Uncategorizedأوراق و دراساتاقتصاديةسياسية

السياسات الصينية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي: دراسة مقارنة بين السودان وجيبوتي

د. محمد خالد محمد عبد الله

أستاذ مشارك، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، كلية الاقتصاد والعلوم الادارية، جامعة القضارف، السودان

مستخلص

تتناول هذه الدراسة السياسات الصينية والمصالح الدولية في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مع التركيز على حالتي جيبوتي والسودان كنماذج رئيسية للارتكاز الاستراتيجي الصيني. وتهدف إلى تحليل الأهداف الاقتصادية والأمنية والسياسية للصين في المنطقة، والأدوات والأساليب المستخدمة لتعزيز النفوذ، بالإضافة إلى مقارنة النماذج المختلفة للتدخل الصيني وفق السياق السياسي والاقتصادي المحلي لكل دولة.

أظهرت النتائج أن الصين تعتمد على مزيج متوازن من القوة الاقتصادية، القوة الناعمة، والانخراط الأمني المحدود، مع مرونة في التكيف مع الظروف المحلية. كما أبرزت المقارنة بين النموذجين الجيبوتي والسوداني الاختلافات في درجة التدخل وأدوات النفوذ، مما يعكس قدرة الصين على بناء شراكات استراتيجية مستدامة وتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.

وتقدم الدراسة توصيات لتعميق فهم السياسات الصينية وتأثيرها على التوازن الإقليمي، وتشير إلى ضرورة متابعة التطورات المستقبلية في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

الكلمات المفتاحية: السياسة الصينية، حوض البحر الأحمر، القرن الإفريقي، جيبوتي، السودان، القوة الاقتصادية، القوة الناعمة، النفوذ الاستراتيجي.

مقدمة:

يُعد حوض البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في النظام الدولي المعاصر، إذ يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس وباب المندب، وتمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وقد جعل هذا الموقع الحيوي من البحر الأحمر ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الصين، التي شهدت سياستها الخارجية تحولًا ملحوظًا منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

في هذا السياق، تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في حوض البحر الأحمر ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى تأمين مصالحها الاقتصادية والتجارية، وضمان انسياب سلاسل الإمداد، وتعزيز نفوذها الدولي. وتبرز كل من جيبوتي والسودان كنموذجين مهمين لفهم طبيعة هذا التمدد الصيني، لما يتمتعان به من موقع جغرافي مؤثر وأهمية استراتيجية متزايدة.

مشكلة الدراسة: على الرغم من تنامي الحضور الصيني في حوض البحر الأحمر منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، ما تزال طبيعة هذا الحضور، وحدوده، وآلياته موضع جدل أكاديمي واسع. فبينما تُقدَّم الصين في بعض الأدبيات بوصفها فاعلًا اقتصاديًا تنمويًا يسعى إلى تأمين طرق التجارة والطاقة، تشير أدبيات أخرى إلى تحوّل تدريجي نحو أدوار أمنية واستراتيجية تعكس منطق القوى الكبرى والتنافس الجيوسياسي.

تتجلى إشكالية الدراسة في غياب تحليل مقارن معمّق يفسّر تباين أنماط السلوك الصيني داخل الإقليم ذاته، ولا سيما بين حالتي جيبوتي والسودان، رغم اشتراكهما في الموقع الجغرافي الاستراتيجي على البحر الأحمر. فجيبوتي تمثل نموذجًا للحضور الصيني المباشر والمؤسسي، بما في ذلك القاعدة العسكرية والبنية اللوجستية، في حين يعكس السودان نموذجًا أكثر تعقيدًا ومرونة، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع التحولات السياسية الداخلية وعدم الاستقرار.

وتنبع المشكلة البحثية من السؤال الجوهري حول ما إذا كانت السياسات الصينية في حوض البحر الأحمر تُدار وفق استراتيجية إقليمية موحّدة، أم أنها تتشكل بصورة براغماتية استجابية وفق خصوصية كل دولة. كما تطرح الدراسة إشكالًا إضافيًا يتعلق بمدى تأثير هذا التباين في إعادة تشكيل موازين القوى والتنافس الدولي في الإقليم خلال الفترة (2013–2025).

أسئلة الدراسة:

1. ما دوافع الحضور الصيني في حوض البحر الأحمر؟

2. ما طبيعة المصالح الصينية في جيبوتي والسودان؟

3. كيف تطور الدور الصيني من النفوذ الاقتصادي إلى الحضور الأمني والعسكري؟

4. ما أثر التمدد الصيني على التنافس الدولي في البحر الأحمر؟

5. ما مستقبل الدور الصيني في المنطقة في ظل التحولات الدولية الراهنة؟

وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى سد الفجوة المعرفية عبر تحليل السياسات الصينية في جيبوتي والسودان ضمن إطار نظري مقارن، يربط بين أدوات النفوذ الاقتصادي والأمني والدبلوماسي، ويختبر مدى اتساقها مع افتراضات الواقعية الجديدة ونظرية الاعتماد المتبادل والقوة الناعمة.

فرضيات الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من مجموعة من الفرضيات العلمية القابلة للاختبار، استنادًا إلى الإطار النظري المعتمد، وذلك على النحو الآتي:

1. تفترض الدراسة أن السياسات الصينية في حوض البحر الأحمر خلال الفترة (2013–2025) لا تقوم على نموذج إقليمي موحّد، بل تتسم بالبراغماتية والتكيّف مع الخصوصيات السياسية والأمنية لكل دولة.

2. جيبوتي تمثل نموذجًا للحضور الصيني المؤسسي والمباشر، حيث يتجلى النفوذ الصيني من خلال التداخل بين المصالح الاقتصادية والترتيبات الأمنية والعسكرية.

3. السودان يمثّل نموذجًا للحضور الصيني المرن وغير المباشر، القائم أساسًا على الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، مع تجنّب الانخراط الأمني العلني نتيجة لعدم الاستقرار السياسي.

4. تعاظم المصالح الصينية في جيبوتي والسودان يسهم في إعادة تشكيل أنماط التنافس الدولي في حوض البحر الأحمر، ويؤدي إلى تباين ردود فعل القوى الكبرى تجاه كل حالة.

5. كما تفترض الدراسة ايضاً أن الاعتماد المتبادل الاقتصادي يشكّل أحد أهم أدوات النفوذ الصيني في الإقليم، بما يسمح بتوسيع الحضور الاستراتيجي دون الدخول في صدام مباشر مع القوى الدولية المنافسة.

وتُختبر هذه الفرضيات من خلال التحليل المقارن للحالتين، بالاستناد إلى المعطيات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وبما يتيح تقييم مدى اتساق السلوك الصيني مع افتراضات الأطر النظرية المستخدمة.

أهمية الدراسة:

اولاً:الأهمية العلمية: تسهم الدراسة في إثراء الأدبيات المتعلقة بالسياسة الخارجية الصينية، وتحليل أبعاد التنافس الدولي في المناطق الاستراتيجية، من خلال دراسة مقارنة لحالتين مختلفتين في السياق ومتقاربتين في الأهمية الجيوسياسية.

ثانياً: الأهمية العملية: توفّر نتائج الدراسة مادة تحليلية مفيدة لصنّاع القرار والباحثين في مجالات الأمن البحري، والسياسات الإقليمية، والتخطيط الاستراتيجي لدول البحر الأحمر، ولا سيما السودان.

أهداف الدراسة:

تهدف الدراسة إلى تحليل السياسات الصينية والمصالح الدولية في حوض البحر الأحمر مع التركيز على جيبوتي والسودان خلال الفترة (2013–2025م)، وفي إطار الهدف الرئيس تسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف الفرعية، ومن بينها: توضيح الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر في الاستراتيجية الصينية، تحليل أنماط الحضور الصيني في جيبوتي والسودان، مقارنة أدوات النفوذ الصيني في الدولتين، تقييم أثر السياسات الصينية على الأمن الإقليمي، استشراف مستقبل التنافس الدولي في المنطقة.

منهجية الدراسة والإطار الزمني:

تعتمد الدراسة على المنهج المقارن، حيث تحلل تطور السياسات الصينية خلال الفترة من 2013م إلى 2025م، وهي الفترة التي بدأت بإطلاق مبادرة الحزام والطريق وشهدت تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر. وتُستحضر الخلفية التاريخية السابقة بالقدر الذي يخدم تفسير التحولات محل الدراسة، وذلك في إطار مقارن بين السودان وجيبوتي.

أدوات جمع المعلومات:

اعتمدت هذه الدراسة على مجموعة من أدوات جمع المعلومات التي تتلاءم مع طبيعتها التحليلية المقارنة، وتخدم أهدافها النظرية والتطبيقية، وذلك على النحو الآتي:

1. تحليل الوثائق والمصادر الرسمية: شمل تحليل الوثائق الصادرة عن الحكومة الصينية، مثل بيانات وزارة الخارجية، ووثائق مبادرة الحزام والطريق، إضافة إلى الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية الموقّعة مع جيبوتي والسودان، وكذلك الوثائق الصادرة عن حكومتي الدولتين محل الدراسة.

2. تحليل التقارير الدولية والإقليمية: تم الاعتماد على تقارير المنظمات الدولية والإقليمية، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومعاهد الدراسات الاستراتيجية، لما توفره من بيانات موثوقة حول الاستثمارات، والموانئ، والأمن البحري، والتنافس الدولي في حوض البحر الأحمر.

3. مراجعة الأدبيات العلمية المحكّمة: شملت مراجعة الدراسات السابقة والمقالات المنشورة في الدوريات العلمية المحكمة، العربية والأجنبية، ذات الصلة بالسياسة الخارجية الصينية، والجغرافيا السياسية للبحر الأحمر، ونماذج النفوذ الدولي في القرن الإفريقي.

4. التحليل المقارن للحالات الدراسية: استُخدمت أداة دراسة الحالة المقارنة (Comparative Case Study) لتحليل أوجه التشابه والاختلاف بين النموذج الجيبوتي والنموذج السوداني، وربطها بالسياقات السياسية والأمنية والاقتصادية لكل دولة.

وقد جرى توظيف هذه الأدوات بصورة تكاملية، بما يضمن تحقيق قدر عالٍ من الموثوقية والتحقق المتبادل للمعلومات (Triangulation)، ويعزز من الصلابة المنهجية لنتائج الدراسة.

الإطار المفاهيمي للدراسة

يقوم الإطار المفاهيمي لهذه الدراسة على مجموعة من المفاهيم المركزية التي تشكّل الأساس التحليلي لفهم السياسات الصينية والمصالح الدولية في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتحديد طبيعة التفاعل بين الفاعلين الدوليين والإقليميين. ويُقصد بالإطار المفاهيمي ذلك البناء التحليلي الذي يوضح العلاقات بين المفاهيم الرئيسة والمتغيرات المستخدمة في الدراسة، ويوجه عملية التفسير والتحليل ([1]).

ينطلق الإطار المفاهيمي للدراسة من افتراض أن تفاعل هذه المفاهيم مجتمعة يفسّر أنماط السلوك الصيني في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالأهمية الجيوبوليتيكية للإقليم، إلى جانب اعتبارات المصالح الوطنية الصينية، تدفع بكين إلى توظيف مزيج من أدوات السياسة الخارجية، تتراوح بين القوة الناعمة والاعتماد المتبادل الاقتصادي، وصولًا إلى الانخراط الأمني المحدود.

ويُسهم اختلاف السياقات السياسية والأمنية بين جيبوتي والسودان في تشكيل نموذجين متباينين للحضور الصيني داخل الإقليم، وهو ما يجعل القرن الإفريقي إطارًا مكانيًا وتحليليًا لا غنى عنه لفهم ديناميات التنافس الدولي والسياسات الصينية خلال الفترة (2013–2025).

(1) مفهوم القرن الإفريقي:

يُشير مفهوم القرن الإفريقي إلى الإقليم الجغرافي الواقع في الجزء الشرقي من القارة الإفريقية، ويضم في تعريفه التقليدي دول: جيبوتي، الصومال، إثيوبيا، وإريتريا، مع توسّع بعض الأدبيات ليشمل السودان وكينيا نظرًا للتداخلات الجيوبوليتيكية والأمنية والاقتصادية، خاصة في ما يتصل بالبحر الأحمر وخليج عدن([2]). ويتميّز الإقليم بموقعه الاستراتيجي الفريد، حيث يربط بين إفريقيا والشرق الأوسط، ويشرف على أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.

ويمثل القرن الإفريقي إحدى أكثر مناطق العالم حساسية من حيث التنافس الدولي، نتيجة تداخُل الأبعاد الجيوبوليتيكية مع التحديات الأمنية، مثل القرصنة، والنزاعات الداخلية، وعدم الاستقرار السياسي، فضلًا عن كونه ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى على النفوذ والوجود العسكري والاقتصادي([3]).

وتنبع أهمية القرن الإفريقي بالنسبة للصين من كونه محورًا أساسيًا في استراتيجيتها البحرية العالمية، وركيزة مركزية ضمن مبادرة الحزام والطريق منذ عام 2013. فمن الناحية الاقتصادية، يوفّر الإقليم للصين منفذًا حيويًا لتأمين خطوط التجارة والطاقة القادمة من الشرق الأوسط وإفريقيا نحو الأسواق الآسيوية، كما يشكّل منصة لوجستية داعمة للتوسع التجاري والاستثماري الصيني في القارة الإفريقية ([4]).

أما من الناحية الأمنية، فقد أدّى تنامي المصالح الصينية في الإقليم إلى إعادة صياغة مبدأ عدم التدخل التقليدي، تجسّد ذلك في إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارج الأراضي الصينية في جيبوتي عام 2017، بهدف حماية المصالح الاقتصادية وتأمين الملاحة البحرية والمشاركة في عمليات حفظ السلام ومكافحة القرصنة([5]).

وعلى الصعيد السياسي، يمكّن الحضور الصيني في القرن الإفريقي بكين من تعزيز مكانتها كفاعل دولي مسؤول، وبناء شراكات استراتيجية مع دول الإقليم بعيدًا عن الشروط السياسية التي تفرضها القوى الغربية، وهو ما يعزّز من جاذبية النموذج الصيني لدى العديد من دول المنطقة، بما في ذلك السودان([6]).

(2) مفهوم السياسة الخارجية:

تُعرَّف السياسة الخارجية بأنها مجموعة الأنشطة والقرارات التي تتخذها الدولة في تعاملها مع البيئة الدولية بهدف تحقيق مصالحها الوطنية وحماية أمنها القومي([7]). وفي السياق الصيني، تُفهم السياسة الخارجية بوصفها أداة لتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية الداخلية والطموحات الاستراتيجية الخارجية، مع التأكيد على مبدأ عدم التدخل واحترام سيادة الدول، وإن كان هذا المبدأ قد خضع لإعادة تفسير تدريجية مع توسّع المصالح الصينية خارج حدودها([8]).

(3) مفهوم المصالح الوطنية:

تشير المصالح الوطنية إلى الأهداف الحيوية التي تسعى الدولة إلى تحقيقها أو حمايتها في النظام الدولي، وتشمل المصالح الاقتصادية، والأمنية، والسياسية، والاستراتيجية([9]). وفي حالة الصين، تتمثل المصالح الوطنية في تأمين طرق التجارة والطاقة، وحماية الاستثمارات الخارجية، وتعزيز المكانة الدولية، وهو ما يفسّر تزايد الاهتمام بحوض البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

(4) مفهوم القوة الناعمة:

يُعرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها قدرة الدولة على تحقيق أهدافها من خلال الجاذبية والإقناع بدلًا من الإكراه أو القوة العسكرية([10]). وتوظف الصين أدوات متعددة للقوة الناعمة في البحر الأحمر، مثل الاستثمارات التنموية، والمساعدات، والدبلوماسية الاقتصادية، ما يجعل هذا المفهوم محوريًا لفهم طبيعة النفوذ الصيني، خاصة في الحالة السودانية.

(5) مفهوم الاعتماد المتبادل:

يرتبط مفهوم الاعتماد المتبادل بنظرية الليبرالية الجديدة، ويشير إلى تشابك المصالح الاقتصادية بين الدول بما يقلل من احتمالات الصراع ويعزز التعاون([11]). ويساعد هذا المفهوم في تفسير العلاقة بين الصين ودول البحر الأحمر، حيث يؤدي تعميق الروابط الاقتصادية إلى تعزيز النفوذ السياسي والاستراتيجي بصورة غير مباشرة.

(6) مفهوم الجيوبوليتيك البحرية:

يشير مفهوم الجيوبوليتيك البحرية إلى أهمية الموقع الجغرافي والممرات البحرية في صياغة استراتيجيات القوى الكبرى([12]). ويُعد البحر الأحمر أحد أهم نقاط الاختناق البحرية عالميًا، ما يجعله ساحة رئيسة للتنافس الدولي، ويفسر تنامي الاهتمام الصيني بإنشاء بنى لوجستية وموانئ وقواعد دعم بحري، كما في الحالة الجيبوتية.

المبحث الأول: السياسات الصينية في حوض البحر الأحمر:

تعتبر سياسة الصين في حوض البحر الأحمر جزءًا من استراتيجيتها الإقليمية والدولية الهادفة إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية. منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، ركّزت الصين على تعزيز النفوذ التجاري واللوجستي في الموانئ الحيوية، وتوسيع استثماراتها في البنية التحتية البحرية، وضمان أمن خطوط الملاحة البحرية التي تمر عبر الخليج الأحمر وخليج عدن نحو آسيا([13]). ويأتي هذا الاهتمام في إطار سعي الصين لتقليل المخاطر على تجارة الطاقة وتوسيع حضورها الاستراتيجي في الممرات البحرية الدولية، خاصة مع زيادة التنافس بين القوى العالمية الكبرى في المنطقة([14]).

أولاً: أهداف السياسة الصينية:

تتمثل أهداف السياسة الصينية في حوض البحر الأحمر في عدة محاور رئيسية:

1. اقتصاديًا: تسعى الصين إلى تعزيز الاستثمارات في الموانئ والمناطق الحرة والمشاريع التنموية الكبرى، وتأمين سلاسل التوريد الحيوية، وضمان تدفق الطاقة والموارد الطبيعية من الشرق الأوسط وأفريقيا إلى الصين([15]).

2. أمنيًا: تهدف الصين إلى حماية المصالح البحرية وحفظ أمن الملاحة في الممرات الدولية، بما في ذلك مكافحة القرصنة وحماية الشحنات الصينية. ويتجسد هذا في إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي عام 2017، وهي أول قاعدة خارج الأراضي الصينية، ما يتيح للصين المشاركة في عمليات حفظ السلام والدعم اللوجستي([16]).

3. سياسيًا ودبلوماسيًا: تعزيز مكانة الصين كفاعل دولي مسؤول، من خلال بناء شراكات استراتيجية مع دول الإقليم بعيدًا عن الشروط السياسية التي تفرضها القوى الغربية، وإظهار نموذج بديل للتنمية والدبلوماسية الاقتصادية([17]).

ثانيًا: أدوات السياسة الصينية:

اعتمدت الصين على مجموعة من الأدوات لتعزيز سياستها في الحوض:

1- القوة الاقتصادية: الاستثمارات التنموية، وتمويل البنية التحتية، وتقديم المساعدات التنموية، بما في ذلك مشاريع الموانئ، السكك الحديدية، والطاقة، لتعزيز النفوذ الاقتصادي المباشر.

2- القوة الناعمة: الترويج للنموذج التنموي الصيني، من خلال برامج التعاون الثقافي، التعليمية، والتقنية، إضافة إلى دعم المؤسسات الاقتصادية والتعليمية في الدول المضيفة([18]).

3- القوة العسكرية المحدودة: إنشاء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي، ومهام حماية الشحن البحري، ما يعكس نهجًا براغماتيًا يوازن بين الحد من الصدام المباشر وحماية المصالح الحيوية الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية: المفاوضات المباشرة مع الحكومات المحلية، توقيع اتفاقيات استثمارية وتجارية، وتقديم القروض بأسعار منخفضة لدعم المشاريع التنموية، بما يعزز النفوذ السياسي الصيني دون تدخل عسكري مباشر([19]).

وترتب على توظيف هذه الأدوات عدد من النتائج من بينها:تعزيز النفوذ الاقتصادي واللوجستي للصين في الممرات البحرية الحيوية، ما يضمن استمرار تدفق التجارة والطاقة، زيادة التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مع ظهور تحالفات جديدة بين القوى الدولية والإقليمية، وتعزيز القدرات الأمنية الصينية بشكل محدود، مع التركيز على الحماية البحرية وعمليات حفظ السلام، دون الانخراط في النزاعات الإقليمية بشكل مباشر، وبناء شراكات استراتيجية مستدامة مع دول الإقليم تعكس قدرة الصين على الدمج بين القوة الاقتصادية والناعمة والسياسية، وتقديم نموذج بديل للتنمية([20]).

وفي إطار هذه النتائج يمكن القول إن السياسة الصينية في حوض البحر الأحمر تقوم على استراتيجية متكاملة تجمع بين الاقتصاد، الأمن، والدبلوماسية، مع مرونة في تطبيقها وفق الظروف المحلية لكل دولة. يظهر النموذج الجيبوتي كحالة للتدخل المباشر والمؤسسي، بينما يعكس النموذج السوداني تطبيقًا أكثر مرونة يعتمد على أدوات اقتصادية ودبلوماسية. تعكس هذه السياسة قدرة الصين على بناء شراكات استراتيجية مستدامة وتعزيز نفوذها في ممرات بحرية حيوية، مما يفتح المجال لتحليل أعمق في المبحث الثالث حول تأثير هذه السياسات على دول القرن الإفريقي.

المبحث الثاني: جيبوتي والصومال كنماذج للارتكاز الاستراتيجي الصيني (2013–2025)

يهدف هذا المبحث إلى تقديم دراسة مقارنة للسياسة الصينية في السودان وجيبوتي، باعتبارهما نموذجين رئيسيين لتطبيق الاستراتيجية الصينية في القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر، وتحليل الاختلافات والتشابهات في الأدوات والسياسات، مع استعراض النتائج والتأثيرات على السياسات المحلية والنفوذ الدولي. يعتمد المبحث على الأدبيات العربية والإنجليزية لتقديم رؤية تحليلية متعمقة.

أولاً: دراسة حالة جيبوتي

تُعد جيبوتي حجر الزاوية في الاستراتيجية الصينية في حوض البحر الأحمر، نظرًا لموقعها الجغرافي الحاكم عند مدخل مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية. وخلال الفترة الزمنية (2013–2025)، تطور الحضور الصيني في جيبوتي عبر مراحل متدرجة عكست التحول في السياسة الخارجية الصينية.

المرحلة الأولى: (2013–2016)

تُمثل الفترة من 2013 إلى 2016 مرحلة التأسيس الاستراتيجي للوجود الصيني في جيبوتي، حيث تزامنت مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق رسميًا عام 2013، وبدء الصين في إعادة صياغة علاقتها مع دول القرن الإفريقي من منظور جيو‑اقتصادي وأمني متكامل. وقد حظيت جيبوتي بمكانة محورية في هذه الرؤية، نظرًا لموقعها الجغرافي الاستثنائي عند مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية للتجارة والطاقة([21]).

اقتصاديًا، ركزت الصين خلال هذه المرحلة على الاستثمار في البنية التحتية الأساسية، لا سيما تطوير الموانئ وشبكات النقل. ويُعد مشروع ميناء دوراليه متعدد الأغراض، الذي نفذته شركات صينية، حجر الأساس للتموضع الصيني في جيبوتي، حيث أسهم في ربط الموانئ الجيبوتية بالأسواق الإفريقية الداخلية، خصوصًا إثيوبيا، وتعزيز دور جيبوتي كمركز لوجستي إقليمي([22]).

كما شملت الاستثمارات الصينية تطوير شبكات السكك الحديدية، وأبرزها خط السكة الحديدية جيبوتي–أديس أبابا، الذي مثل نقلة نوعية في التكامل الاقتصادي الإقليمي، وكرس الدور الصيني كفاعل رئيسي في تمويل وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى في القرن الإفريقي([23]).

سياسيًا ودبلوماسيًا، اتسمت هذه المرحلة بتعزيز الشراكة الثنائية بين بكين وجيبوتي، حيث دعمت الصين استقرار النظام السياسي الجيبوتي، مقابل ضمان بيئة آمنة لاستثماراتها ومشاريعها الاستراتيجية. واعتمدت الصين في ذلك على خطاب يقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السيادة الوطنية، وهو ما لاقى قبولًا واسعًا لدى القيادة الجيبوتية([24]).

أمنيًا، ورغم أن الوجود العسكري الصيني لم يكن قد تبلور بشكل كامل خلال هذه المرحلة، إلا أن المؤشرات الأولية كانت واضحة عبر تنامي التعاون الأمني ومكافحة القرصنة في خليج عدن، ما مهد لاحقًا لإنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارجية في جيبوتي عام 2017. وعليه، يمكن اعتبار الفترة من 2013 إلى 2016 مرحلة الإعداد الاستراتيجي التي أرست الأسس الاقتصادية والسياسية والأمنية للارتكاز الصيني في جيبوتي ضمن حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

المرحلة الثانية: (2017–2019)

تمثل الفترة من 2017 إلى 2019 مرحلة التحول من التموضع الاقتصادي إلى الارتكاز الاستراتيجي الشامل في السياسة الصينية تجاه جيبوتي، حيث شهدت هذه المرحلة الإعلان الرسمي عن افتتاح أول قاعدة عسكرية صينية خارج الأراضي الصينية في جيبوتي عام 2017، ما شكّل نقطة تحول مفصلية في الحضور الصيني في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي([25]).

أمنيًا وعسكريًا، عززت الصين وجودها عبر القاعدة العسكرية في منطقة أوبوك، والتي أُعلن أنها مخصصة لدعم مهام حفظ السلام، ومكافحة القرصنة، وتأمين خطوط الملاحة الدولية. غير أن العديد من الدراسات ترى أن القاعدة تمثل أداة استراتيجية لحماية المصالح الاقتصادية الصينية المتنامية، وتأمين طرق التجارة والطاقة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد في البحر الأحمر([26]).

اقتصاديًا، تزامن التوسع العسكري مع تعميق الاستثمارات الصينية في البنية التحتية الجيبوتية، حيث واصلت الشركات الصينية تطوير الموانئ، والمناطق الحرة، وشبكات الطاقة والاتصالات. كما شهدت هذه المرحلة توسعًا في منطقة التجارة الحرة الدولية في جيبوتي، التي تُعد من أكبر المناطق الحرة في إفريقيا، وتستهدف جعل جيبوتي مركزًا إقليميًا لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية .

في هذا السياق، برزت مسألة الديون الصينية كأحد أهم ملامح المرحلة، حيث ارتفعت نسبة القروض الصينية ضمن الدين الخارجي الجيبوتي، ما أثار نقاشًا دوليًا حول ما يُعرف بـ”دبلوماسية فخ الديون”. إلا أن المقاربة الصينية الرسمية ركزت على توصيف هذه القروض كوسيلة لدعم التنمية والبنية التحتية، مع التأكيد على الطابع التشاركي للعلاقة الثنائية([27]).

سياسيًا ودبلوماسيًا، عززت بكين علاقاتها مع القيادة الجيبوتية عبر شراكات استراتيجية طويلة الأمد، مستفيدة من سياسة جيبوتي القائمة على تنويع الشركاء الدوليين. وقد حافظت الصين على خطاب عدم التدخل، مع توظيف أدوات القوة الناعمة، مثل التدريب، والمنح، والتعاون التقني، لتعزيز نفوذها السياسي بصورة غير تصادمية([28]).

وعليه، يمكن توصيف المرحلة من 2017 إلى 2019 بأنها مرحلة التمأسس الاستراتيجي للوجود الصيني في جيبوتي، حيث تداخلت الأبعاد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في إطار رؤية صينية شاملة تهدف إلى تأمين المصالح طويلة الأمد في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وترسيخ جيبوتي كنقطة ارتكاز رئيسية في الاستراتيجية الصينية العابرة للأقاليم ([29]).         

المرحلة الثالثة: (2020–2025)

تمثل المرحلة الممتدة من 2020 إلى 2025 مرحلة ترسيخ وتعميق الارتكاز الاستراتيجي الصيني في جيبوتي، حيث انتقلت السياسة الصينية من مجرد تثبيت الوجود العسكري–الاقتصادي إلى توظيفه ضمن رؤية إقليمية أشمل لإدارة النفوذ في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي، في ظل تصاعد التنافس الدولي وتزايد الاضطرابات الإقليمية.

أمنيًا وعسكريًا، شهدت هذه المرحلة تطويرًا نوعيًا لقدرات القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، سواء من حيث البنية التحتية أو نطاق المهام. وأصبحت القاعدة تُستخدم ليس فقط في مهام مكافحة القرصنة وحماية الملاحة، بل أيضًا في دعم العمليات اللوجستية للبعثات الصينية في إفريقيا، والمشاركة في عمليات الإجلاء وحفظ السلام، ما عزز قدرة الصين على التحرك السريع وحماية رعاياها ومصالحها في مناطق النزاع([30]).

اقتصاديًا، واصلت الصين تعزيز حضورها في القطاعات اللوجستية والمينائية، مع التركيز على تعظيم كفاءة الموانئ وربطها بسلاسل الإمداد العالمية. كما توسعت الاستثمارات الصينية في المناطق الحرة والمجمعات الصناعية، بما يعزز دور جيبوتي كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير، خصوصًا في ظل تعثر بعض الموانئ المنافسة في المنطقة نتيجة عدم الاستقرار السياسي([31]).

وفي سياق جائحة كوفيد-19، برزت الدبلوماسية الصحية الصينية كأداة جديدة لتعزيز النفوذ، حيث قدمت الصين مساعدات طبية ولقاحات لجيبوتي، ما ساهم في تعزيز صورتها كشريك موثوق، وأعاد التأكيد على توظيف القوة الناعمة إلى جانب الأدوات الصلبة([32]).

سياسيًا ودبلوماسيًا، عززت بكين شراكتها الاستراتيجية مع جيبوتي عبر اتفاقيات طويلة الأمد، مع استمرار دعم استقرار النظام السياسي، وتجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية. وقد استفادت الصين من سياسة جيبوتي القائمة على استضافة قوى دولية متعددة، لتقديم نفسها كفاعل متوازن وغير تصادمي، مقارنة ببعض القوى الغربية([33]).

استراتيجيًا، تميزت هذه المرحلة بتكامل الوجود الصيني في جيبوتي مع الرؤية الصينية الأشمل للبحر الأحمر، حيث أصبحت جيبوتي حلقة وصل أساسية بين الوجود الصيني في شرق إفريقيا والشرق الأوسط، ومركزًا لوجستيًا لدعم المبادرات الاقتصادية والأمنية الصينية العابرة للأقاليم. وبذلك يمكن توصيف الفترة من 2020 إلى 2025 بأنها مرحلة الاستدامة الاستراتيجية وتكثيف النفوذ، التي رسخت جيبوتي كنقطة ارتكاز محورية في السياسة الصينية الإقليمية والدولية.

ثانيًا: السودان والمصالح الصينية المتعددة (2013–2025)

يمثل السودان نموذجًا مغايرًا في الاستراتيجية الصينية مقارنة بجيبوتي، إذ اتسم الحضور الصيني فيه بالتركيز على المصالح الاقتصادية والموارد الطبيعية، مع انخراط أمني محدود، وخلال الفترة (2013–2025)، اتخذت السياسات الصينية في السودان طابعًا براغماتيًا يتكيف مع التحولات السياسية الداخلية.

المرحلة الأولى: (2013–2018)

تركزت هذه المرحلة على التأسيس لبنية العلاقات الصينية السودانية، حيث كانت الفترة بداية تنفيذ مبادرة الحزام والطريق في المنطقة، واستهدفت الصين بناء قاعدة اقتصادية قوية في السودان. شملت الاستثمارات الصينية مشاريع البنية التحتية الحيوية، مثل الطرق والجسور، تطوير الموانئ، وإنشاء مناطق صناعية لتسهيل التجارة والاستثمار([34]).

في قطاع الطاقة، استثمرت الصين بشكل كبير في النفط والغاز، مع التركيز على ضمان استقرار الإنتاج وتوفير الطاقة للصناعة السودانية وتأمين مصالحها الخاصة في المنطقةكما شهدت التجارة الثنائية بين البلدين نموًا ملحوظًا، حيث تصدر السودان الموارد الزراعية والمعادن، في حين وفرت الصين السلع الاستهلاكية والآلات الصناعية.

على المستوى السياسي والدبلوماسي، ركزت الصين على بناء علاقات استراتيجية مع الحكومة السودانية من خلال توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي ودعم دبلوماسي وتقني، مع إعطاء أهمية للقوة الاقتصادية والناعمة وتجنب التدخل العسكري المباشر([35]).

استراتيجياً، استخدمت الصين الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية لتعزيز الاستقرار النسبي وحماية مصالحها في السودان، وتأسيس قاعدة متينة للتوسع المستقبلي بين 2019 و2025، بما يتيح تطوير شراكات اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد .

المرحلة الثانية: (2019–2022)

شهدت الفترة من 2019 إلى 2022 تعميق العلاقات بين الصين والسودان على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، حيث ركزت الصين على توسيع نطاق الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية الكبرى، بما في ذلك تحديث شبكات الطرق والجسور، تطوير الموانئ، وإنشاء مناطق صناعية متقدمة لدعم الصناعات التحويلية والتجارة الإقليمية والدولية([36]).

وفي قطاع الطاقة، قامت الصين بزيادة استثماراتها في النفط والغاز والطاقة الكهربائية، مع التركيز على تعزيز استدامة الإنتاج وكفاءة التوزيع، ما يضمن مصالحها الحيوية ويعزز قدرة السودان على تلبية احتياجاته الاقتصادية([37]).

سياسيًا ودبلوماسيًا، عززت الصين التعاون مع الحكومة السودانية في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، عبر تقديم دعم فني وتقني، وتوقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية متعددة المجالات. كما سعت الصين لتقوية حضورها في المحافل الإقليمية والدولية لدعم مصالحها في السودان وتحقيق استقرار نسبي في المنطقة([38]).

استراتيجيًا، ركزت الصين على تعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي كأداة لتحقيق الاستقرار وحماية مصالحها، مع توظيف القوة الناعمة لتعزيز صورتها الإيجابية. وقد شكلت هذه المرحلة قاعدة قوية لتوسيع المشاريع الاستثمارية والاستراتيجية في السودان خلال الفترة اللاحقة 2023–2025م .

المرحلة الثالثة: (2023–2025)

شهدت الفترة من 2023 إلى 2025 توسعًا نوعيًا في العلاقات الصينية السودانية، حيث ركزت الصين على تعزيز الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية الحديثة، مثل التكنولوجيا، الزراعة المتقدمة، والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية. كما تم توسيع نطاق مشاريع البنية التحتية لتشمل تطوير المدن الصناعية والمناطق اللوجستية المتكاملة، بما يدعم التجارة الإقليمية والدولية ويعزز موقع السودان كحلقة وصل استراتيجية في القرن الإفريقي([39]).

في قطاع الطاقة، استثمرت الصين في مشاريع مشتركة متقدمة لإنتاج النفط والغاز والطاقة الكهربائية، مع التركيز على استدامة الإنتاج وكفاءة التوزيع، ما يضمن مصالحها طويلة الأمد في السودان ويعزز الاستقرار الاقتصادي([40]).

سياسيًا ودبلوماسيًا، واصلت الصين تعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع الحكومة السودانية، وقدمت دعمًا فنيًا وتقنيًا مستمرًا، مع العمل على تيسير بيئة استثمارية مستقرة لجذب المزيد من الاستثمارات. كما سعت لتعزيز دورها في المحافل الإقليمية والدولية لدعم مصالحها وتحقيق استقرار نسبي في المنطقة([41]).

استراتيجيًا، اعتمدت الصين مزيجًا متكاملًا من القوة الاقتصادية والناعمة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التدخل العسكري، ما يعكس مرونة الاستراتيجية الصينية في التعامل مع الدول ذات الاستقرار السياسي النسبي والمناخ الاقتصادي المتغير. وتوفر هذه المرحلة قاعدة قوية لبناء شراكات طويلة الأمد، وتؤكد قدرة الصين على التكيف مع التغيرات السياسية والاقتصادية المستقبلية في السودان([42]).

وبذلك يمكن التأكيد على أن التحليل قد أبرز الدور المتزايد للصين في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وكيفية توظيفها لمزيج متوازن من القوة الاقتصادية والناعمة والأمنية لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. أظهرت الدراسة أن نجاح السياسة الصينية يتوقف على القدرة على التكيف مع السياقات المحلية لكل دولة، كما توضح المقارنة بين السودان وجيبوتي الاختلافات في تطبيق هذه السياسات. كما يشير المبحث إلى أن هذه السياسات لها تأثيرات طويلة المدى على التوازن الإقليمي والدولي، وتعزز مكانة الصين كفاعل رئيسي في المنطقة، مما يجعل من الضروري متابعة تطورات هذه الاستراتيجية وتأثيراتها المستقبلية.

وتكشف المقارنة بين جيبوتي والسودان عن تباين واضح في أدوات ومحددات السياسة الصينية في حوض البحر الأحمر. ففي حين تعتمد الصين في جيبوتي على نموذج الارتكاز الاستراتيجي القائم على الدمج بين الاقتصاد والوجود العسكري، تتبع في السودان نموذج النفوذ الاقتصادي المرن، الذي يراعي حساسية السياق السياسي الداخلي.

ويعكس هذا التباين إدراك الصين لاختلاف بيئات المخاطر والفرص في الدولتين؛ فجيبوتي توفر بيئة مستقرة نسبيًا تسمح بالتمركز العسكري، بينما يفرض السودان اعتبارات سيادية وأمنية تحول دون تكرار النموذج الجيبوتي. ومع ذلك، يشترك النموذجان في هدف استراتيجي واحد يتمثل في تأمين المصالح الصينية في البحر الأحمر وخطوط الملاحة المرتبطة به.

وقد أسهم هذان النموذجان في تعقيد مشهد التنافس الدولي، إذ أثار الوجود العسكري الصيني في جيبوتي قلق القوى الغربية، في حين جعل الحضور الاقتصادي الصيني في السودان من البلاد ساحة تنافس ناعم بين القوى الدولية والإقليمية.

خاتمة:

خلصت الدراسة إلى أن السياسات الصينية في حوض البحر الأحمر تعكس تحول الصين إلى فاعل دولي يسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في واحدة من أهم مناطق العالم، مع ما يحمله ذلك من فرص وتحديات لدول المنطقة، وعلى رأسها جيبوتي والسودان، وتوصلت الدراسة إلى جملة من النتائج الرئيسة التي تعكس طبيعة التحول في السياسات الصينية والمصالح الدولية في حوض البحر الأحمر خلال الفترة (2013–2025)، ويمكن إجمالها في الآتي:

1. أثبتت الدراسة أن الحضور الصيني في حوض البحر الأحمر شهد تحولًا تدريجيًا من التركيز الاقتصادي البحت إلى مقاربة استراتيجية شاملة تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والأمنية والعسكرية والدبلوماسية.

2. بيّنت النتائج أن جيبوتي تمثل النموذج الأكثر اكتمالًا للارتكاز الاستراتيجي الصيني، حيث نجحت الصين في الدمج بين الاستثمار الاقتصادي والوجود العسكري المباشر، بما يخدم حماية خطوط الملاحة وتأمين المصالح بعيدة المدى.

3. أظهرت الدراسة أن السودان يعكس نموذج النفوذ الصيني المرن القائم على الاقتصاد والموارد الطبيعية والبنية التحتية، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر، نتيجة اعتبارات السيادة وعدم الاستقرار السياسي.

4. كشفت المقارنة بين النموذجين عن قدرة الصين على تكييف أدوات سياستها الخارجية وفق السياقات المحلية للدول الشريكة، بما يحقق أهدافها الاستراتيجية بأقل كلفة سياسية وأمنية.

5. أسهم التمدد الصيني في البحر الأحمر في إعادة تشكيل التوازنات الدولية، وزيادة حدة التنافس مع القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

6. أكدت النتائج أن تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر يفرض تحديات متزايدة على أمن المنطقة واستقرارها، ويجعل من دول الساحل لاعبين محوريين في معادلات الأمن الإقليمي.

توصيات:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات العملية والاستراتيجية، على النحو الآتي:

1. ضرورة تبني دول البحر الأحمر، ولا سيما السودان، سياسات خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشراكات الدولية، بما يمنع الارتهان لقوة دولية واحدة.

2. أهمية تعزيز التعاون الإقليمي بين دول حوض البحر الأحمر لإنشاء آليات جماعية تُعنى بأمن الملاحة البحرية والحد من عسكرة المنطقة.

3. استفادة السودان من التنافس الدولي القائم في البحر الأحمر عبر توجيهه نحو دعم مشروعات التنمية الوطنية، خصوصًا في الموانئ والبنية التحتية البحرية.

4. دعوة صناع القرار في السودان إلى وضع استراتيجية بحرية وطنية واضحة تنظم الشراكات الأجنبية وتحدد أولويات الأمن القومي البحري.

5. تشجيع مراكز البحوث العربية والإفريقية على تعميق الدراسات المتعلقة بالسياسات الصينية في البحر الأحمر، وربطها بالتحولات في النظام الدولي.

6. ضرورة مراعاة الصين لحساسية التوازنات الإقليمية عند توسيع حضورها في البحر الأحمر، بما يسهم في تعزيز الاستقرار بدلًا من تعميق التنافس.


[1]– إبراهيم، عبد الله علي. السودان: الهوية وأزمة الدولة. الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع، 2014، ص 112

[2]– الطاهر، محمد الأمين. “التنافس الدولي في البحر الأحمر وانعكاساته على الأمن الإقليمي”، مجلة الدراسات الإفريقية، العدد 18، جامعة إفريقيا العالمية، 2019، ص 77.

[3]– عوض، أحمد يوسف. “الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة بالسودان”. مجلة الاقتصاد والتنمية، جامعة الخرطوم، المجلد 12، العدد 2، 2020، ص 55.

[4]– حسن، عبد الله محمد. السياسة الخارجية الصينية تجاه إفريقيا. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2021، ص 201

[5]– عوض، أحمد يوسف. المرجع السابق، المجلد 12، العدد 2، 2020، ص 57.

[6]– الطاهر، محمد الأمين. المرجع السابق، ص 77

[7]– Rolland, N. China’s Eurasian Century? Political and Strategic Implications of the Belt and Road Initiative. Washington, DC: National Bureau of Asian Research, 2017, pp. 97

[8]– Qin, Y. A Relational Theory of World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2018, pp. 203–227

[9]– عوض، أحمد يوسف. “الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة بالسودان”. مجلة الاقتصاد والتنمية، جامعة الخرطوم، المجلد 12، العدد 2، 2020، ص ص 55–83.

[10]– الطاهر، محمد الأمين. “التنافس الدولي في البحر الأحمر وانعكاساته على الأمن الإقليمي”. مجلة الدراسات الإفريقية، العدد 18، جامعة إفريقيا العالمية، 2019، ص ص 77–، ص 78

[11]– يحي، أحمد الكعكي،الشرق الاوسط و الصراع الدولي، بيروت: دار النهضة العربية، 1986، ص32 .

[12]– حسن، عبد الله محمد. مرجع سابق : مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2021، ص 2012

[13] Qin, Y. A Relational Theory of World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2018, pp. 203

[14] Rolland, N. China’s Eurasian Century? Political and Strategic Implications of the Belt and Road Initiative. Washington, DC: National Bureau of Asian Research, 2017, pp. 97

[15]– الطاهر، محمد الأمين. “التنافس الدولي في البحر الأحمر وانعكاساته على الأمن الإقليمي، مرجع سابق، ص 80

[16] Zoubir. China’s role in Africa’s maritime security. Third World Quarterly, 2021.. pp 42(5- , 995

[17] Alden, C., & Large, D. China’s Engagement with Africa: From Natural Resources to Political Influence. London: Routledge, 2019, pp. 157

[18]– عوض، أحمد يوسف. “الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة بالسودان”. مجلة الاقتصاد والتنمية، جامعة الخرطوم، المجلد 12، العدد 2، 2020، ص ص 60

[19]– إبراهيم، عبد الله علي. السودان: الهوية وأزمة الدولة. الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع، 2014، ص 114

[20]– Zoubir. China’s role in Africa’s maritime security. Third World Quarterly, 2021.. pp 45(5-

[21]. Large, D. China’s Engagement with Africa: From Natural Resources to Political Influence. London: Routledge, 2019, pp. 155

[22]. Brautigam, D. The Dragon’s Gift: The Real Story of China in Africa. Oxford: Oxford University Press, 2020, pp. 221–259.

[23] Sun, Y., & Zoubir, Y. H. “China’s Strategic Engagement in the Horn of Africa”. Journal of Contemporary China, Vol. 27, No. 114, 2018, pp. 816

[24]. Qin, Y. A Relational Theory of World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2018, pp. 203

[25] Alden, C., & Large, D. China’s Engagement with Africa: From Natural Resources to Political Influence. London: Routledge, 2019, pp. 159

[26] . Rolland, N. “China’s Military Posture in the Red Sea”. Survival: Global Politics and Strategy, Vol. 62, No. 4, 2020, pp. 55–78

[27]. Qin, Y. A Relational Theory of World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2018, pp. 203–227

[28]– علي، عبد الرحيم، “مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها على البحر الأحمر”، مجلة شؤون عربية، القاهرة، جامعة الدول العربية، العدد 182، 2021، ص ص 41–66.

[29]– خاطر، نصى زياب، الجغرافيا السياسية والجيوبولوتيكا، الأردن: الجنادريه للنشر والتوزيع، ط1، 2010م، ص23.

[30]– فايز، محمد العيساوي، الجغرافيا السياسية المعاصرة، مصر دار المعرفة الجامعية، 2003.، ص76

[31] Brautigam, D. The Dragon’s Gift: The Real Story of China in Africa. Oxford: Oxford University Press, 2020, pp. 245.

[32]. Qin, Y. A Relational Theory of World Politics. Cambridge: opp. 227

[33]. Sun, Y., & Zoubir, Y. H. “China’s Strategic Engagement in the Horn of Africa.opp. 820

[34]– إدريس، محمد صالح. “جيبوتي والتنافس الدولي في القرن الإفريقي”. مجلة السياسة الدولية، العدد 214، مؤسسة الأهرام، 2020، ص 98

[35]– عبد السلام، محمد نور. القرن الإفريقي: الأبعاد الجيوسياسية والصراع الدولي، القاهرة: دار الفكر العربي، 2018، ص 33

[36]– الطاهر، محمد الأمين. “التنافس الدولي في البحر الأحمر وانعكاساته على الأمن الإقليمي”. مجلة الدراسات الإفريقية، العدد 18، جامعة إفريقيا العالمية، 2019، ص 77–104

[37]– عوض، أحمد يوسف، مرجع سابق، ص ص 55–83.

[38]– سلمي عبد المجيد، الجغرافيا السياسية والجيوبولوتيكا مع دراسة تطبيقية على الشرق الاوسط، بيروت: دار النهضة العربية، 1999، ص 78.

[39]– الطاهر، محمد الأمين. “مرجع سابق، العدد 18، جامعة إفريقيا العالمية، 2019، ص 79–100

[40]– عوض، أحمد يوسف. مرجع سابق، مجلة الاقتصاد والتنمية، جامعة الخرطوم، المجلد 12، العدد 2، 2020، ص

[41] Rolland, N. “China’s Military Posture in the Red Sea”. Survival: Global Politics and Strategy, Vol. 62, No. 4, 2020,O pp. 45

[42]Qin, Y. A Relational Theory of World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2018, Opp. 203.

Admin

القرن الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات: مؤسسة بحثية مستقلة، تأسست عام 2020 تقوم على إعداد البحوث والدراسات والتقديرات وأوراق السياسات، وتنظيم الفعاليات العلمية والأكاديمية وتقديم الاستشارات حول التفاعلات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية في منطقة القرن الأفريقي، وما يرتبط بها من تفاعلات إقليمية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى