السودان بعد الحرب: هل يستطيع إعادة تعريف نفسه؟
نبيل خالد مخلف (باحث دكتوراه في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، العراق)
مع بداية الحرب في السودان في إبريل/ نيسان 2023، كان السؤال المهم: متى تنتهي الحرب؟ لكن الآن أصبح السؤال الأهم، ماذا سيفعل السودان بعد أن تنتهي؟
الإجابة على هذا التساؤل لا تقف عند حدود التسمية اللغوية أو الحالة السياسية، فالدول التي تمر بالحروب لا تخرج منها بالضرورة بالشكل الذي دخلت به، فبعضها يستعيد الدولة القديمة، وبعضها يعيد بناء الدولة على أسس جديدة، وبعضها يتحول إلى مساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، والسودان يقف اليوم أمام هذه الخيارات كلها في وقت واحد.
والحرب منذ عام 2023، كشفت بشكل واضح أن السودان يمتلك عناصر القوة (أرضي زراعية، موارد معدنية، ثروات حيوانية، موقع استثنائي على البحر الأحمر، وامتداد جغرافي يصل العالم العربي بالقرن الأفريقي ووسط أفريقيا)، ومع ذلك ظل السودان لسنوات يتعامل مع هذه العناصر باعتبارها موارد متفرقة، لا باعتبارها مكونات لمشروع قوة وطنية والحقيقة هذا الاعتبار ساهم في فشل مشروع التحول إلى قوة إقليمية، وهو ما يعني أن السبب ليس بغياب الموارد بل في فشل العملية السياسية لتحويل هذه الموارد إلى أدوات قوة.
ومن هنا تبدأ فكرة إعادة تعريف السودان، من دولة تبحث عن الاستقرار إلى دولة تصنع موقعها، فلفترة طويلة، تعامل السودان مع موقعه الجغرافي بوصفه عبئاً لا بوصفه فرصة، فهو محاط بمناطق اضطراب، ويتوسط بيئات إقليمية شديدة الحساسية، ويرتبط في الوقت نفسه بمصر والقرن الأفريقي والساحل والبحر الأحمر والعالم العربي.
لكن الجغرافيا نفسها يمكن أن تكون مصدر ضعف أو مصدر قوة؛ فالسودان ليس مجرد دولة أفريقية مطلة على البحر الأحمر؛ إنه إحدى حلقات الوصل بين النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي ووسط أفريقيا، وهذه المعادلة تمنحه قيمة جيوسياسية لا تستطيع كثير من الدول امتلاكها.
وفي ظل تصاعد أهمية البحر الأحمر بالنسبة للتجارة والطاقة والأمن البحري، تصبح قيمة الساحل السوداني أكبر من مجرد امتلاك منفذ بحري، وقد أصبح أمن البحر الأحمر جزءاً من ترتيبات أمنية إقليمية ودولية متزايدة، حتى إن السودان أعلن دعمه في 2026 لمبادرة متعددة الأطراف لتعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لكن المشكلة أن الموقع الاستراتيجي وحده لا يصنع قوة .. القوة تبدأ عندما تستطيع الدولة تحويل موقعها إلى نفوذ.
والسودان لا يحتاج إلى حلفاء أكثر بقدر حاجته إلى استراتيجية موزونة، فإن أحد أكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها السودان بعد الحرب هو أن يعيد إنتاج سياسته الخارجية القائمة على البحث عن داعم خارجي لكل أزمة داخلية. وهذا مؤشر كان فيه السودان خلال الحرب جزءاً من شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية، وأصبح الصراع نفسه متشابكاً مع شبكات السلاح والتمويل والتجارة والموارد.
ولهذا فإن إعادة تعريف السودان تتطلب الانتقال من سياسة المحاور إلى سياسة المصالح، إذ ليس المطلوب أن يختار السودان بين هذا الطرف أو ذاك، وإنما أن يجعل الجميع بحاجة إلى استقراره. وهنا يمكن للسودان أن يعيد بناء علاقاته مع مصر وإثيوبيا ودول الخليج وتركيا وأفريقيا والقوى الدولية على أساس جديد: السودان ليس ساحة للتنافس، بل دولة تملك أوراقاً في التنافس.
وهذا فرق جوهري؛ فالمعركة الحقيقية ستكون بعد الحرب، قد يكون من السهل نسبياً تحديد المدن التي تحتاج إلى إعادة إعمار، لكن الأصعب هو إعادة بناء الدولة نفسها، فالسودان لن يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه؛ بل سيحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وبين المركز والأقاليم، وبين المؤسسة العسكرية والسياسة، وبين الموارد والسلطة.
ولهذا فإن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يمثل نهاية الأزمة .. بل إنه بداية المعركة الأصعب، فإعادة بناء السودان اقتصادياً ستحتاج إلى موارد هائلة، خصوصاً بعدما أضرت الحرب بالإيرادات والإنتاج والبنية التحتية، لكن إعادة الإعمار يجب ألا تعني إعادة إنتاج الاقتصاد القديم. وهنا السؤال ينبغي أن يكون: كيف يحول السودان إعادة الإعمار إلى إعادة تأسيس اقتصادي؟
بدلاً من اقتصاد يعتمد على استخراج الذهب وتصدير المواد الأولية، يمكن بناء منظومة تربط الزراعة بالتصنيع والغذاء بالتصدير والموانئ بالإنتاج والأسواق الأفريقية بالعالم العربي، هنا فقط يمكن أن تتحول الأرض السودانية من مورد إلى قوة جيواقتصادية، بحيث تكون المعادلة (الذهب والزراعة والبحر الأحمر)؛ ثلاثية القوة السودانية.
لذلك نقول إذا أراد السودان إعادة تعريف نفسه، فعليه أن يتعامل مع موارده باعتبارها أدوات استراتيجية لا مجرد مصادر إيرادات، فالذهب يمكن أن يصبح جزءاً من نظام مالي واقتصادي رسمي، لا مصدراً لاقتصاد الظل.والزراعة يمكن أن تتحول من قطاع تقليدي إلى قاعدة للأمن الغذائي السوداني والإقليمي.أما البحر الأحمر فيمكن أن يصبح بوابة السودان إلى التجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية.لكن ذلك يتطلب شرطاً أساسياً: أن تكون الدولة أقوى من شبكات المصالح التي تستثمر في مواردها، وهذه ربما إحدى أعقد معارك السودان المقبلة.
قد تبدو هذه الفكرة متناقضة، كيف يمكن لحرب مدمرة أن تكون فرصة؟ لكن الفرصة ليست في الحرب نفسها، وإنما في أنها كسرت كثيراً من التوازنات القديمة وكشفت نقاط ضعف الدولة بصورة لا يمكن تجاهلها، وبعد الحرب لن يكون من السهل إقناع السودانيين بأن العودة إلى النموذج السابق كافية.
وهنا يمكن أن يولد سؤال أكبر: هل يريد السودان استعادة دولته القديمة، أم بناء دولة مختلفة؟ الدولة المختلفة ليست بالضرورة دولة أكبر عسكرياً، وإنما دولة أكثر قدرة على إدارة مواردها، وأكثر استقلالاً في قرارها، وأكثر توازناً في علاقاتها، وأكثر اندماجاً في محيطها الأفريقي والعربي.
بالتالي نعود للسؤال الأول؛ هل يستطيع السودان إعادة تعريف نفسه؟ نعم، لكن بشرط ألا يختزل إعادة تعريفه في تغيير الحكومة أو توقيع اتفاق سلام، إعادة تعريف السودان تعني الانتقال: من ساحة للصراع إلى دولة تدير التنافس حولها، ومن مصدر للمواد الخام إلى قوة زراعية ومعدنية وغذائية، ومن دولة تبحث عن الحماية الخارجية إلى دولة تمتلك أوراق تفاوض، ومن موقع جغرافي مهم إلى قوة جيوسياسية مؤثرة، ومن دولة مركزية هشة إلى دولة تستوعب أقاليمها وتنوعها.
والأهم من ذلك كله، أن يتوقف السودان عن النظر إلى نفسه باعتباره دولة محاصرة بجغرافيتها، وأن يبدأ بالنظر إلى الجغرافيا باعتبارها رأس مال استراتيجياً، فالسودان يمتلك ما يكفي لكي يكون أكثر من مجرد دولة تعبرها الأزمات: يمتلك الأرض، والمياه، والثروة، والموقع، والساحل، والامتداد الأفريقي والعربي، لكن امتلاك عناصر القوة شيء، وتحويلها إلى قوة فعلية شيء آخر.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي للمستقبل السوداني لن يكون: كيف ينتصر طرف سوداني على طرف سوداني؟ بل، كيف ينتصر السودان على النموذج الذي جعله يحتاج إلى الحرب كي يعيد اكتشاف نفسه؟




