الدراسة هذه الأرقام كلها إلى SSPDF أو إلى خلل العلاقات المدنية–العسكرية؛ لكنها تثبت أن البيئة الأمنية لم توفر حماية مستقرة للسكان.

تتصل حماية المدنيين مباشرة بالقيادة وقواعد الاشتباك والانضباط والتحقيق في الانتهاكات وتحديد الاختصاصات. وقد شهد جنوب السودان برامج متكررة للتدريب على حقوق الإنسان وحماية الأطفال والمدنيين، غير أن الفصل الثالث بيّن أن المعرفة وحدها لا تكفي إذا غابت المساءلة القيادية أو العدالة العسكرية أو التخطيط الذي يضع المخاطر على المدنيين ضمن الاعتبار العملياتي (بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2020، 2024، 2026ج). وتظل حكومة جنوب السودان صاحبة المسؤولية الأساسية عن حماية السكان، بينما تدعم UNMISS هذه الوظيفة في إطار القرار 2820 (2026)، لكن الاستدامة تتطلب مؤسسات وطنية قادرة على القيام بها من دون إحلال دولي دائم (مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، 2026أ).

5.3.2 الثقة بين الجيش والمجتمع والشرعية الوطنية

«الشعب هو المصدر الذي يمد الجيش بالموارد البشرية التي يحتاج إليها.» (عبد الشافي، د.ت.-أ)

تذكر هذه القاعدة بأن الجيش مؤسسة من المجتمع لا فوقه. وتؤثر طريقة التجنيد والتمثيل والتعامل مع المدنيين والمساءلة في تصور المواطنين للطابع الوطني للقوات. وتوفر نظرية التوافق أساساً مفيداً لفهم هذه العلاقة لأنها تضع النخب السياسية والعسكريين والمواطنين داخل نظام واحد، وتركز على التجنيد والتركيب الاجتماعي وصنع القرار والقيم المؤسسية (شيف، 2009؛ عبد الشافي، د.ت.-ج). وفي جنوب السودان لا ينبغي تحويل هذا إلى نظام حصص اجتماعية جامد، بل إلى قواعد وطنية شفافة تجعل الفرص والانضباط والحماية متساوية بصرف النظر عن الخلفية.

الثقة العامة عامل عملياتي. فالمجتمع الذي يثق بالمؤسسة الأمنية يتعاون معها ويوفر معلومات ويقبل إجراءات نزع السلاح القانونية ويقاوم التجنيد في التشكيلات الموازية. أما المجتمع الذي يراها منحازة فقد يبحث عن حماية بديلة. لذلك لا يثبت «الطابع الوطني» بالاسم أو الشعار؛ بل يتكون من تكرار سلوك مهني محايد يجعل المواطن يرى في الجيش أداة للدولة لا لفئة بعينها.

5.4 التقويم المتكامل لمنظومة العلاقات المدنية–العسكرية

تؤكد نتائج الفصول السابقة أن الحكم على جنوب السودان يجب أن يكون متدرجاً لا ثنائياً. فالدولة لا تفتقر إلى المؤسسات كلياً، لكنها لم ترسخها بالدرجة نفسها في جميع المجالات. ويلخص الجدول 5.1 الصورة العامة.

يُظهر الجدول أن القاسم المشترك بين نقاط الضعف هو «المؤسسية». فجنوب السودان يمتلك قوانين واتفاقات ولجاناً وبرامج تدريب وقوات تخرجت وآليات للرصد، لكن كثيراً من هذه الأدوات يضعف عند النقطة التي يفترض أن يصبح فيها سلوكاً مؤسسياً روتينياً. ولذلك فإن تدريباً منفرداً لا يصنع حياداً سياسياً إذا ظلت إدارة الأفراد منقسمة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لا ينجح إذا لم يُحسم حجم القوة النهائية، والبرلمان لا يراقب قطاعاً لا يملك عنه معلومات موثوقة، وحماية المدنيين لا تُضمن إذا كانت القيادة نفسها مجزأة. ومن ثم لا بد من إصلاح منظومي لا سلسلة مشروعات منفصلة.

خاتمة الدراسة

طرحت الدراسة سؤالاً رئيساً عن مدى نجاح إدارة العلاقات المدنية–العسكرية في إنتاج مؤسسة أمنية وطنية محترفة ومحايدة سياسياً ومتكاملة وخاضعة للمساءلة وقادرة على دعم الأمن القومي وحماية المدنيين. وتخلص إلى أن هذا الهدف تحقق جزئياً فقط. فجنوب السودان يمتلك بنية رسمية معتبرة: تفوق مدني دستوري، وفصل قانوني بين الوظائف العسكرية والحزبية، وإدارة مدنية للدفاع، وآليات أمنية في اتفاقات السلام، ومساراً لتوحيد القوات، ووالتزاماً ببرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وبرامج متعددة للاحتراف. ولذلك لا تكمن المشكلة في غياب النموذج المطلوب أو غموضه، بل في تحويله إلى ممارسة مستقرة.

ويمكن تلخيص التشخيص المركزي في «فجوة التنفيذ والترسيخ المؤسسي». فقد وصلت إصلاحات كثيرة إلى مستوى القانون والاتفاق واللجنة والتدريب والتخريج، لكنها لم تصل بصورة متسقة إلى مستوى ممارسات مؤسسية مستقرة لا تعتمد على ترتيبات مؤقتة أو قرارات استثنائية. علوية السلطة المدنية لم تتحول بعد إلى رقابة مؤسسية موزعة بالكامل؛ والتدريب المهني لم يتحول دائماً إلى حياد سياسي تفرضه قواعد مؤسسية واضحة؛ والتخريج لم يصبح تماسكاً دائماً؛ ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لم يقلل القدرة على إعادة التعبئة المسلحة بالقدر المطلوب؛ والآليات المشتركة لم تثبت بعد قدرتها على العمل أثناء الأزمات. ولهذا بقيت المؤسسة الأمنية، بعد خمسة عشر عاماً من الاستقلال، في جوانب مهمة منها مؤسسة انتقالية.

وتتفق هذه النتيجة مع الإطار النظري المركب. فهنتنغتون يوضح أن السيطرة المدنية تحتاج إلى مهنة عسكرية مستقرة، وشيف يبين أهمية التوافق الاجتماعي والمؤسسي حول التجنيد والقيادة والقيم، وباراني يوضح أن بناء جيش بعد الحرب يتوقف على التسلسل والظروف السياسية وقدرة الدولة على تحويل الخصوم السابقين إلى مؤسسة واحدة. وتؤكد حالة جنوب السودان أن أياً من هذه الأبعاد لا يعمل منفرداً: لا احتراف من دون دمج، ولا دمج مستدام من دون ضمانات سياسية وموارد، ولا سيطرة مدنية راسخة من دون مؤسسات مدنية قادرة وشرعية اجتماعية (هنتنغتون، 1957؛ شيف، 2009؛ باراني، 2012).

وعليه، فإن الهدف الاستراتيجي ليس إكمال بنود الاتفاق باعتبارها مجرد قائمة من البنود، بل الوصول إلى مرحلة تصبح فيها المؤسسة الوطنية أكثر موثوقية من أي فصيل سابق. ويتطلب ذلك قيادة واحدة نافذة على جميع الوحدات، ونظام أفراد ورواتب موحداً، واستدامة لوجستية، ورقابة مدنية وتشريعية فاعلة، وتعليماً عسكرياً مهنياً، وآليات وقف إطلاق نار تعمل، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج فعلياً، وثقافة أمنية تجعل حماية الجمهورية وسكانها مركز الهوية العسكرية. وما لم تتحول هذه العناصر إلى ممارسات مؤسسية يومية مستقرة، ستظل مكتسبات السلام قابلة للتراجع مع كل أزمة سياسية.

نتائج الدراسة

(1) علوية السلطة المدنية مقررة دستورياً، لكن السيطرة المؤسسية لم تكتمل: تكشف الدراسة أن جنوب السودان كرّس في النص الدستوري علوية واضحة للسلطة المدنية، وأن الرئاسة تمثل قمة القيادة، كما أن الإطار القانوني يمنح وزارة الدفاع والسلطة التشريعية أدواراً في الإدارة والرقابة. غير أن تظل الممارسة أكثر تمركزاً في السلطة التنفيذية، وأقل نضجاً في الرقابة البرلمانية والمالية والإدارة الدفاعية المستقرة. ومن ثم فالمشكلة ليست «حكماً عسكرياً» بالمعنى التقليدي، بل محدودية تحويل هذه العلوية الدستورية إلى منظومة مؤسسية موزعة ومستقرة (الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان، 2011؛ قانون الجيش الشعبي لتحرير السودان، 2009؛ صندوق النقد الدولي، 2024).

(2) تطورت قواعد الاحتراف العسكري أسرع من ترسخها في الممارسة المؤسسية: توجد قاعدة قانونية قوية لعدم الحزبية، وبرامج تدريب، وهوية دفاع وطني، وجهود في حماية المدنيين، لكن هذه العناصر تعمل في بيئة تعاني من ضغط الرواتب واللوجستيات وتغيرات القيادة وبقاء صلات تنظيمية سابقة وعدم اكتمال نظام أفراد واحد. وبذلك فإن الاحتراف لم يصبح بعد ثقافة تنظيمية محصنة بالكامل من السياسة والموارد. فالخبرة والمسؤولية والهوية المهنية لا تنتج الحياد إلا إذا ساندتها مؤسسة مستقرة (عبد الشافي، د.ت.-ب).

(3) حقق دمج القوات تقدماً إجرائياً، لكنه لم يفضِ إلى تماسك مؤسسي مستدام: أنشأت عملية التوحيد مواقع تجميع وتدريب، وتوصلت إلى ترتيبات قيادة، وخرّجت نحو 53 ألفاً في المرحلة الأولى، وبدأت بعض عمليات الانتشار. لكن الفجوة بين عدد المتخرجين والمنتشرين، وتعثر المرحلة الثانية، وفوارق الدعم، وعودة عدد من الأفراد إلى الوحدات الأم، تدل على أن الإدماج الإداري والتدريبي لم يتحول بعد إلى اندماج قيادي ومعياري لا رجعة فيه (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2022أ، 2022ب، 2024، 2026أ).

(4) الترتيبات الأمنية ما تزال عرضة للانتكاس: مر التنفيذ بثلاث مراحل واضحة: بناء مؤسسي ومحطات مهمة بين 2019 و2023م؛ تباطؤ وعدم اكتمال في 2024م؛ ثم تراجع حاد بعد 2025م. وبحلول الربع الأول من 2026م لم يُسجل تقدم في الترتيبات الأمنية، وكانت JDB وJMCC وJTSC غير عاملة، وتعطلت أغلب مواقع التجميع والتدريب، وضعفت قدرة CTSAMVM، ولم تستطع نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تنفيذ ولايتها (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026أ). وهذا يعني أن الإنجازات السابقة لم تُحمَ بعد بمؤسسات قادرة على الصمود أمام الأزمة السياسية.

(5) اختلال العلاقات المدنية–العسكرية يفاقم المخاطر على الأمن القومي وحماية المدنيين: لا تدعي الدراسة أن كل مشكلات جنوب السودان ناتجة عن العلاقات المدنية–العسكرية. فهناك عوامل اقتصادية ومجتمعية وإقليمية ومناخية مهمة. لكن ضعف القيادة الموحدة، وبقاء شبكات مسلحة، وتوقف آليات الرصد، وانعدام الثقة السياسية، كلها عوامل ترفع احتمال انتقال الأزمة السياسية إلى المجال المسلح وتحد من قدرة الدولة على حماية المدنيين. ومن ثم فإصلاح العلاقات المدنية–العسكرية شرط وقائي للأمن القومي لا مسألة حوكمة نظرية فقط (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026ب، 2026ج؛ بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، 2026أ).

توصيات الدراسة:

1- إعادة تفعيل مؤسسات القيادة وآليات وقف إطلاق النار فوراً: الأولوية الأولى هي إعادة تفعيل JDB وJMCC وJTSC باعتبارها مؤسسات أمن قومي لا ترتيبات مؤقتة يمكن تعليقها عند الخلاف. وينبغي تحديد جداول اجتماعات ثابتة، وتمويل مخصص يضمن استمرارية العمل، وضباط اتصال، وإجراءات تضمن استمرار التواصل بين القيادات في الأزمات. كما ينبغي دعم CTSAMVM لاستعادة تغطية ميدانية أوسع وقدرة أسرع على التحقق. فاشتباكات جونقلي في يوليو 2026م تؤكد الحاجة إلى آليات تستطيع منع الحادث المحلي من التحول إلى أزمة سياسية–عسكرية أوسع (اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق، 2026ج).

2- استكمال توحيد القوات عبر الانتشار المستدام وتوحيد نظام شؤون الأفراد: يجب ألا يُعد الفرد «موحداً» لمجرد أنه تخرج. ينبغي التحقق من أفراد المرحلة الأولى ونشرهم تحت قيادة وطنية واحدة، وحسم مستويات القيادة المتبقية، ثم الشروع في المرحلة الثانية على أساس خطة تمويل وانتشار واقعية. كما يجب توحيد الرواتب والسجلات وشروط الخدمة والدعم والعتاد، وإنهاء الاعتماد العملي على الوحدات الأم. ويُستحسن نشر مصفوفة تنفيذ رسمية – مع مراعاة الاعتبارات الأمنية – تبين من جرى التحقق منه وتدريبه وتخريجه ونشره وتسريحه، حتى يمكن قياس التقدم بعيداً عن التقديرات السياسية العامة.

3- مواءمة نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج مع الهيكل النهائي للقوات: لا ينبغي تشغيل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بمعزل عن قرار واضح بشأن الحجم والمهام النهائية للمؤسسات النظامية. ويجب أن تحدد SDSR ما تحتاجه الدولة فعلياً من قوات، ثم تُستخدم معايير شفافة لتحديد من سيستمر ومن سيُسرّح. وينبغي أن تشمل إعادة الإدماج دعماً انتقالياً ومهارات وسبل عيش وقبولاً مجتمعياً وضبطاً للسلاح، بحيث تقل الحوافز للعودة إلى القتال. التمويل ضروري، لكنه يجب أن يتبع خطة تحقق واضحة لا أن يحل محل القرار السياسي بشأن هيكل القوة.

4- تعميق الرقابة المدنية وحوكمة الدفاع: ينبغي توسيع السيطرة المدنية من القيادة الرئاسية إلى منظومة حوكمة. ويتطلب ذلك تقوية وزارة الدفاع وشؤون قدامى المحاربين في التخطيط والسياسة والميزانية والمشتريات وإدارة الموارد البشرية، وتفعيل رقابة المجلس التشريعي بصورة دورية على السياسة الدفاعية والإنفاق. كما يجب ربط الموازنة بسجلات أفراد ورواتب قابلة للتدقيق حتى تعرف الدولة من يخدم وأين ينتشر ومن المسؤول عن دعمه. وبهذا تصبح الرقابة المدنية أكثر كفاءة ومساءلة من دون تدخل في التفاصيل التكتيكية.

5- ترسيخ حماية المدنيين وتعزيز الشرعية العامة ضمن مسؤوليات القيادة: ينبغي إدخال حماية المدنيين ضمن تقييم أداء القادة، بحيث لا يقتصر النجاح على النتيجة التكتيكية، بل يشمل الانضباط، والخسائر المدنية، واحترام قواعد استخدام القوة، والاستجابة للانتهاكات، وحماية وصول المساعدات. ويجب أن تتحول تدريبات حقوق الإنسان والقانون الإنساني إلى جزء ثابت من التعليم العسكري والتحضير للانتشار، وأن تخضع الادعاءات الخطيرة لتحقيق سريع وموثوق. كما ينبغي تطوير قنوات اتصال وشكاوى مجتمعية تساعد القيادة على الحصول على الإنذار المبكر وتعزيز الثقة دون تحويل الجيش إلى طرف في المساومات المحلية.

6- ترتيب أولويات الإصلاح وتسلسل تنفيذها: لأن عناصر الإصلاح تعتمد بعضها على بعض، فإن ترتيب الخطوات لا يقل أهمية عن مضمونها. البداية يجب أن تكون باستعادة القيادة المشتركة وتثبيت القوات الموجودة، ثم استكمال التوحيد ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وبعد ذلك ترسيخ نظم الرقابة والاحتراف طويلة المدى. ويعرض الجدول 5.2 ترتيباً مقترحاً.

يبدأ التسلسل عمداً بالمؤسسات والاستدامة، لا بدورة تدريب جديدة. ففتح مرحلة تدريب واسعة بينما الآليات المشتركة متوقفة والقوات الموجودة لا تتلقى دعماً مستقراً سيعيد إنتاج أخطاء المرحلة الأولى. كما أن إطلاق نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج من دون حسم هيكل القوة سيخلق نزاعاً حول من يستحق التسريح ومن يستمر. لذلك يتحرك المسار من استعادة القيادة والثقة، إلى تثبيت القوة الموحدة، ثم خفض فائض المقاتلين، وأخيراً ترسيخ الحوكمة والاحتراف على المدى الطويل.

7- إطار مقترح لإصلاح العلاقات المدنية–العسكرية وتعزيز الأمن: تقترح الدراسة إطاراً من خمس طبقات لتحويل الالتزامات القائمة في الدستور وR-ARCSS إلى مؤسسات مستدامة. وهو إطار لإدارة الإصلاح وليس اتفاق سلام بديلاً.

الشكل 5.1: الإطار المقترح لإصلاح العلاقات المدنية–العسكرية وتعزيز الأمن في جنوب السودان

ملاحظة: إطار من إعداد الباحث، يجمع بين السيطرة المدنية والاحتراف والتوافق ومدخل التحول العسكري في مرحلة ما بعد النزاع.

يبدأ الإطار بالسيطرة السياسية–المؤسسية لأن الدولة يجب أن تحدد أولاً من يملك سلطة توجيه القوة وما حدود استخدامها. ثم تأتي المؤسسة العسكرية المهنية لتحويل الغايات السياسية إلى قدرة عملياتية قانونية. وبعد ذلك يأتي اندماج القوات حتى تصبح القدرة وطنية لا فصائلية، ثم تُختبر المؤسسة في علاقتها بالمجتمع وحماية المدنيين. والنتيجة المقصودة ليست «سيطرة مدنية» منعزلة عن الفعالية، ولا «جيشاً قوياً» منفصلاً عن القانون، بل منظومة تتعاضد فيها الشرعية والقدرة والتماسك والثقة العامة.

ويحمي هذا الإطار من أربعة أخطاء شائعة في قراءة الإصلاح: مساواة السيطرة الرئاسية بالسيطرة المؤسسية؛ مساواة التدريب بالاحتراف؛ مساواة التخريج بالاندماج؛ ومساواة غياب الانقلاب بصحة العلاقات المدنية–العسكرية. فجنوب السودان يحتاج إلى تحسن متزامن في السلطة والقدرة والتماسك والشرعية، ويجب أن يُقاس التقدم في كل بعد بمدى تعزيزه للأبعاد الأخرى.

8- مجالات مقترحة لدراسات لاحقة: يمكن أن تتناول الدراسات اللاحقة الرقابة المدنية على أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي؛ وعلاقة نظام الرواتب والميزانية بالجاهزية؛ وتطور الهوية المهنية لدى أفراد NUF الذين ظلوا في الانتشار؛ وعلاقة الجيش بالمجتمعات المحلية والإنذار المبكر؛ ونتائج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عند توافر بيانات تنفيذ موثوقة. كما ستكون الدراسات الميدانية مفيدة لفهم كيفية نظر الجنود والسلطات المدنية والمواطنين إلى الحياد والقيادة والهوية العسكرية الوطنية في المستويات المحلية.

يمكنكم تحميل النسخة الإلكترونية PDF (اضغط هنا)

قائمة المراجع والمصادر:

1) أديبا، ب. (2019). ما بعد تحوّل القوة: مأزق بناء قوات دفاعية وطنية حقيقية في جنوب السودان. مجلة المعهد الملكي للخدمات المتحدة، 163(6)، 56–65.

2) الاتحاد الأفريقي. (2023). تقرير بعثة مجلس السلم والأمن إلى جمهورية جنوب السودان، 22–25 فبراير 2023.

3) الأمم المتحدة. (2023). تقرير الأمين العام بشأن جنوب السودان، الوثيقة S/2023/135.

4) الأمم المتحدة. (2024). تقرير الأمين العام بشأن جنوب السودان، الوثيقة S/2024/188.

5) الجيش الشعبي لتحرير السودان وقوات دفاع جنوب السودان. (2006، 8 يناير). إعلان جوبا للوحدة والاندماج.

6) الدستور الانتقالي لجمهورية جنوب السودان. (2011، بصيغته المعدلة).

7) الزاوي، ر.، ولونيس، ف. (2020). فهم مسار العلاقات المدنية–العسكرية من خلال مدخل نظرية التوافق. مجلة الناقد للدراسات السياسية، 4(1)، 122–134.

8) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2019). قرارات وتقارير بشأن مواقع التجميع ومراكز التدريب في إطار الترتيبات الأمنية لما قبل الفترة الانتقالية.

9) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2020). بيانات وتقارير بشأن التجميع والتدريب وتوحيد القوات الموحّدة اللازمة.

10) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2022أ، 30 أغسطس). تخريج القوات الموحّدة محطة مهمة في تنفيذ الاتفاق المُنشَّط.

11) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2022ب، 30 نوفمبر). ملاحظات بشأن حالة تنفيذ الاتفاق المُنشَّط مقدمة إلى هيئات الإيغاد والاتحاد الأفريقي.

12) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2024). التقرير الفصلي الثاني بشأن حالة تنفيذ الاتفاق المُنشَّط، 1 أبريل–30 يونيو 2024.

13) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2026أ). التقرير الفصلي الأول بشأن حالة تنفيذ الاتفاق المُنشَّط، 1 يناير–31 مارس 2026، والإحاطة المقدمة إلى الهيئة التشريعية الوطنية الانتقالية المُعاد تشكيلها في 20 مايو 2026.

14) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2026ب، 22 أبريل). بيان بشأن التقرير الفصلي: الدعوة إلى الوقف العاجل للأعمال العدائية والحوار الشامل في جنوب السودان.

15) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2026ج، 6 يوليو). اللجنة تعرب عن بالغ القلق إزاء تجدد القتال في ولاية جونقلي وتدعو إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية.

16) اللجنة المعاد تشكيلها لمتابعة وتقييم الاتفاق. (2026د، 2 يوليو). جلسة إحاطة خاصة بشأن حالة تنفيذ الاتفاق المُنشَّط.

17) الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيغاد). (2015). اتفاق تسوية النزاع في جمهورية جنوب السودان.

18) الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (الإيغاد). (2018). الاتفاق المُنشَّط بشأن تسوية النزاع في جمهورية جنوب السودان.

19) باراني، زولتان (2012). الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين. مطبعة جامعة برنستون.

20) باراني، زولتان (2018). الجندي والدولة المتغيرة: بناء جيوش ديمقراطية في أفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركتين (ترجمة ناصر الخشان). المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (الأصل 2012).

21) برونو، ت. س.، وماتي، ف. س. (2008). نحو تصور جديد للتحول الديمقراطي والعلاقات المدنية–العسكرية. مجلة التحول الديمقراطي، 15(5)، 909–929.

22) بريتنغ، ك.، وبايس، و.-ك.، وفان دي فوندرفورت، ل. (2016). في حاجة إلى إعادة تفكير نقدية: إصلاح القطاع الأمني في جنوب السودان. ورقة عمل رقم 6/2016، مركز بون الدولي لتحويل النزاعات.

23) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2014). النزاع في جنوب السودان: تقرير حقوقي.

24) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2020). توعية كبار قادة قوات دفاع شعب جنوب السودان بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.

25) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2022، 30 أغسطس). البعثة ترحّب بتخريج الدفعة الأولى من القوات الموحّدة اللازمة في جنوب السودان.

26) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2024، 25 يناير). بناء قدرات أفراد قوات دفاع شعب جنوب السودان في مجال حماية الطفل.

27) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2026أ، 23 يناير). ملاحظات القائم بالأعمال أمام مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي.

28) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2026ب، 30 يونيو). الإحاطة الفصلية بشأن العنف الواقع على المدنيين: يناير–مارس 2026.

29) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2026ج، 7 أبريل). «يجب أن نعامل المجتمع المدني كأنه أسرة»: جندي من جنوب السودان يدافع عن حماية المدنيين.

30) بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان. (2026د، 20 مايو). حماية المدنيين: ولاية البعثة ونهجها.

31) بيل، د. ب. أ. (2026). التدخلات الخارجية وبناء القدرة المحلية في إصلاح قطاع الأمن في جنوب السودان. مجلة شرق أفريقيا للفنون والعلوم الاجتماعية، 9(1)، 767–783.

31) جانوفيتز، م. (1960). الجندي المحترف: صورة اجتماعية وسياسية. فري برس.

32) جمهورية جنوب السودان. (2022). اتفاق خارطة الطريق لنهاية سلمية وديمقراطية للفترة الانتقالية في إطار الاتفاق المُنشَّط.

33) حكومة السودان والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان. (2005). اتفاقية السلام الشامل.

34) داقوت، م. (2022). فهم الكولوسوس: الهيمنة العسكرية وحقوق الاستحقاق في جنوب السودان. مجلة علم الاجتماع السياسي والعسكري، 47(2).

35) دي وال، أ. (2014). عندما تُصبح الكليبتوقراطية أداة للحكم: شبكات الأمن في جنوب السودان. الشؤون الأفريقية، 113(452)، 347–369.

36) دي وال، أ.، وبوسويل، أ. (2020). جنوب السودان: أزمة داخل أزمة. برنامج أفريقيا، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

37) ديتزنر، س. (2019). إصلاح القطاع الأمني في جنوب السودان: احتضان التقدم. وحدة الاستقرار التابعة لحكومة المملكة المتحدة.

38) راندز، ر. (2010). في حاجة إلى مراجعة: تحوّل الجيش الشعبي لتحرير السودان خلال 2006–2010 وما بعدها. مشروع مسح الأسلحة الصغيرة.

39) رويترز. (2024، 10 ديسمبر). رئيس جنوب السودان يعفي قائدي الجيش والشرطة ومحافظ البنك المركزي.

40) رويترز. (2025أ، 8 يوليو). رئيس جنوب السودان يعفي رئيس هيئة أركان الجيش بعد سبعة أشهر من تعيينه.

41) رويترز. (2025ب، 9 أكتوبر). رئيس جنوب السودان يعفي قائد الجيش بعد ثلاثة أشهر ويعيد سلفه إلى المنصب.

42) رويترز. (2026، 7 مايو). الرئيس سلفا كير يعفي رئيس هيئة أركان الجيش ووزير المالية في أحدث تعديل.

43) سنودن، ج. أ. (2012). عمل جارٍ: تطوير القوات الأمنية في جنوب السودان حتى فبراير 2012. مشروع مسح الأسلحة الصغيرة.

44) شيف، ر. ل. (2009). العسكر والسياسة الداخلية: نظرية التوافق في العلاقات المدنية–العسكرية. روتليدج.

45) صندوق النقد الدولي. (2024). جنوب السودان: تعزيز تنفيذ الموازنة. تقرير مساعدة فنية رفيع المستوى رقم 2024/003.

46) عصام عبد الشافي، (د.ت.-أ). إدارة العلاقات المدنية–العسكرية [مادة دراسية]، الأكاديمية الدولية للعلوم الأمنية، دبلوم الدراسات الأمنية المتقدمة، 2026.

47) علي، ن. م. (2020). النوع الاجتماعي ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. ضمن: صناعة السلام وتقويضه في السودان وجنوب السودان: الاتفاقيات الشاملة وتداعياتها.

48) فاينر، س. إ. (1962). الرجل على صهوة الجواد: دور المؤسسة العسكرية في السياسة. بال مول برس.

49) فيفر، ب. د. (2003). خَدَمٌ مسلّحون: الوكالة والرقابة والعلاقات المدنية–العسكرية. مطبعة جامعة هارفارد.

50) فينتون، و.، ولوفنا، س. (2013). تحديات حماية المدنيين في جنوب السودان. معهد التنمية الخارجية.

51) قانون الجيش الشعبي لتحرير السودان لسنة 2009. قوانين جنوب السودان.

52) كندرسلي، ن.، ورولاندسن، أ. هـ. (2019). من هم المدنيون؟ الثنائيات المحلية والعملية الاجتماعية لحماية المدنيين في جنوب السودان. الحوار الأمني، 50(5)، 383–397.

53) لوبرون، إ. (محرر). (2017). الشرطة في جنوب السودان: تحديات التحول والأولويات. موجز تقييم خط الأساس للأمن البشري رقم 26، مشروع مسح الأسلحة الصغيرة.

54) ماضي، عبد الفتاح. (2021). الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية–العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

56) مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. (2026أ). القرار 2820 (2026): ولاية بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان.

57) مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. (2026ب). القرار 2821 (2026)، الوثيقة S/RES/2821، 29 مايو 2026.

58) مسعودي، س. (2022). إشكالية بناء الدولة في جنوب السودان في ظل الصراعات الداخلية خلال المدة 2005–2019 [أطروحة دكتوراه]. جامعة الجزائر 3.

59) مسعودي، س.، ومسلم، م. (2022). أثر الصراع السياسي في عملية بناء الدولة في جنوب السودان. مجلة القانون والمجتمع، 10(1)، 274–297.

60) منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). (2026). العمل الإنساني من أجل الأطفال: نداء جنوب السودان 2026.

61) منظمة العفو الدولية. (2024، 11 يوليو). جنوب السودان: ينبغي للرئيس إعادة مشروع قانون جهاز الأمن الوطني إلى البرلمان للمراجعة.

62) هنتنغتون، س. ب. (1957). الجندي والدولة: نظرية وسياسة العلاقات المدنية–العسكرية. مطبعة جامعة هارفارد.

63) وارنر، ل. أ. (2016). تفكك عملية الدمج العسكري في جنوب السودان (2006–2013). مجلة الاستقرار: المجلة الدولية للأمن والتنمية، 5(1)، 12.

64) يونغ، ج. (2006). قوات دفاع جنوب السودان في أعقاب إعلان جوبا. مشروع مسح الأسلحة الصغيرة.

Admin

القرن الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات: مؤسسة بحثية مستقلة، تأسست عام 2020 تقوم على إعداد البحوث والدراسات والتقديرات وأوراق السياسات، وتنظيم الفعاليات العلمية والأكاديمية وتقديم الاستشارات حول التفاعلات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية في منطقة القرن الأفريقي، وما يرتبط بها من تفاعلات إقليمية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى