العلاقات الاقتصادية الصينية مع مصر وجيبوتي: منظور مقارن
د. إيمان عبد الحميد طه: (دكتوراه الاقتصاد، كلية التجارة وإدارة الأعمال، جامعة حلوان، تخصص اقتصادات التنمية، مصر)
د. بثينة فرج (مدير الإدارة العامة لتحليل المعلومات والبحوث، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مجلس الوزراء، مصر )
ملخص:
تهدف الورقة إلى تحليل تجربتي مصر وجيبوتي في إطار التعاون الاقتصادي مع الصين، من خلال دراسة حالة لكلٍ منهما، وقياس أثر هذا التعاون عبر تحليل مجموعة من المؤشرات الكمية المرتبطة بالتجارة الخارجية، والاستثمارات الصينية المباشرة، والتدفقات التمويلية. كما تسعى الورقة إلى تقديم قياس كمي أكثر شمولا لمدى عمق هذه العلاقات، وذلك من خلال بناء مؤشر مركب للارتباط الاقتصادي مع الصين، يهدف إلى قياس درجة اعتماد كل من مصر وجيبوتي على الاقتصاد الصيني، عبر تجميع عدد من المؤشرات الفرعية في إطار تحليلي موحد يغطي الفترة (2016–2025). وتشير نتائج المؤشر إلى وجود اتجاه تصاعدي ملحوظ في كل من مصر وجيبوتي خلال الفترة (2016–2025)، مع تفوق مصر في تحقيق نمط نمو مستقر ومتسارع مقارنة بجيبوتي. في المقابل، تعكس جيبوتي مستوى ارتباط مرتفعا لكنه أكثر تقلبا، بما يشير إلى اعتماد أكبر وانكشاف أعلى للمخاطر المرتبطة بالاقتصاد الصيني.
الكلمات المفتاحية: تبادل تجاري- استثمارات صينية- الدين الخارجي- فرص تصديرية- الارتباط الاقتصادي مع الصين.
مقدمة
خلال العقود الأخيرة، سعت الصين إلى تعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي عبر توسيع شبكة علاقاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، مستندة إلى نموذج تعاوني يقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة (Win–Win)، بما يعزز اندماجها المتزايد في النظام الاقتصادي الدولي. وفي هذا الإطار، أولت الصين اهتماما متناميا بتعميق علاقاتها مع الدول الإفريقية، إدراكا لما تمتلكه القارة من موارد طبيعية ومعادن استراتيجية تُعد عاملا حيويا لاستدامة النمو الاقتصادي الصيني، وفي المقابل، لما تملكه الصين من قدرات استثمارية وتقنية وخبرات تنموية يمكن أن تساهم في دعم جهود التنمية الاقتصادية في إفريقيا.
وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين الصين والدول العربية في القرن الإفريقي خلال العقدين الأخيرين تحولات استراتيجية لافتة، تعكس توجه الصين نحو توسيع حضورها الاقتصادي في إفريقيا، وتأمين مصادر الموارد، وفتح أسواق جديدة لصادراتها ومنتجاتها الصناعية. وفي هذا الإطار، تبرز كل من مصر وجيبوتي كنموذجين تحليليين مهمين لدراسة تنوع الاستراتيجيات الاقتصادية الصينية في المنطقة، نظرا لما تتمتع به كل دولة من خصائص اقتصادية مختلفة، وموقع جغرافي متميز، وأدوار استراتيجية متباينة، وهو ما يضفي بعدا مقارنا ذات أهمية على تحليل طبيعة العلاقات الاقتصادية الصينية معهما.
فمن جهة، تُعد مصر أكبر اقتصاد عربي في شمال إفريقيا، وتتمتع بموقع جغرافي فريد يربط بين قارتي إفريقيا وآسيا عبر قناة السويس، ما يجعلها سوقا رئيسا للصادرات الصينية، ومركزًا جاذبًا للاستثمارات الصينية في قطاعات متعددة، أبرزها الصناعة والطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية. ومن جهة أخرى، تمثل جيبوتي دولة صغيرة من حيث حجم الاقتصاد وعدد السكان، لكنها تحظى بأهمية استراتيجية بالغة نتيجة موقعها على البحر الأحمر وبالقرب من مضيق باب المندب، ما يجعلها نقطة محورية في حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، ويُفسر تركز الاستثمارات الصينية فيها على مشروعات البنية التحتية والموانئ والخدمات اللوجستية.
تشير البيانات إلى أن قيمة الصادرات المصرية إلى الصين بلغت 393.7 مليون دولار عام 2024، في حين بلغت واردات مصر من الصين نحو 15.5 مليار دولار. وعلى الجانب الآخر، سجلت واردات جيبوتي من الصين نحو 3.8 مليار دولار عام 2025، بينما لم تتجاوز صادراتها إلى الصين 18.4 مليون دولار خلال نفس العام[1].
أما فيما يتعلق بالاستثمارات، فقد بلغ رصيد الاستثمارات الصينية في مصر نحو 1.4 مليار دولار أمريكي عام 2024، مقارنة بحوالي 94.3 مليون دولار أمريكي في جيبوتي، ما يعكس تفاوتا كبيرا في مستوى الاستثمارات الصينية بين البلدين.
في ضوء ما سبق، تهدف هذه الورقة إلى تحليل تجربتي مصر وجيبوتي في إطار التعاون الاقتصادي مع الصين، وذلك من خلال مجموعة من المؤشرات الكمية المرتبطة بالتجارة الخارجية، والاستثمارات الصينية المباشرة، والتدفقات التمويلية. كما طورت الورقة مؤشرا مركبا لقياس عمق الارتباط الاقتصادي مع الصين، بما يعكس درجة الاعتماد الاقتصادي خلال الفترة (2016–2025).
وعلاوة على ذلك، تسعى الورقة إلى تقديم مجموعة من التوصيات المستندة إلى تحليل منهجي، بما يسهم في دعم صانعي القرار في البلدين، وتعزيز قدرتهم على تعظيم العوائد التنموية من الشراكة الاقتصادية مع الصين.
وتنقسم الورقة إلى ثلاثة أقسام: يتناول القسم الأول تطور العلاقات الاقتصادية بين الصين وجيبوتي، بينما يستعرض القسم الثاني تطور العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين، ويتطرق القسم الثالث إلى مؤشر الارتباط الاقتصادي مع الصين.
أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى :
– تحليل طبيعة وتطور العلاقات الاقتصادية بين الصين وكل من مصر وجيبوتي.
– قياس أثر التعاون الاقتصادي الصيني على مؤشرات التجارة الخارجية في البلدين.
– تقييم دور الاستثمارات الصينية المباشرة والقروض والتمويلات في دعم مسارات التنمية الاقتصادية.
– إجراء مقارنة تحليلية بين التجربتين المصرية والجيبوتية في الاستفادة من الشراكة الاقتصادية مع الصين.
– تقديم عدد من التوصيات العملية لتعظيم المكاسب الاقتصادية والتنموية من هذه العلاقات.
أهمية الدراسة:
ترتكز أهمية هذه الدراسة على الدور المتنامي للصين على الساحة الدولية، لا سيما في القارة الإفريقية، حيث تتبنى استراتيجيات توسعية متنوعة تشمل التجارة، والاستثمارات المباشرة، والتدفقات التمويلية. وتكتسب دراسة حالتي مصر وجيبوتي أهمية خاصة، نظرا لاختلافهما من حيث الحجم الاقتصادي ومستوى القدرات التنموية، مع تمتع كل منهما بموقع جغرافي استراتيجي مؤثر على حركة التجارة العالمية.
وتسعى الورقة إلى تقديم تحليل مقارن يوضح كيفية توظيف الصين لأدواتها الاقتصادية مع دول ذات خصائص هيكلية مختلفة، بما يعكس تنوع الاستراتيجيات الصينية في إفريقيا ويعزز القدرة على تقييم انعكاساتها التنموية. كما تبرز الأهمية التطبيقية من خلال تحليل آثار التعاون الاقتصادي مع الصين على التجارة والاستثمار والتنمية في كل من مصر وجيبوتي، بما يدعم صانعي القرار في تقييم جدوى هذه الشراكات وتعظيم العوائد الاقتصادية. ويكتسب البحث أهمية إضافية في ضوء ارتباط البلدين بمبادرة “الحزام والطريق”، مما يعزز دورهما كمحاور لوجستية إقليمية ومراكز محورية في شبكات التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
إشكالية الورقة والأسئلة البحثية
تنطلق الورقة من إشكالية رئيسة تتمثل في: إلى أي مدى أسهمت العلاقات الاقتصادية مع الصين في تحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية لكل من مصر وجيبوتي؟.
ويتفرع عن هذا التساؤل عدد من الأسئلة الفرعية، من أبرزها: ما طبيعة هيكل التجارة الخارجية بين الصين وكل من مصر وجيبوتي؟ إلى أي مدى أسهمت الاستثمارات الصينية في دعم القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية في البلدين؟ ما أوجه التشابه والاختلاف في الاستراتيجية الصينية تجاه مصر وجيبوتي؟ ما التحديات التي تواجه تعظيم العائد التنموي من التعاون الاقتصادي مع الصين؟
تنطلق هذه الورقة من فرضية رئيسة مفادها أن العلاقات الاقتصادية بين الصين وكل من مصر وجيبوتي قد أسهمت في تحقيق آثار إيجابية ملموسة على الأداء الاقتصادي في كلا البلدين، وإن كانت بدرجات متفاوتة. ويعزى هذا التباين إلى اختلاف الهياكل الاقتصادية، وحجم السوق، ومستوى الأهمية الاستراتيجية لكل دولة، فضلا عن تباين طبيعة القطاعات المستفيدة من التعاون الاقتصادي مع الصين.
منهجية الورقة البحثية
تعتمد هذه الورقة على المنهج التحليلي بوصفه الإطار الأنسب لفهم طبيعة وتطور العلاقات الاقتصادية بين الصين وكل من مصر وجيبوتي. ويتم تحليل هذه العلاقات من خلال مؤشرات كمية تعكس أبعاد التعاون الاقتصادي المختلفة، تشمل حجم وهيكل التجارة البينية، وتدفقات الاستثمارات الصينية المباشرة، وكذلك التمويلات والقروض المقدمة لكلٍ من البلدين، بهدف تقييم مدى إسهام هذه الأدوات في دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز التنمية.
كما تستند الدراسة إلى بناء مؤشر مركب يقيس عمق العلاقات الاقتصادية بين الصين وكل من مصر وجيبوتي، معتمدا على أبعاد رئيسة تشمل التجارة والاستثمار والتمويل. ويتيح هذا المؤشر إجراء مقارنة تحليلية دقيقة بين التجربتين، ويقدم رؤية كمية شاملة تعكس مستوى الترابط الاقتصادي وتدعم تحليل الفروق في طبيعة وحجم العلاقات بين البلدين.
المطلب الأول: العلاقات الاقتصادية بين جيبوتي والصين
تقع جمهورية جيبوتي في شرق إفريقيا، مطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وتحدها إثيوبيا وإريتريا والصومال. وتتمتع البلاد بموقع جغرافي بالغ الأهمية، إذ يتيح قربها من أحد أكثر الممرات الملاحية الدولية نشاطًا في حركة التجارة العالمية، إضافة إلى مجاورتها لمناطق إنتاج النفط في العالم العربي([2]).
سجل الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي بالأسعار الجارية نحو 4.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024، مع معدل نمو يقارب 7%، ما يعكس اقتصادا محدود الحجم نسبيا لكنه يتمتع بوتيرة نمو مرتفعة تجعل منه بيئة جاذبة للاستثمارات الإقليمية والدولية.
شهدت العلاقات بين الصين والدول الإفريقية تطورا ملحوظا منذ الإصلاحات الاقتصادية في الصين، التي وسعت نطاق التبادل التجاري والاستثماري مع القارة، لا سيما مع دول تمتلك موارد طبيعية وفروعا جغرافية استراتيجية. وتبرز دول القرن الإفريقي، وعلى رأسها جيبوتي، نظرا لموانئها الحيوية التي تربط إفريقيا بأوروبا وآسيا، وإشرافها على ممرات ملاحية دولية رئيسية.
وأصبحت الصين أحد أهم الشركاء التجاريين والمستثمرين والممولين في المنطقة، مع تركيز خاص على جيبوتي لموقعها الاستراتيجي عند تقاطع طرق الشحن العالمية وكونها المنفذ البحري الرئيس لإثيوبيا. وخلال العقد الماضي، عززت الصين حضورها في الموانئ الجيبوتية من خلال استثمارات مباشرة وتمويلات واسعة، خاصة في مجالات البنية التحتية والنقل البحري، ما منحها موطئ قدم استراتيجي في البحر الأحمر وخليج عدن.
وتستند هذه الشراكة إلى خلفية تاريخية أوسع للعلاقات الصينية–الإفريقية، بدءًا من دعم الصين لحركات التحرر الوطني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مرورًا بمشروعات تنموية كبرى مثل خط سكة حديد تنزانيا–زامبيا. ومع صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية وتزايد احتياجاتها للموارد الطبيعية وتأمين سلاسل الإمداد، تعمقت شراكاتها مع الدول الإفريقية، مدعومة بمنتديات التعاون الصيني–الإفريقي التي ركزت على التجارة والاستثمار، وتنمية البنية التحتية، وتطوير الموانئ وشبكات النقل والمشروعات الإقليمية([3]).
أولاً: التبادل التجاري بين الصين وجيبوتي
شهدت واردات جيبوتي من الصين ارتفاعا ملحوظا، حيث بلغت نحو 3.8 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بحوالي 2.2 مليار دولار في عام 2016، وهو ما يعكس توسعا واضحا في حجم التبادل التجاري بين البلدين، يميل بشكل كبير لصالح الصين. وفي المقابل، ظلت الصادرات الجيبوتية إلى الصين محدودة للغاية، إذ لم تتجاوز نحو 18.4 مليون دولار في عام 2024، مقارنة بنحو 0.1 مليون دولار في عام 2016، الأمر الذي يعكس ضعف القدرة التصديرية لجيبوتي تجاه السوق الصينية.
ونتيجة لذلك، اتسع عجز الميزان التجاري لجيبوتي مع الصين بصورة ملحوظة، ليصل إلى نحو 3.8 مليار دولار في عام 2025، مقابل حوالي 2.2 مليار دولار في عام 2016، بما يؤكد استمرار اختلال هيكل التبادل التجاري بين البلدين، وهيمنة الجانب الصيني على مسار هذه العلاقة التجارية.

Source: Trade Map Statistics.
وفي هذا السياق، احتلت الصين المرتبة الأولى بين أكبر الدول المصدرة إلى جيبوتي خلال عام 2024، حيث بلغت حصتها نحو (31.2%) من إجمالي واردات جيبوتي، تلتها المملكة العربية السعودية بنسبة (17.6%)، ثم دولة الإمارات العربية المتحدة بنسبة (17.1%)، وهو ما يعكس المكانة المتقدمة للصين كشريك تجاري رئيس للجانب الجيبوتي.
وفيما يتعلق بهيكل التجارة، تركزت أهم صادرات جيبوتي إلى الصين في المواد الكيميائية غير العضوية، التي استحوذت على نحو (79.6%) من إجمالي الصادرات في عام 2025، تلاها النحاس ومصنوعاته بنسبة (20.0%)، ما يشير إلى محدودية التنوع في القاعدة التصديرية الجيبوتية.
وعلى الجانب الآخر، تنوعت واردات جيبوتي من الصين، حيث تصدرت المركبات – باستثناء معدات السكك الحديدية أو الترام وأجزاؤها– قائمة الواردات بنسبة (19.6%) في عام 2025، تلاها الحديد والصلب بنسبة (19.1%)، ثم الآلات والمعدات الكهربائية وأجزاؤها بنسبة (7.9%)، وهو ما يعكس اعتماد جيبوتي على الواردات الصينية في تلبية احتياجاتها من السلع الصناعية ومستلزمات البنية التحتية.


Source: Trade Map Statistics.
(1) القدرات التصديرية الإجمالية وغير المستغلة لجيبوتي إلى الصين
تمتلك جيبوتي إمكانات تصديرية كبيرة إلى السوق الصيني، إلا أن الجزء الأكبر منها غير مستغل، حيث سجلت قيمة الإمكانات التصديرية المقدرة لعام 2030 من جيبوتي للصين نحو 90 مليون دولار، منها 23 مليون دولار إمكانات تصديرية غير مستغلة.
تتمثل المنتجات ذات أعلى إمكانات تصديرية من جيبوتي إلى الصين في المواد الكيميائية، والحيوانات الحية (باستثناء الدواجن)، والبذور الزيتية. وتُظهر المواد الكيميائية أكبر فجوة مطلقة بين الإمكانات التصديرية والقيم الفعلية للصادرات، مما يتيح فرصة لتحقيق صادرات إضافية تقدر بنحو 13 مليون دولار، وهو ما يمثل 56.5% من الإمكانات التصديرية غير المستغلة.
(2) الاستثمارات الصينية في جيبوتي
1. 2. 1 الاستثمارات الصينية المباشرة في جيبوتي
بلغت قيمة الاستثمارات الصينية المباشرة في جيبوتي نحو 94.3 مليون دولار أمريكي في عام 2024، بينما سجلت أعلى مستوياتها في عام 2017 بنحو 232.9 مليون دولار، وهو ما يعكس تراجعا ملحوظا في تدفقات الاستثمار خلال السنوات التالية. ورغم هذا الانخفاض، تظل الاستثمارات الصينية عنصرا مؤثرا في هيكل الاقتصاد الجيبوتي، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالموانئ والخدمات اللوجستية، ما يعزز من الدور المحوري لجيبوتي كمركز لوجستي إقليمي.

Source: China Africa Research Initiative: Available at: https://lucid-cari.squarespace.com/chinese-investment-in-africa
أبرز مناطق الاستثمارات الصينية في جيبوتي
تتركز الاستثمارات الصينية في جيبوتي في عدد محدود من المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية اللوجستية والاقتصادية العالية، وهو ما يعكس طبيعة الدور الذي تلعبه جيبوتي كمحور للنقل والتجارة في منطقة القرن الإفريقي. وفيما يلي أبرز هذه المناطق:
(أ) منطقة دوراليه
تُعد منطقة دوراليه غرب العاصمة جيبوتي المركز الأهم للاستثمارات الصينية، وتتكون من:
– ميناء دوراليه متعدد الأغراض: يعتبر هذا الميناء محورا رئيسيا لاستثمارات China Merchants Group في جيبوتي، إذ يرتبط بمشروع سكة حديد أديس أبابا–جيبوتي ومنطقة التجارة الحرة الدولية، ضمن استراتيجية تهدف إلى تحويل جيبوتي إلى مركز تجاري عالمي وتعزيز دورها كمحور لوجستي إقليمي.
– منطقة التجارة الحرة في جيبوتي: يُعد هذا المشروع الضخم من المبادرات الصينية بقيادة China Merchants Group، ويهدف إلى أن تصبح أكبر منطقة تجارة حرة في إفريقيا، ما يعكس الطموح الصيني لتعزيز حضورها الاقتصادي في المنطقة وتطوير البنية التحتية التجارية واللوجستية في جيبوتي([4]).
– محطة حاويات دوراليه: يمثل هذا المشروع استثمارا صينيا في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية، حيث تستخدم المحطة كمحور رئيسي لتداول الحاويات وربطها بشبكة النقل الإقليمية.
(ب) ممر أديس أبابا – جيبوتي:
يعد هذا أول خط سكة حديد كهربائي عابر للحدود في إفريقيا، وقد تم تمويله وبناؤه بواسطة شركات صينية. ويمثل هذا الممر شريانا اقتصاديا حيويا يعزز من دور جيبوتي كمركز لوجستي رئيس لإثيوبيا، ويتيح ربط البضائع بسلاسة بين الميناء والأسواق الإقليمية([5]).
(ج) منطقة دامرجوج:
تمثل توسعا ملموسًا للاستثمارات الصينية، لا سيما في الموانئ المتخصصة والقطاعات المرتبطة بالصناعات البحرية، بما يعكس استراتيجية بكين لتعزيز حضورها اللوجستي والاقتصادي في منطقة البحر الأحمر([6]).
ويلاحظ مما سبق أن الاستثمارات الصينية تتركز في قطاعات حيوية مثل الموانئ وقطاع النقل، وجميعها تهدف إلى تعزيز مكانة جيبوتي كمركز لوجستي عالمي، بما يتوافق مع أهداف مبادرة الحزام والطريق في تعزيز الربط التجاري والاقتصادي الإقليمي والدولي.
القروض
بلغ عدد القروض التي حصلت عليها جيبوتي من الصين خلال الفترة (2000–2024) نحو 13 قرضا بإجمالي قيمة قدرها 1.6 مليار دولار. ويوضح الشكل توزيع هذه القروض حسب القطاعات، بما يعكس أولويات التمويل الصيني وطبيعة العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
يتبين أن قطاع النقل استحوذ على النصيب الأكبر من القروض الصينية، بقيمة إجمالية بلغت نحو مليار دولار موزعة على 6 قروض، وهو ما يشير إلى تركيز واضح على تمويل مشروعات البنية التحتية للنقل، ولا سيما الموانئ والسكك الحديدية والطرق، بما يخدم الدور اللوجستي الاستراتيجي لجيبوتي في القرن الإفريقي ويربطها بالدول الحبيسة، وعلى رأسها إثيوبيا.
ويأتي قطاع المياه والصرف الصحي وإدارة المخلفات في المرتبة الثانية، بقيمة قروض بلغت نحو 367 مليون دولار عبر قرضين، ما يعكس اهتماما نسبيا بتحسين الخدمات الأساسية ودعم الاستدامة الحضرية، وإن كان هذا الاهتمام أقل مقارنة بالتمويل الموجه للبنية التحتية الاستراتيجية.
أما قطاع الصناعة والتجارة والخدمات فقد حصل على تمويل محدود نسبيا بلغ نحو 150 مليون دولار عبر قرض واحد، في حين جاءت القروض الموجهة إلى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عند مستوى منخفض قدره 30.4 مليون دولار (قرضان).
ويعكس هذا التوزيع تركيز القروض الصينية على القطاعات الاستراتيجية، لا سيما قطاع النقل، بما يعزز الدور اللوجستي لجيبوتي، في مقابل تمويل محدود للقطاعات الإنتاجية، وهو ما يثير التساؤل حول استدامة الأثر التنموي طويل الأجل لهذه القروض.

Source: Global Development Policy Center, Available at: https://www.bu.edu/gdp/chinese-loans-to-africa-database/
وعلى الجانب الآخر، استحوذت الصين على نحو 41.5% من إجمالي الدين الخارجي لجيبوتي في عام 2024، مقارنة بحوالي 52.1% في عام 2016، وهو ما يعكس الوزن النسبي الكبير للتمويل الصيني ضمن الهيكل المالي الجيبوتي، ويبرز اعتماد الدولة على الصين كممول رئيسي لمشروعاتها التنموية والاستراتيجية.

Source: Calculated depending on World Bank, International Debt Statistics. Available at: https://sl1nk.com/krpl7ir
كما يعكس استحواذ الصين على نحو نصف الدين الخارجي لجيبوتي مستوى مرتفع من الاعتماد التمويلي على بكين، وهو ما يحمل دلالات مباشرة على استدامة الدين وقدرة الدولة على إدارة مرونتها المالية في مواجهة التزاماتها الخارجية.
المطلب الثاني: العلاقات الاقتصادية المصرية – الصينية
تُعد العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين من أبرز نماذج التعاون بين دول الجنوب، حيث تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة؛ تسعى مصر من خلالها إلى دعم خطط التنمية الوطنية، في حين تهدف الصين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي على المستوى العالمي.
وفي هذا الإطار، يهدف هذا الجزء من الورقة البحثية إلى تحليل طبيعة العلاقات الاقتصادية المصرية–الصينية من خلال استعراض تطور التبادل التجاري وهيكله وحجم الاستثمارات، بالإضافة إلى دور المبادرات الدولية، وعلى رأسها الحزام والطريق. كما يسلط التحليل الضوء على التحديات التي تواجه هذه العلاقة، لا سيما ما يتعلق بعجز الميزان التجاري وهيكل المديونية، بما يتيح تقييم أثر التعاون الاقتصادي على التنمية المستدامة في مصر.
أولا: التبادل التجاري بين مصر والصين
2. 1. 1. تطور حجم التبادل التجاري عبر الزمن
تعكس بيانات التجارة الخارجية بين مصر والصين نموا متسارعا في حجم التبادل التجاري خلال العقود الأخيرة. فبعد أن كان حجم التجارة بين البلدين نحو 1.3 مليار دولار في عام 2006، ارتفع تدريجيا ليصل إلى ما بين 7 و10 مليارات دولار بحلول عام 2010، ثم واصل الصعود ليبلغ نحو 15.9 مليار دولار في عام 2024. ويظهر هذا التطور أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين شهدت تضاعفا يزيد على 15 مرة خلال نحو عقدين، وهو ما يعكس تعمق الروابط التجارية واتساع نطاق التعاون الاقتصادي، لا سيما في ظل انفتاح مصر على الأسواق العالمية وتوسع الدور الاقتصادي للصين على الصعيد الإقليمي والدولي.

Source: Trade Map Statistics.
2. 1. 2 هيكل التجارة بين البلدين
(أ) الصادرات المصرية إلى الصين
أظهرت البيانات انخفاضا في قيمة الصادرات المصرية إلى الصين، حيث بلغت نحو 393 مليون دولار فقط في عام 2024، أي أقل من 3% من إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين. ويعكس هذا الرقم محدودية القدرة التصديرية لمصر في السوق الصيني، فضلًا عن تركز الصادرات في منتجات أولية مثل المواد الخام والمنتجات البترولية. كما يؤكد ذلك أن مصر لم تصل بعد إلى اختراق السوق الصيني بمنتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة، مما يضعف قدرتها على تحقيق توازن تجاري مستدام مع الصين.

Source: Trade Map Statistics.
تشير البيانات إلى أن إجمالي الصادرات المصرية إلى الصين يظل محدودا مقارنة بحجم الواردات، حيث تتوزع هذه القيم على مجموعة من السلع التي لا تتجاوز في معظمها مئات الملايين من الدولارات. ويعد أعلى بند تصديري الفواكه والمكسرات بقيمة 67.1 مليون دولار، يليه الألياف النباتية بنحو 56.3 مليون دولار، والوقود والزيوت المعدنية بمقدار 43.9 مليون دولار، ثم الأحجار ومواد البناء بقيمة 43.6 مليون دولار، وهو ما يعكس اعتماد مصر بشكل رئيسي على تصدير المنتجات الزراعية والمواد الخام.
وتشمل مجموعة الصادرات الأخرى النحاس ومصنوعاته بقيمة 40.5 مليون دولار، والخامات والمعادن (خامات، خبث، رماد) بنحو 36 مليون دولار، مما يبرز محدودية التنوع في الصادرات المصرية إلى السوق الصيني واعتمادها على سلع ذات قيمة مضافة منخفضة.
(ب) الواردات المصرية من الصين
تُظهر البيانات أن الواردات المصرية من الصين تمثل الجزء الأكبر من حجم التبادل التجاري بين البلدين، حيث بلغت نحو 15.5 مليار دولار في عام 2024، أي ما يقرب من 97% من إجمالي التجارة الثنائية. ويعكس هذا الرقم اعتمادا كبيرا.
من جانب مصر على المنتجات الصينية، لا سيما في مجالات الآلات والمعدات والأجهزة الإلكترونية والسلع الصناعية. كما يشير هذا النمط إلى وجود فجوة صناعية واضحة، إذ تلجأ مصر إلى استيراد احتياجاتها الإنتاجية والاستهلاكية من الخارج، مما يعزز تبعيتها لسلاسل الإمداد الصينية.

Source: Trade Map Statistics.
تشير البيانات إلى هيمنة السلع التكنولوجية والصناعية على الواردات المصرية من الصين، حيث يُمثل الآلات والمعدات الكهربائية والإلكترونية أكبر بند بقيمة نحو 3.53 مليار دولار، ما يعكس اعتماد مصر الكبير على الصين في استيراد التكنولوجيا والمنتجات الكهربائية، بما في ذلك أجهزة الاتصالات والإلكترونيات الاستهلاكية. ويأتي في المرتبة الثانية الآلات والمعدات الميكانيكية، بما في ذلك المفاعلات والغلايات والمعدات الصناعية، بقيمة 2.1 مليار دولار، وهو ما يؤكد أن جزءا كبيرا من الواردات مرتبط بمدخلات الإنتاج والقطاع الصناعي.
تحتل السلع الوسيطة المرتبطة بالصناعة مكانة بارزة في واردات مصر من الصين، مثل الخيوط الصناعية (1.1 مليار دولار)، والمواد الكيميائية العضوية (1.03 مليار دولار)، والحديد والصلب (0.99 مليار دولار)، والبلاستيك ومصنوعاته (0.85 مليار دولار)، مما يعكس اعتماد الصناعة المصرية على المواد الخام والوسيطة المستوردة من الصين وارتباط سلاسل الإنتاج المحلية بالاقتصاد الصيني. كما بلغت واردات مصر من المركبات وأجزائها نحو 1.08 مليار دولار، ما يشير إلى اعتماد مصر على الصين في السلع الاستهلاكية والقطاعات الرأسمالية المهمة.
تظهر البيانات اعتماد المصانع المحلية على خامات المنسوجات المستوردة، حيث بلغت واردات الأقمشة المحبوكة نحو 605 ملايين دولار، والألياف الصناعية 394 مليون دولار. كما أبرزت البيانات الطلب الكبير على مواد البناء والصناعة، مع واردات الحديد والصلب بقيمة 987 مليون دولار، ومصنوعات الحديد 463 مليون دولار، مما يؤكد دور الصين كمورد رئيسي للمواد الأساسية للقطاعات الصناعية والبنائية في مصر.
(ج) الميزان التجاري
يظهر الميزان التجاري بين مصر والصين عجزًا كبيرًا لصالح الصين بلغ نحو 15.15 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يعد من أبرز السمات الهيكلية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. ويعكس هذا العجز فجوة كبيرة بين قدرات الإنتاج والتصدير في مصر مقارنة بالصين، ويشير إلى عدم تكافؤ العلاقة الاقتصادية، حيث تعتمد مصر على الاستيراد بما يفوق قدرتها على التصدير، مما يفرض ضغوطًا على الاقتصاد، لا سيما في تأمين العملة الأجنبية اللازمة لتغطية الفجوة التجارية.

Source: Trade Map Statistics.
2. 1. 3 القدرات التصديرية الإجمالية وغير المستغلة لمصر إلى الصين
تمتلك مصر إمكانات تصديرية كبيرة إلى سوق الصين، إلا أن الجزء الأكبر منها لا يزال غير مستغل، ما يعكس فجوة بين القدرة الإنتاجية وإمكانية النفاذ إلى السوق الصيني. وتشير البيانات إلى أن الصادرات الحالية تبلغ 417 مليون دولار مقارنة بالإمكانات الكاملة البالغة 744 مليون دولار، أي أن مصر تستغل نحو 56% فقط من قدراتها التصديرية. وتصل قيمة القدرات غير المستغلة إلى 575 مليون دولار، ما يشير إلى وجود منتجات لديها فرص هائلة في السوق الصيني لكنها لا تُصدر أو تُصدر بكميات ضئيلة جدًا. وبالتالي، يتطلب تعزيز التصدير عدم الاقتصار على زيادة كميات المنتجات الحالية، بل تنويع السلة التصديرية وإدخال منتجات جديدة للسوق الصيني.
ثانيا: الاستثمارات الصينية في مصر
2. 2. 1 الاستثمارات الصينية المباشرة في مصر
شهدت الاستثمارات الصينية في مصر خلال الفترة من( 2004/2005 ) إلى ( 2024/2025 ) تقلبات ملحوظة، مع تحقيق نمو إجمالي قوي على المدى الطويل. فقد بدأت التدفقات الاستثمارية عند مستوى منخفض جدا بلغ 0.8 مليون دولار في 2004/2005، وارتفعت تدريجيًا إلى 17.5 مليون دولار في 2007/2008، ثم سجلت قفزة كبيرة إلى 60 مليون دولار في 2008/2009، قبل أن تتذبذب بين 26.9 و73.6 مليون دولار في السنوات التالية.
ابتداءً من 2014/2015، لوحظ نمو ملحوظ حيث ارتفعت الاستثمارات من 60.5 مليون دولار إلى 150.6 مليون دولار في 2016/2017، ثم إلى 239.5 مليون دولار في 2018/2019، ووصلت إلى ذروتها عند 956.7 مليون دولار في 2022/2023، قبل أن تتراجع إلى مستوى متوقع قدره 277.6 مليون دولار في 2024/2025.
ويعكس هذا الاتجاه الاهتمام الصيني المتزايد بالاستثمار في مصر على المدى الطويل، مع تقلبات قصيرة الأجل تتأثر بالعوامل الاقتصادية والسياسية والبيئة الاستثمارية المحلية والدولية.

المصدر: البنك المركزي المصري.
2. 2. 2 أبرز مناطق الاستثمار
(أ) المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
تعد منطقة TEDA الصناعية في مصر نموذجا ناجحا للتعاون الصيني-المصري، إذ تضم أكثر من 185 شركة باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار وتوفر نحو 10 آلاف وظيفة. يجري حاليًا التوسع بإضافة 3 كم² باستثمارات 100 مليون دولار لاستيعاب صناعات متقدمة. [7] وتتميز المنطقة بارتفاع نسبة المكون المحلي (أكثر من 70% في بعض المصانع)، ما يعزز التكامل الصناعي ويدعم مكانة مصر كمركز إقليمي للإنتاج([8]).
(ب) العاصمة الإدارية الجديدة
تعد منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة أحد أبرز مشروعات التعاون المصري–الصيني ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، حيث تستهدف إنشاء مركز متطور للمدن الذكية ودعم التحديث الاقتصادي([9]). ويبرز فيها مشروع البرج الأيقوني كأطول ناطحة سحاب في إفريقيا بارتفاع يتجاوز 385 مترًا([10])، ويتم تنفيذه بواسطة شركة CSCEC الصينية، بما يعكس نقل الخبرات في تنفيذ المشروعات الكبرى وتعزيز البنية التحتية الحديثة في مصر.
2. 3 مبادرة الحزام والطريق ودور مصر
تمثل مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها الصين عام 2013 إحياء لطريق الحرير عبر تعزيز التجارة والاستثمار والبنية التحتية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وتبرز أهمية مصر بفضل موقعها الاستراتيجي، خاصة قناة السويس التي تشكل حلقة وصل رئيسية بين المسارات البرية والبحرية. وعزز مشروع قناة السويس الجديدة (افتُتح 2015) كفاءة الممر الملاحي ومكانته العالمية، فيما تواصل مصر تطوير القناة والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها بهدف التحول إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي، مع التركيز على خدمات الإمداد وتموين السفن بالوقود الأخضر لدعم التجارة وسلاسل الإمداد([11]).
يشير تقرير “استثمارات مبادرة الحزام والطريق لعام 2025” إلى دخول المبادرة مرحلة توسع غير مسبوقة، مع تسجيل مستويات قياسية من الاستثمارات والتعاقدات، ما يعكس تحولها إلى أداة رئيسية في الاستراتيجية الاقتصادية الخارجية للصين وتعزيز نفوذها العالمي.
ويبرز قطاع الطاقة كمحرك رئيسي لهذا التوسع، من خلال الاستثمار في النفط والغاز والطاقة المتجددة، ضمن نهج يوازن بين تأمين الاحتياجات والتدرج نحو الاقتصاد الأخضر. كما يعكس النمو في استثمارات التعدين والمعادن أهمية الموارد الاستراتيجية، لا سيما المعادن المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة مثل النحاس، لدعم تكامل سلاسل القيمة الصناعية الصينية عالميا.
جغرافيا، يتركز التوجه نحو إفريقيا، مستفيدًا من وفرة الموارد والمزايا التنافسية، مع صعود مصر وكازاخستان كمراكز محورية لربط الأقاليم المختلفة. وتظل مشروعات البنية التحتية والإنشاءات مهيمنة، مدعومة بتمويلات مرتبطة بالموارد، بالتوازي مع تزايد دور الشركات الخاصة لتعزيز كفاءة وتنوع الاستثمارات.
ومن المتوقع استمرار توسع المبادرة مستقبلًا لتأمين سلاسل الإمداد وتنويع الأسواق، مع تركيز أكبر على القطاعات الاستراتيجية عالية القيمة مثل الطاقة والتكنولوجيا والتعدين، رغم احتمال تراجع نسبي في حجم الصفقات الكبرى([12])
2. 4 المديونية الخارجية لمصر من الصين
يتضح من بيانات توزيع الدين الخارجي لمصر حسب العملات الرئيسية في نهاية يونيو 2025 أن نصيب اليوان الصيني من إجمالي المديونية الخارجية يبلغ 3.7%، ما يعادل نحو 5.9 مليار دولار، وهو ما يعكس مستوى محدودًا نسبيًا من الاعتماد على التمويل الصيني مقارنة بالعملات الأخرى مثل الدولار واليورو.
هيكل الدين الخارجي حسب العملات في نهاية يونيو 2025

المصدر: البنك المركزي المصري.
وبالنسبة لهيكل الدين الخارجي وفقا للدائنين في نهاية يونيو 2025، بلغ رصيد المديونية المستحق للصين نحو 9.6 مليار دولار، أي ما يمثل 5.9% من إجمالي المديونية الخارجية لمصر، مما يعكس وزنا ملموسًا للتمويل الصيني ضمن مزيج الديون الخارجية، رغم أنه لا يزال أقل من حصة بعض الدائنين الآخرين.
هيكل الدين الخارجي حسب الدائنين في نهاية يونيو 2025

المصدر:البنك المركزي المصري.
في ضوء ما سبق، تتسم العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين بعمق متزايد وتنوع في مجالات التعاون، لكنها تعكس نمطًا غير متوازن يميل لصالح الصين، خاصة في الميزان التجاري وهيكل الإنتاج. فبينما تستفيد مصر من الاستثمارات الصينية ومشروعات البنية التحتية الكبرى، فإن اعتمادها الكبير على الواردات يفرض تحديات مستمرة على الاقتصاد الوطني، لا سيما فيما يتعلق بتأمين العملة الأجنبية واستدامة النمو.
وتشير البيانات إلى أن القدرات التصديرية غير المستغلة تصل إلى نحو 575 مليون دولار، وتشمل منتجات لا تُصدر حاليًا أو تُصدر بكميات محدودة للغاية، ما يعكس فرصًا تصديرية كبيرة. ومن ثم، فإن تعظيم الاستفادة من هذه الإمكانات لا يقتصر على زيادة كميات الصادرات الحالية، بل يتطلب تنويع الهيكل التصديري وإدخال منتجات جديدة ذات قيمة مضافة أعلى، بما يعزز القدرة التنافسية للصادرات المصرية ويحد من العجز التجاري مع الصين.
هذا، وتمثل مبادرة الحزام والطريق فرصة حقيقية لمصر لتعزيز موقعها كمركز لوجستي وصناعي عالمي، شرط توظيف الشراكة بشكل متوازن يحمي المصالح الوطنية ويحد من الاختلالات الهيكلية في العلاقة الاقتصادية. وبذلك، يمكن لمصر أن تتحول من سوق مستهلك للمنتجات الصينية إلى شريك إنتاجي فاعل ضمن سلاسل القيمة العالمية، بما يدعم تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
ثالثا: مؤشر الارتباط الاقتصادي مع الصين
يهدف مؤشر الارتباط الاقتصادي مع الصين إلى قياس درجة اعتماد كل من مصر وجيبوتي على الاقتصاد الصيني خلال الفترة (2016–2025)، من خلال بناء مؤشر مركب يعكس عمق العلاقات الاقتصادية الثنائية. ويستند هذا المؤشر إلى ثلاثة أبعاد رئيسة تمثل قنوات الارتباط الاقتصادي، وهي:
– التبادل التجاري مع الصين: قياس حجم التجارة الثنائية من واردات وصادرات لتحديد مدى الاعتماد التجاري.
– رصيد الاستثمارات الصينية المباشرة: تقييم حجم الاستثمارات الصينية في مختلف القطاعات لتقدير تأثيرها على النشاط الاقتصادي المحلي.
– إجمالي رصيد الدين الخارجي المستحق للصين: تحليل الاعتماد التمويلي على الصين من خلال الديون والقروض المستحقة، بما يعكس الأبعاد المالية للعلاقات الاقتصادية.
مكونات المؤشر
تم اختيار المؤشرات الفرعية لكونها تمثل أهم قنوات الانكشاف الاقتصادي على الصين:
– مؤشر التبادل التجاري: يعكس درجة الاندماج التجاري واعتماد الاقتصاد المحلي على السوق الصينية.
– مؤشر الاستثمارات الصينية المباشرة: يعبر عن حجم الاستثمارات المتراكمة داخل الدولة ووجودها في القطاعات المختلفة.
– مؤشر الدين الخارجي للصين: يقيس الالتزامات المالية المستحقة للصين، بما يعكس الاعتماد المالي وتأثيره على مرونة السياسة المالية.
معالجة البيانات وتوحيد القياس
تم استخدام أسلوب Max-Min Normalization Method لتوحيد القيم وتحويلها إلى نطاق قياسي يتراوح بين (0 و1)، وذلك وفقًا للمعادلة التالية:

: القيمة المعيارية للمؤشر.
X: القيمة الأصلية للمؤشر.
Xmin وXmax: تمثلان القيمتين الدنيا والعظمى للمؤشر خلال فترة الدراسة
بناء وتفسير نتائج المؤشر المركب
بعد توحيد القيم، تم احتساب المؤشر المركب باستخدام المتوسط الحسابي البسيط للمؤشرات الفرعية الثلاثة، مع منح كل بُعد وزنًا متساويًا. ويعكس المؤشر درجة الارتباط الاقتصادي مع الصين على مقياس يتراوح بين 0 و100، حيث تشير القيم المرتفعة إلى اعتماد أكبر على الصين في مجالات التجارة والاستثمار والتمويل، فيما تعكس القيم المنخفضة ارتباطًا محدودًا.
ويترتب على ارتفاع مستوى الاعتماد زيادة حساسية الاقتصاد لأي تغيرات أو أزمات قد تحدث في الصين، مما يستدعي متابعة السياسات الاقتصادية وتنويع مصادر العلاقات الخارجية لتقليل أي تأثير محتمل.
نتائج المؤشر
تشير نتائج مؤشر الارتباط الاقتصادي مع الصين إلى وجود تباين واضح في طبيعة ومسار العلاقة الاقتصادية للصين مع كل من مصر وجيبوتي خلال الفترة 2016–2025. ففي حالة مصر، يُلاحظ اتجاه تصاعدي قوي ومستمر في قيمة مؤشر الارتباط الاقتصادي مع الصين، حيث ارتفع من مستويات منخفضة نسبيًا في بداية الفترة (حوالي 5.8 نقطة في 2016) إلى مستويات مرتفعة جدًا بلغت 96.0 نقطة في عام 2025، مما يعكس تعمق العلاقة الاقتصادية بين البلدين وتوسع التعاون في الاستثمارات والتجارة، وانتقالها نحو شراكة اقتصادية استراتيجية.
في المقابل، تُظهر العلاقة الاقتصادية بين جيبوتي والصين نمطًا متقلبًا، حيث ارتفع المؤشر من 15.1 نقطة في 2016 إلى نحو 67.0 نقطة في 2025 بعد تقلبات متعددة، مما يعكس اعتمادًا مرتفعًا لكنه غير مستقر على الصين، مرتبطًا بشكل خاص بالتقلبات في التمويل الخارجي ومشروعات البنية التحتية والدين الخارجي.
على الرغم من الاتجاه التصاعدي لمؤشر الارتباط الاقتصادي مع الصين في مصر والجمهورية الجيبوتية، إلا أن هذا التعمق في الارتباط يزيد من التعرض للمخاطر الاقتصادية والسياسية، نظرًا لاعتماد هذه الدول المتزايد على شريك اقتصادي واحد وما يصاحبه من حساسية لصدمات الاقتصاد الصيني أو تغييرات سياساته الاستثمارية.
وفي هذا السياق، تبدو جيبوتي أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية والسياسية بسبب اعتمادها على التمويل القائم على الديون والاستثمارات في مشروعات البنية التحتية المرتبطة بشروط سياسية وتجارية، بينما تتمتع مصر بدرجة أعلى من التنوع الاقتصادي تمنحها مرونة أكبر تجاه أي تغيرات مفاجئة في السياسات الصينية أو الأسواق العالمية.
وعليه، فإن أي تباطؤ اقتصادي أو اضطرابات مالية في الصين قد تؤثر سلبًا على كلا الاقتصادين، مما يبرز أهمية تعزيز المرونة الاقتصادية والسياسية عبر تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على شريك واحد وإدارة المخاطر النظامية لحماية المصالح الوطنية واستقرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

خاتمة الدراسة:
خلصت الورقة إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الصين وكل من مصر وجيبوتي تمثل نموذجاً للتعاون، قائم على مبدأ المنفعة المتبادلة. ومع ذلك، كشف التحليل الكمي والمقارن عن وجود تفاوت هيكلي واضح لصالح الجانب الصيني.
فقد أظهرت النتائج أن مصر وجيبوتي تواجه عجز تجاري ملحوظ؛ ففي مصر بلغت الواردات من الصين 15.5 مليار دولار مقابل صادرات لم تتجاوز 393.7 مليون دولار عام 2024. وفي جيبوتي، سجل العجز نحو 3.8 مليار دولار عام 2025. هذا، وتمتلك مصر قدرات تصديرية غير مستغلة للسوق الصيني تقدر بنحو 575 مليون دولار.
كما تمثل الصين الدائن الرئيسي لجيبوتي بنسبة 41.5% من إجمالي دينها الخارجي عام 2024، بينما بلغت مديونية مصر للصين نحو 9.6 مليار دولار، أي ما يمثل 5.9% من إجمالي مديونيتها الخارجية.
وفي ضوء ما سبق، توصي الورقة بعدد من الإجراءات لتعزيز التعاون بين الصين وكل من مصر وجيبوتي، أبرزها:
1. تعزيز الاستدامة الهيكلية وتعميق القيمة المضافة:
يتطلب ذلك تحويل الشراكة مع الصين من مجرد تمويل إلى توطين صناعي كامل، كما يظهر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنطقة “تيدا” الصناعية. ويعتمد نجاح هذا المسار على رفع نسبة المكون المحلي ونقل التكنولوجيا، لتحويل مصر إلى مركز لتصدير المنتجات محلي الصنع، مع استثمار الزخم لتعزيز الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
2. إدارة الانكشاف للمخاطر وتعزيز المرونة الاقتصادية:
تستدعي طبيعة الارتباط الاقتصادي، كما في حالة جيبوتي، تبني سياسات تحوط وتنويع الشركاء لتقليل هشاشة الديون، مع تطوير آليات إنذار مبكر، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وبناء قاعدة إنتاجية محلية قوية لضمان استقرار مالي وتقليل التبعية الاقتصادية.
[2] – Global EDGE – Your source for Global Business Knowledge, Djibouti: Introduction. Michigan State University.
[3] Mohamed, I., K. Impact of China’s Investment on Africa Trade and Financing: Case of Djibouti. Advanced International Journal of Banking, Accounting, and Finance, 3 (9),2021, p 75-85.
([4] (-Styan, David. “Doraleh Multipurpose Port (Phase I). The People’s Map of Global China, March 4, 2022. https://l1nq.com/ubludr4.
([5]) -Caixin Global, Chinese firms end six-year operation running Addis Ababa–Djibouti railway, 14 May 2024. https://l1nq.com/m37z3sf
([6])- Elmi, A, Chinese conglomerate to use Djiboutian port for gas exports. Dawan Africa, 20 November 2025.
([7])- China-Africa TEDA Investment Co., Ltd., “A Decade of Achievements | Xinhua Net’s English-Language Front Page Highlights the 10-Year Accomplishments of the TEDA Cooperation Zone,” January 27, 2026, https://l1nq.com/x1yjb34
([8])-Egyptian cabinet, October 20 , 2026 ، https://acesse.one/ckr80df
([9])- ARABIC.NEWS.CN, January2, 2026, available at: https://l1nq.com/12zwaxz
([10])- CSCEC, https://ar.cscec.com/xsd/.
([11]) -Information and decision support center, مصر قوة إقليمية كبرى في النظام العالمي الجديد, March 23, 2025, available at: https://www.idsc.gov.eg/Article/details/10768
([12] )-Green Finance & Development Center, China Belt and Road Initiative (BRI) Investment Report 2025. Available at: https://greenfdc.org/china-belt-and-road-initiative-bri-investment-report-2025/.




