أوراق و دراساتسياسية

السياسات الصينية تجاه حرب السودان 2023: حدود الحياد ومآلات الانخراط

د. ميسون أحمد عبد العزيز ميرغني

باحثة سودانية متخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية والأمن الإقليمي في أفريقيا والشرق الأوسط

ملخص:

تتناول هذه الدراسة السياسة الصينية تجاه الحرب في السودان منذ اندلاعها في أبريل 2023م، وتحلل طبيعة الموقف الذي تبنته بكين في سياق بيئة إقليمية مضطربة تحيط بالبحر الأحمر والقرن الافريقي. وتنطلق من فرضية مفادها أن توسع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الصينية في المنطقة يفرض قيودًا عملية على مفهوم الحياد التقليدي، ويدفع الصين إلى تبنى نمط من الانخراط الحذر الذي يوازن بين مبدأ عدم التدخل ومتطلبات حماية المصالح.

تعرض الورقة التطور المفاهيمى لمبدأ عدم التدخل في السياسة الخارجية الصينية، وتناقش كيفية تأثره تنامى الاستثمارات الصينية وانتشار المواطنين والشركات الصينية في الخارج. كما تحلل شبكة المصالح الصينية في السودان، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، وترابطها مع أهمية البحر الأحمر كممر استراتيجي للتجارة وسلاسل الامداد العالمية.

وتستعرض الدراسة السلوك الدبلوماسي الصيني خلال الأزمة، مبينة انه اتسم بالدعوة إلى وقف إطلاق النار، ودعم الحلول السياسية عبر الأطر الإقليمية والدولية، دون الانخراط في وساطة مستقلة أو مبادرة منفردة. كما تناقش ثلاثة سيناريوهات محتملة للدور الصيني في المرحلة المقبلة: استمرار الحياد الحذر، تصاعد الانخراط الدبلوماسي لحماية المصالح، أو التركيز على مرحلة ما بعد النزاع وإعادة الاعمار.

وتخلص الدراسة إلى أن الموقف الصيني يعكس سعيًا لتحقيق توازن بين الالتزام الخطابي بعدم التدخل ومتطلبات الواقعية الاستراتيجية، وأن مستقبل هذا الدور سيظل مرتبطًا بتطورات الصراع الداخلي واستقرار البيئة الإقليمية الأوسع.

مقدمة:

أدت الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023م إلى إحداث تحولات كبيرة في البيئة السياسية والأمنية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في محيط البحر الأحمر والقرن الافريقي، وهي منطقة ترتبط بشكل مباشر بمعادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. ولم تعد آثار الصراع محصورة داخل السودان، بل امتدت لتؤثر على حركة التجارة الإقليمية، وأمن الممرات البحرية، وكذلك على توازنات النفوذ بين القوى الدولية في منطقة تتزايد أهميتها في ظل التنافس العالمي الراهن.

وفي هذا السياق، برزت الصين بوصفها طرفًا دوليًا يجد نفسه أمام اختبار حقيقي لنهجة القائم تقليديًا على عدم التدخل في النزاعات الداخلية للدول، خاصة في ظل توسع مصالحها الاقتصادية والاستثمارية في السودان ومحيطة. كما يرتبط جزء مهم من مصالحها باستقرار منطقة البحر الأحمر، التي تمثل ممرًا رئيسيًا للتجارة والطاقة المتجهة نحو الأسواق الآسيوية. لذلك لم تعد الأزمة السودانية بعيدة عن الحسابات الصينية، بل أصبحت جزءًا من صورة أوسع تتعلق بحماية مصالحها في منطقة تمتد من القرن الافريقي للشرق الأوسط.

وتنطلق هذه الدراسة من رؤية مفادها أن الموقف الصيني من الحرب في السودان يعكس محاولة لتحقيق توازن بين التمسك بخطاب الحياد والدعوة إلى الحلول السياسية من جهة، وبين الحرص على حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية من جهة أخرى. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة بكين على الاستمرار في سياسة الحياد في منطقة تزداد أوضاعها تعقيدًا وعدم استقرار؟.

ومن هنا تسعي الورقة إلى تحليل العوامل التي تحكم السياسة الصينية تجاه الحرب في السودان، وبيان طبيعة تحركاتها الدبلوماسية خلال الأزمة، إضافة إلى توضيح ارتباط هذا الموقف باستراتيجيتها الأوسع في منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط، مع محاولة استشراف الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين مستقبلًا في ضوء تطورات الصراع وتوازنات القوى الإقليمية والدولية.

وفهم كيفية تعامل السياسة الخارجية الصينية مع الأزمات في المناطق التي تتقاطع فيها مصالحها الاقتصادية مع اعتبارات الأمن الإقليمي والتنافس الدولي، وهو ما يجعل الحالة السودانية نموذجًا مهمًا لاختبار حدود الحياد الصيني وإمكانية تحوله في ظل الأوضاع الإقليمية المتغيرة.

مشكلة البحث وأهدافه:

رغم التوسع الواضح في الحضور الاقتصادي والدبلوماسي الصيني في منطقة القرن الافريقي والشرق الأوسط خلال السنوات الماضية، ما تزال بكين تؤكد تمسكها بسياسة عدم التدخل في النزاعات الداخلية للدول، وتحرص على تقديم نفسها كشريك اقتصادي يتجنب الانحياز في الصراعات السياسية والعسكرية. غير أن الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023م وضعت هذا النهج أمام اختبار عملي، في ظل ما يترتب على استمرار الصراع من مخاطر مباشرة على المصالح الصينية في السودان والمنطقة.

ومن هنا تنطلق مشكلة البحث من تساؤل رئيسي يتمثل في: إلى أي مدى تستطيع الصين الاستمرار في تبنى سياسة الحياد تجاه الحرب في السودان في ظل تزايد مصالحها الاستراتيجية في المنطقة؟ وهل يعكس السلوك الصيني استمرارًا لنهج عدم التدخل، أم أنه يشير إلى تحول تدريجي نحو دور سياسي ودبلوماسي أكثر نشاطًا بهدف حماية مصالحها الخارجية؟

ويتفرغ من هذا التساؤل عدد من الأسئلة الأخرى، من بينها: ما هي العوامل التي تؤثر في الموقف الصيني من النزاع في السودان؟ وكيف يؤثر موقع السودان في منطقة البحر الأحمر علي الحسابات الصينية الأوسع في الشرق الأوسط؟ وهل يمكن أن تؤدى تطورات الصراع إلى دفع الصين للعب دور سيأسى أكبر في ترتيبات ما بعد الحرب؟

تنطلق هذه الدراسة من افتراض أساسي مفاده أن اتساع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الصينية في منطقة البحر الأحمر والقرن الافريقي يجعل من الصعب على بكين التمسك بحياد كامل تجاه النزاع في السودان، ويدفعها إلى تبنى نمط من الحياد المرن الذي يسمح لها بحماية مصالحها دون الانخراط المباشر في الصراع. كما تفترض الدراسة أن استمرار الحرب وتعقد تداعياتها الإقليمية قد يدفع الصين مستقبلًا إلى لعب دور دبلوماسي أكثر نشاطًا في ترتيبات ما بعد النزاع، خاصة إذا أصبحت مصالحها الاقتصادية أو أمن مواطنيها في المنطقة عرضة لمخاطر متزايدة.

وتسعى هذه الدراسة إلى تحقيق عدة أهداف، في مقدمتها تحليل طبيعة الموقف الصيني من الحرب في السودان، وبيان مدى انسجامه من المبادئ المعلنة للسياسة الخارجية الصينية، إضافة إلى توضيح ارتباط هذا الموقف باستراتيجية الصين المتنامية في منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط. كما تحاول الدراسة استشراف المسارات المحتملة للدور الصيني في السودان خلال المرحلة المقبلة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار على توازنات المنطقة.

المطلب الأول: مبادئ السياسة الخارجية الصينية وحدود الحياد

شكل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الصينية منذ خمسينات القرن الماضي)[1](، إذ سعت بكين منذ ذلك الوقت إلى تقديم نفسها كقوة تحترم سيادة الدول ولا تدخل في خياراتها السياسية الداخلية، في تميز واضح عن سياسات القوى الاستعمارية التقليدية) [2](. وقد ساعد هذا التوجه الصين خاصة في دول آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية على بناء علاقات تعاون تقوم أساسًا على المصالح الاقتصادية والتنموية دون ربطها بشروط سياسية مباشرة([3](.

غير أن الظروف الدولية التي نشأت فيها هذه المبادئ تختلف كثيرًا عن واقع اليوم. ففي تلك المرحلة، لم تكن للصين استثمارات كبيرة خارج حدودها، ولم يكن عدد مواطنيها العاملين في الخارج كبيرًا، كما أن اقتصادها لم يكن مرتبطًا بهذا الشكل الواسع باستقرار مناطق بعيدة جغرافيًا عنها. أما في الوقت الراهن، فقد أصبحت المصالح الاقتصادية الصينية منتشرة في قارات متعددة، وأصبحت طرق التجارة وسلاسل الإمداد الصينية تعتمد بشكل واضح على استقرار مناطق مثل الشرق الأوسط والقرن الافريقي([4](.

كما أن توسع مشاريع البنية التحتية والاستثمار ضمن مبادرة الحزام والطريق جعل استقرار هذه المناطق عاملًا مؤثرًا مباشرة في مصالح الصين الاقتصادية([5](.

هذا التحول وضع السياسة الصينية أمام معادلة معقدة، فهي من جهة تواصل التأكيد على التزامها بعدم التدخل والدعوة إلى الحلول السياسية للنزاعات([6](، لكنها من جهة أخرى تجد نفسها مضطرة للتفاعل مع الأزمات عندما تهدد مصالحا أو سلامة مواطنيها في الخارج([7](. وقد ظهر ذلك في عدة أزمات إقليمية، حيث فضلت بكين استخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية هادئة، مثل تشجيع الحوار أو دعم الجهود الإقليمية للتسوية، دون الانخراط في تدخلات عسكرية أو الاصطفاف مع طرف ضد آخر([8](.

وفي هذا السياق يمكن ملاحظة ظهور نمط من السلوك يمكن وصفه بالحياد العملي أو الانخراط الحذر([9](، حيث تحاول الصين الحفاظ على صورتها كشريك يتجنب الاصطفاف، وفي الوقت نفسه تعمل علي منع الأزمات من التأثير سلبًا على مصالحها الاستراتيجية. ويتجلى ذلك في حرصها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، وتجنب اتخاذ مواقف حادة قد تُفسر كاصطفاف سياسي.

وتزداد حساسية هذا التوازن في مناطق مثل البحر الأحمر والشرق الأوسط، حيث تتشابك النزاعات المحلية مع تنافس القوى الكبرى([10](، وتصبح أي خطوة خارج إطار الحياد محل تفسير سياسي واسع. لذلك تبدو التحركات الصينية في أزمات المنطقة حذرة في العادة. بما في ذلك تعاملا مع الأزمة السودانية، حيث تسعي بكين إلى حماية مصالحها دون أن تظهر كطرف منخرط في النزاع([11](.

ومن هنا، فإن هذا الإطار النظري يعد خطوة أساسية لقراءة الموقف الصيني من الحرب في السودان، لأن سلوك الصين لا يمكن فصلة عن التحولات التي طرأت على دورها الدولي ولا عن التحديات التي تواجه سياستها التقليدية مع توسع مصالحها في مناطق تعاني من عدم الاستقرار.

المطلب الثاني: المصالح الصينية في السودان ومعادلة البحر الأحمر

لا يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب في السودان دون النظر إلى شبكة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي بنتها بكين في السودان ومحيطه خلال العقود الماضية، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أصبح السودان أحد أبرز مواقع الحضور الصيني في افريقيا، خاصة في قطاع النفط، حيث شاركت شركات صينية في تطوير الحقول النفطية وبناء خطوط الأنابيب ومصافي التكرير والبنية التحتية المرتبطة بقطاع الطاقة([12](.

ورغم أن أهمية النفط السوداني في الحسابات الصينية تراجعت بعد انفصال جنوب السودان عام 2011م وتغير خريطة الإنتاج، فإن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تتوقف، بل تحولت إلى مجالات أخري مثل مشروعات البنية التحتية، التعدين والاتصالات، إضافة إلى مشروعات النقل والطاقة. كما ظل السودان يمثل سوقًا وموقعًا مهمًا للشركات الصينية العاملة في شرق افريقيا، فضلًا عن ارتباطه بمسارات التجارة البحرية التي تسعي الصين إلى تأمينها ضمن مشروعاتها الهادفة إلى تعزيز الربط التجاري مع مختلف مناطق العالم([13](.

وتتجاوز أهمية السودان حدوده الوطنية، إذ يرتبط موقعه مباشرة بأمن منطقة البحر الأحمر، التي تعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية. وتشكل طريقًا رئيسيًا لوصول السلع والطاقة المتجهة نحو آسيا. لذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في الدول المطلة على هذا الممر، أو في محيطها القريب ينعكس بصورة غير مباشرة على حركة التجارة وسلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني) [14](.

كما أن تصاعد التوترات في عدد من دول القرن الافريقي والشرق الأوسط جعل من البحر الأحمر منطقة تشهد تنافسًا متزايدًا بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى حماية مصالحها وتأمين طرق التجارة أو تعزيز حضورها السياسي والعسكري. وفي هذا السياق، تحرص الصين على تجنب الدخول في صراعات النفوذ بشكل مباشر، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل تأثير هذه التوترات على مصالحها الاقتصادية المتنامية([15](.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر بات مهمًا في حسابات بكين، وهو أمن المواطنين الصينيين العاملين في الخارج، فقد اضطرت الصين في أزمات سابقة إلى عمليات إجلاء لرعاياها من مناطق النزاعات، وتكرر الأمر مع اندلاع الحرب في السودان. ومع توسع انتشار الشركات والعمالة الصينية في مناطق تعاني من هشاشة أمنية، أصبح هذا الملف يحظى باهتمام أكبر في صياغة المواقف الخارجية الصينية([16](.

ومن ثم، فإن استمرار الحرب في السودان لا يُنظر إليه في بكين كأزمة محلية بعيدة، بل كعامل يمكن أن يؤثر على استقرار منطقة أوسع ترتبط بالتجارة والطاقة وأمن الملاحة البحرية. وهذا ما يفسر حرص الصين على الدعوة إلى وقف إطلاق النار والحل السياسي، مع تجنب الانخراط المباشر في النزاع، حفاظًا على توازن يحمى استثماراتها دون الظهور كطرف منحاز في الصراع([17](.

المطلب الثالث: الموقف الصيني والسلوك الدبلوماسي تجاه الحرب في السودان

منذ اندلاع المواجهات المسلحة في السودان في أبريل 2023م، اتسم الموقف الصيني بالحذر والسعي إلى تجنب الانحياز لأي من أطراف الحرب، مع تركيز تصريحاتها الرسمية على الدعوة إلى وقف القتال والعودة إلى مسار سياسى يضمن استقرار البلاد، وقد جاء هذا الموقف منسجمًا مع النهج الذي تتبعه بكين عادة في التعامل مع النزاعات الداخلية، حيث تؤكد دائمًا على احترام سيادة الدول ورفض التدخل الخارجي في شؤونها([18](.

وفي مداولات مجلس الأمن، ركز الموقف الصيني على ضرورة التهدئة وحماية المدنيين، مع التأكيد على أن تسوية الأزمة يجب أن تتم عبر حوار بين الأطراف السودانية نفسها، دون فرض حلول من الخارج([19](. كما أبدت الصين تحفظًا تجاه الإجراءات التي قد تُفسر كتدخل مباشر في النزاع، مثل العقوبات أو الخطوات التي قد تزيد تعقيد فرص التواصل إلى تسوية سياسية([20](.

وفي الوقت ذاته، لم يقتصر التحرك الصيني على المواقف الدبلوماسية، إذ سارعت بكين في الأيام الأولى من اندلاع القتال إلى تنظيم عمليات لإجلاء رعاياها من السودان([21](، في مؤشر على إدراكها المبكر لخطورة تطور الأوضاع الأمنية. كما حافظت الدبلوماسية الصينية على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف السودانية، في محاولة لضمان عدم تأثر مصالحها الاقتصادية ومشروعاتها في البلاد بصورة كبيرة([22](.

ومع ذلك فإن السلوك يعكس أيضًا حدود الدور الصيني في الأزمة، إذ لم تسع بكين إلى لعب دور الوسيط الرئيسي، ولم تطرح مبادرة سياسية مستقلة لتسوية النزاع، بل فضلت دعم الجهود الإقليمية والدولية القائمة بدلًا من قيادتها) [23](. ويمكن تفسير ذلك برغبتها في تجنب التورط في صراع معقد تتداخل فيه عوامل داخلية وإقليمية، وهو ما قد يضعها في مواجهة أطراف متعددة أو يحملها أعباء سياسية لا ترغب في تحملها.

كما يبدو أن الصين تدرك أن قدرتها على التأثير المباشر في مسار الصراع السوداني ما تزال أقل مقارنة ببعض القوى الإقليمية التي تمتلك أدوات ضغط أقرب إلى أطراف النزاع([24](. لذلك فضلت الحفاظ على موقع يسمح لها بالتعامل مع أي تطورات مستقبلية دون أن تُحسب على طرف ضد آخر.

وعليه يمكن القول إن السياسة الصينية خلال الحرب السودانية اتسمت بنوع من الانخراط المحدود، حيث حافظت بكين على حضور دبلوماسي نشط نسبيًا، لكنها تجنبت تحويل الأزمة إلى ساحة لاختبار دور سيأسى أكبر، ويعكس هذا النهج محاولة للحفاظ على توازن بين حماية المصالح الصينية من جهة، والحفاظ على صورتها كشريك اقتصادي لا ينخرط في صراعات المنطقة من جهة أخرى.

المطلب الرابع: السودان والاستراتيجية الصينية في البحر الأحمر والشرق الأوسط

لا يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب في السودان بمعزل عن التحولات الأوسع في حضور الصين في منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة) [25](. فقد أصبحت هذه المنطقة تمثل جزءًا مهمًا من حسابات الامن الاقتصادي الصيني، نظرًا لارتباطها بإمدادات الطاقة وبحركة التجارة البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني بدرجة كبيرة([26](.

فالصين تستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية من دول الشرق الأوسط([27](، كما تمر نسبة معتبرة من تجارتها مع أوروبا وافريقيا عبر البحر الأحمر وقناة السويس) [28](. لذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في الدول المطلة على هذا الممر أو في محيطها القريب يمكن أن يؤثر على استقرار طرق التجارة وسلاسل الامداد المرتبطة بالاقتصاد الصيني([29](. وهذا ما يفسر تزايد اهتمام بكين بتطورات المنطقة، وإن ظل هذا الاهتمام يتركز في الجانب الاقتصادي والدبلوماسي أكثر من الانخراط العسكري المباشر) [30](.

وفي هذا السياق يمثل السودان جزءًا من البيئة الاستراتيجية المحيطة بالبحر الأحمر، إذ إن استقراره الداخلي ينعكس على استقرار المنطقة الأوسع، خاصة في ظل تداخل الأزمات في القرن الافريقي مع توترات الشرق الأوسط) [31](. كما أن تصاعد التنافس الإقليمي والدولي حول الموانئ والممرات البحرية يزيد من حساسية أي صراع طويل الأمد في دولة ذات موقع مهم مثل السودان([32](.

رغم حرص الصين على تجنب الدخول في الاستقطابات الإقليمية، فإن توسع علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج ومصر ودول القرن الافريقي جعلها معنية باستقرار هذه المنطقة، حتى وإن لم تسعي إلى لعب دور أمنى مباشر فيها) [33](. ويظهر ذلك في ميل بكين إلى دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوترات، ومحاولتها تقديم نفسها كشريك قادر علي التعاون مع مختلف الأطراف دون الانخراط في محاور سياسية متنافسة) [34](.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم الحذر الصيني في التعامل مع الأزمة السودانية، حيث تحرص بكين على الحفاظ على علاقتها مع مختلف القوى الإقليمية المرتبطة بالملف السوداني، مع تجنب اتخاذ مواقف قد تضر بمصالحها الأوسع في الشرق الأوسط، فالسودان رغم أنه ليس محور الاستراتيجية الصينية في المنطقة، إلا أن استقراره يظل مهمًا لأمن منطقة البحر الأحمر التي تعتمد عليها التجارة الصينية بدرجة كبيرة([35](.

المطلب الخامس: الدور الصيني في السودان _ المسارات المستقبلية

يبقي شكل الدور الصيني في السودان خلال الفترة المقبلة مرتبطًا بتطور مسار الحرب نفسها، وبمدى تأثيرها على استقرار منطقة البحر الأحمر التي ترتبط بها مصالح تجارية مهمة للصين. إن تطورات الأوضاع الإقليمية تضعها تدريجيًا أمام تحديات تتعلق بحماية مصالحها الاقتصادية وسلامة مواطنيها العاملين في الخارج. وفي هذا الإطار يمكن تصور عدة مسارات محتملة للدور الصيني في السودان خلال المرحلة القادمة:

السيناريو الأول: استمرار النهج الحالي، حيث تواصل الصين الدعوة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي، مع دعم الجهود الإقليمية والدولية دون أن تتولى دور الوسيط الرئيسي. ويظل هذا الاحتمال هو الأقرب في حال بقيت الأزمة محصورة داخل السودان ولم تؤثر بصورة كبيرة على حركة التجارة في البحر الأحمر أو على المصالح الصينية المباشرة.

السيناريو الثاني: احتمال زيادة الانخراط الدبلوماسي الصيني إذا طال أمد الحرب وبدأت آثارها تمتد إلى دول الجوار أو تؤثر على استقرار الممرات البحرية في المنطقة. في مثل هذه الحالة قد تميل بكين إلى لعب دور أكثر نشاطًا في دعم جهود التسوية السياسية، سواء بالتنسيق مع قوى إقليمية أو عبر تحرك أوضح داخل المؤسسات الدولية، بهدف الحد من تدهور الأوضاع وضمان استقرار حضورها في المنطقة.

السيناريو الثالث: تركيز الدور الصيني على مرحلة ما بعد الحرب، إذ قد تسعى الشركات الصينية إلى المشاركة في مشروعات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية، مستفيدة من خبرتها السابقة في السودان ومن قدرتها على تنفيذ مشروعات كبيرة بسرعة وكلفة أقل نسبيًا. وفي هذا السياق قد تفضل الصين الحفاظ على مسافة سياسية من أطراف النزاع خلال الحرب حتى تتمكن لاحقًا من التعامل مع أي سلطة تفرزها التسوية المستقبلية.

السيناريو الرابع: حدوث تدهور كبير في الأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأحمر أو بتعرض المصالح والمواطنين الصينين لتهديد مباشر، وهو ما قد يدفع بكين إلى اتخاذ خطوات أكثر نشاطًا لحماية مصالحها، وإن ظل ذلك في الأغلب في إطار دبلوماسي أو أمنى محدود، وليس عبر تدخل عسكري مباشر.

وفي إطار هذه السيناريوهات، يمكن القول إن السياسة الصينية تجاه السودان ستظل قائمة على محاولة تحقيق توازن بين الحفاظ على صورة الحياد وعدم التدخل، والحاجة المتزايدة لحماية مصالحها الخارجية في منطقة تشهد اضطرابات متكررة.

كما يرتبط الموقف الصيني من الحرب السودانية يرتبط بسعي أوسع للحفاظ على بيئة إقليمية مستقرة تسمح باستمرار تدفقات التجارة والطاقة دون اضطرابات كبيره، مع الحفاظ في الوقت نفسه على صورة الصين كشريك اقتصادي لا يتورط في النزاعات المحلية. وفى حال استمرار الحرب لفترة طويلة قد تضطر بكين إلى إعادة تقييم مستوى انخراطها وفق تطورات الأوضاع.

خاتمة:

قامت السياسة الصينية تجاه الحرب في السودان بين عامي 2023 و2026 على محاولة تحقيق توازن بين التمسك بموقف الحياد والدعوة إلى الحلول السياسية، وبين الحرص على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في السودان ومحيط البحر الأحمر. فالموقف الصيني لا يعكس حيادًا كاملًا بالمعنى التقليدي، لكنه يظهر سعى بكين إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية وعلاقتها مع مختلف الأطراف.

وقد خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج

1- أن سلوك الصين خلال الأزمة اتسم بالحذر، حيث دعمت المسارات السياسية عبر القنوات الإقليمية والدولية دون أن تتولى دورًا قياديًا في جهود الوساطة، مع استمرار التواصل مع مختلف القوى السودانية لتجنب خسارة أي طرف مستقبلًا. ويرتبط هذا التوجه بتحولات أوسع في السياسة الخارجية الصينية، إذ أصبحت منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط ذات أهمية متزايدة بالنسبة للاقتصاد الصيني، وهو ما يجعل استقرار هذه المنطقة عاملًا مؤثرًا في حسابات بكين الخارجية.

2- بعد استعراض المسارات المحتملة للدور الصيني في السودان خلال الفترة المقبلة، والتي تتراوح بين استمرار الموقف الحذر الحالي، أو زيادة النشاط الدبلوماسي في حال تفاقمت تداعيات الصراع، أو التركيز على فرص المشاركة في إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب، يبقي احتمال الانخراط العسكري المباشر ضعيفًا في ظل النهج الذي تتبعه الصين في سياستها الخارجية.

3- أن فهم كيفية تعامل الصين، بوصفها قوة دولية صاعدة مع النزاعات في مناطق ترتبط بمصالحها الاقتصادية، يرتبط بسعيها إلى حماية تلك المصالح دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الصراعات المحلية. كما تفتح نتائج البحث الباب أمام دراسات أخرى تتناول تأثير توسع الحضور الاقتصادي الصيني في مناطق حساسة مثل البحر الأحمر والشرق الأوسط، وانعكاس ذلك على توازنات الاستقرار في هذه المنطقة.

4- أن مستقبل الدور الصيني في السودان يبقى مرتبطًا، في جانب كبير منه، بقدرة السودان نفسه على استعادة الاستقرار الداخلي، باعتبار أن أي تسوية سياسية مستدامة ستشكل الأساس الحقيقي لعودة التوازن الإقليمي.


[1] Ministry of Foreign Affairs of The People’s Republic of China, China’s Position on The Five Principles of Peaceful Coexistence, Beijing: Foreign languages Press, 2020. Beijing, China. www.mfa.gov.cn/eng/xw/zyxw/202406/t20240628_11443852.html

[2] Johnston, Alastair lain, Cultural Realism: Strategic Culture and Grand Strategy in Chinese History. Princeton: Princeton University Press, USA, 1995. www.archive.org/details/culturalrealisms0000john

[3]  www.initar.org/studies-arab الزين، عاطف. السياسة الخارجية الصينية تجاه افريقيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2016م.

[4] Fulton, Jonathan. China’s Relation’s with The Gulf Monarchies. London: Routledge, London, UK, 2019. www.routledge.com/vhinas-relations-with-the-gulf-monarchies/fulton/p/book/9780367192209

[5] Rolland, Nadege. China’s Eurasian Century? Political and Strategic Implications of the Belt and Road Initiative, National Bureau of Asian Research. Seattle, USA. 2017. www.nbr.org/publication/chinas-eurasian-century

[6]  www.apsipi.org عبد العاطي، حسن. تحولات مبدأ عدم التدخل في السياسة الخارجية الصينية، مجلة السياسة الدولية، العدد 216، القاهرة، 2022م.

[7] Zhang, Feng & Pu, Xiaoyu (eds.). China’s Global Engagement: Cooperation, Competition and Influence. Washington dc. Brookings Institution Press. Washington, USA. 2022

[8] Foot, Rosemary. China, the UN and Human Protection. Oxford University Press. Oxford, UK, 2020. www.global.oup.com/academic/product/china-the-un-and-human-protection-9780198843318

[9] Callahan, William A. China Dreams: 20 Visions of the Future. Oxford University Press. Oxford, UK. 2013. www.global.oup.com/academic/product/china-dreams-9780199923979

[10] Leveret, Flynt & leveret, Hillary. China and the Middle East: The New Triangle. Yale University Press. Haven, USA. 2023. www.yalebooks.yale.edu/book/9780300261366/china-and-middle-east

[11] Large, Daniel. China and Africa: The New Engagement. London, UK. 2008. www.routledge.com/china-and-africa-the-new-engagement/large/p/book/9780415432079

[12]Daniel large. Ibid

[13] Nadege Rolland. ibid

[14] David Shambaugh. China Goes Global: The Partial Power. Oxford University Press. Oxford. 2013. www.global.oup.com/academic/product/china-goes-global-9780199932026

[15] Foot, Rosmary. ibid

[16] Foot, Rosmary .ibid

[17]  Ministry of Foreign Affairs of the People ’s Republic of China. Statement. China’s Position on the Political Settlement of Sudan issue. Beijing: MFA. 2023. www.mfa.gov.cn

[18] Ministry of Foreign Affairs of the People ’s Republic of China. Remarks by China’s Permanent Representative to UN Ambassador FU Cong at the UN Security Council Briefing on Sudan. 27 Feb 2025. دعوة الصين لوقف القتال وحماية المدنيين. www.mfa.gov.cn/mfa_eng/xw/zwbd/202503/t20250304_11567849.html

[19] Xinhua. Chinese Envoy Calls on Warring Parties in Sudan to End Hostilities. 25 Apr 2023 – تأكيد الصين علي وقف الحرب والحوار بين الأطراف. www.english.news.cn/africa/20230426/1f55c2d6f8044f5eab7575c8f367d580/c.html

[20] Global Times. China Urges Two Sides of Sudan Conflict to Implement Cease-Fire, Move Forward Political Transition – موقف بكين من وقف الحرب والسياسة دون تدخل خارجي. www.globaltimes.cn/page/202304/1289215.shtml

[21] Reuters. China Egyptian Citizens Evacuation Example – توضيح ادراج الصين في عمليات إجلاء رعاياها من مناطق النزاع ( مثال عام عن إجلاءات الصين في الشرق الأوسط، قابل التطبيق في السودان)

www.reuters.com/ar/world/5HR4MUZNLJMI5IOMOATJRII6MQ-2025-06-19

[22] Ministry of Foreign Affairs of the People’s Republic of China, Ambassador Lyu Jian attends Sudan Conflict Mediators Coordination Meeting. 27 July 2024 – الصين تعمل مع المجتمع الدولي وتؤكد احترامها سيادة السودان. www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/xw/wjbxw/202407/t20240728_11461884.html

[23] Aljazeera (Arabic). الصين والسودان يبحثان العلاقات الثنائية وقضايا التعاون – موقف الصين الداعم لحل سياسي وتشجيع المجتمع الدولي لتهيئة الظروف المناسبة للحوار

www.aljazeera.net

[24] Ainvest. China’s Foreign Minister: China Firmly Supports Sudan in Safeguarding Sovereignty, Independence and Territorial Integrity. May 2025 – دعم الصين لوحدة السودان وسيادته. www.ainvest.com/news/china-foreigne-ministry-china-firmly-supports-sudan-safeguarding-sovereignty-indepandance-and-territorial-integrity-chinese-foreigne-ministry-2025

[25] Council on Foreign Relations – China’s Role in the Middle East. شرح تحول الصين نحو منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر في حسابات الأمن الاقتصادي. . www.cfr.org/backgrounder/china-middle-east-strategy

[26] U.S Energy Information Administration (EIA) – China Energy Data. بيانات رسمية عن اعتماد الصين على النفط المستورد من الشرق الأوسط. www.eia.gov/international/analysis/country/CHN

[27] SIPRI – Maritime Security and China’s Strategic Interests. تحليل دور البحر الأحمر في أمن سلاسل الامداد للصين وربطها بمبادرات الحزام والطريق. www.sipri.org/publications/2020

[28] Brookings Institution – China’s Maritime Trade Routes and Strategy. يناقش أهمية ممرات التجارة البحرية (قناة السويس والبحر الأحمر) في التجارة الصينية

www.brookings.edu/research/china’s-maritime-trade-and-global-stratigy  

[29] Chatham House – China’s Red Sea Strategy. تقرير يفسر التزايد في حضور الصين في البحر الأحمر وما يعنيه ذلك لواردات الطاقة والتجارة. www.chathamhouse.org/2023/04/chinas-red-sea-strategy

[30] Rand Corporation – China’s Strategic Interests in the Gulf and Red Sea. تحليل لتعزيز العلاقات الصينية مع دول الخليج والبحر الأحمر وتأثيرها على السياسة الخارجية. www.rand.org/pubs/research_reports/RR3204.html

[31] International Crisis Group – Red Sea Security and Regional Dynamics. يربط بين حالة عدم الاستقرار في القرن الافريقي وقلق القوى الكبرى بما فيها الصين. www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/red-sea

[32] The Maritime Executive – Strategic Importance of the Red Sea for Global Trade .تحليل تبعات أي اضطراب طويل الأمد في الممرات البحرية علي التجارة العالمية. www.maritime-executive.com/artical/red-sea-stratigic-trade-analysis

[33] World Bank – China – Gulf Economic Relations. بيانات عن علاقات الصين التجارية والاقتصادية مع دول الخليج. www.worldbank.org/en/country/china/publication/china-middle-east-trade-relations

[34] United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD) – Maritime Transport Review. حول دور التجارة البحرية ومساراتها وتأثيرها على اقتصادات كبري مثل الصين. www.unctad.org/webflyer/maritime-transport-review-review

[35] عبد العاطي، حسن. مصدر سبق ذكره

Admin

القرن الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات: مؤسسة بحثية مستقلة، تأسست عام 2020 تقوم على إعداد البحوث والدراسات والتقديرات وأوراق السياسات، وتنظيم الفعاليات العلمية والأكاديمية وتقديم الاستشارات حول التفاعلات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية في منطقة القرن الأفريقي، وما يرتبط بها من تفاعلات إقليمية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى