العمق العابر للأقاليم: الاستراتجية الصينية في القرن الأفريقي
د. عبد الوهاب الطيب بشير
مركز البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة أفريقيا العالمية، الخرطوم، السودان
المستخلص
يسعى البحث إلى تقديم مقاربة تدمج التحليل الجيوسياسي بالديناميات الاقتصادية والأمنية، لفهم صعود الصين كفاعل دولي يعيد صياغة التفاعلات الإقليمية في الفضاء الممتد من القرن الأفريقي إلى الشرق الأوسط. وتكمن أهميته في تقديم إطار نظري جديد هو “العمق العابر للأقاليم”، الذي يتجاوز المفهوم التقليدي للعمق الاستراتيجي عبر ربط الممرات البحرية والموانئ والبنى التحتية وسلاسل الإمداد ضمن رؤية تكاملية، خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق.
تهدف الدراسة إلى تأصيل هذا المفهوم نظريًا، وتحليل الأسس الفكرية والاستراتيجية للحضور الصيني، وكشف آليات إدارة التفاعلات الإقليمية عبر الاقتصاد والأمن البحري والدبلوماسية متعددة المسارات، واستشراف ملامح شرق أوسط جديد من منظور القرن الأفريقي كمرتكز جيوستراتيجي.
تنطلق الدراسة من قصور الأدبيات التقليدية في تفسير طبيعة هذا الحضور المركب، وتفترض أن الصين لا تعتمد التمدد الجغرافي التقليدي، بل سياسات “العمق العابر للأقاليم” القائمة على الربط بين المجالات الحيوية بأدوات اقتصادية وتنموية وأمنية ناعمة، ما يمكنها من إعادة تشكيل التفاعلات الإقليمية دون مواجهات مباشرة مع القوى الدولية.
تضمنت الدراسة محاور: التأصيل النظري، الأسس الاستراتيجية للصعود الصيني (الموانئ، القواعد، الممرات، الأمن البحري)، وآليات إدارة التفاعلات وبناء شرق أوسط جديد، وانتهت بنتائج وتوصيات حول مستقبل التوازنات الإقليمية.
المقدمة:
يمثل مفهوم “العمق العابر للأقاليم” أحد المداخل التحليلية المتقدمة لفهم التحولات الجيوسياسية، والجيوبوليتيكة المعاصرة، حيث لم تعد الأقاليم وحدات مغلقة، بقدر ما هي تخوم وفضاءات متداخلة يتم إعادة صياغة تفاعلاتها عبر فاعلين دوليين يمتلكون أدوات متعددة المستويات. وفي هذا السياق، تبرز الصين كفاعل استراتيجي يعيد تعريف العلاقة بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط ضمن رؤية تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية، لتنفذ إلى بناء “نطاق تفاعلي ممتد” قائم على الاقتصاد، والبنية التحتية، والحوكمة الأمنية المرنة.
غير أنه، ومن منظور نقدي، لا يمكن فهم الاستراتيجية الصينية بمعزل عن مبادرة الحزام والطريق، التي تشكل الإطار الناظم لهذا العمق العابر، فالصين لا تتعامل مع القرن الأفريقي بوصفه هامشاً، أو تخوماً طرفية بل كنقطة ارتكاز (Pivot) لإعادة توجيه تدفقات التجارة والطاقة نحو الشرق الأوسط، بطريقة تمكنها من إعادة تشكيل موازين القوة في المجالين العربي والأفريقي. بناءاً عليه، يصبح البحر الأحمر وخليج عدن فضاءً وظيفياً موحداً، تتم فيه عملية التفاعلات عبر منطق “التكامل الانتقائي” لا “التحالفات الصلبة”.
لكن، وفي المقابل، ربما نجد هذا التمدد لا يخلو من إشكاليات بنيوية. فمن جهة، تعتمد الصين على أدوات “القوة الناعمة الاقتصادية” مثل التمويل والبنية التحتية، لكنها في الواقع تؤسس لنمط من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، قد يفضي إلى إعادة إنتاج التبعية في شكل جديد. ومن جهة أخرى، تسعى إلى تقديم نفسها كفاعل “محايد سياسياً”، إلا أن انخراطها المتزايد في إدارة الموانئ، وتأمين خطوط الملاحة، يطرح تساؤلات حول تحولها التدريجي إلى فاعل أمني ضمني.
ويمكن تحليلياً تفكيك هذا “العمق العابر للأقاليم” إلى ثلاثة مستويات مترابطة:
المستوى الجيو-اقتصادي، وهو عملية تُوظف الصين للاستثمارات في الموانئ والطرق والسكك الحديدية لربط الداخل الأفريقي بالأسواق الخليجية، بما يحول القرن الأفريقي إلى منصة لوجستية تخدم الاقتصاد الصيني العالمي.
أما المستوى الجيو-سياسي، فتسعى من خلاله الصين على موازنة النفوذ التقليدي للقوى الغربية، عبر بناء شراكات مرنة مع دول متباينة سياسياً، دون الانخراط في صراعاتها المباشرة.
وأخيراً المستوى الجيو-أمني الضمني، وهو ما تخطط له الصين في حماية المصالح الاقتصادية، بما قد يؤدي إلى عسكرة تدريجية غير معلنة لهذا الحضور الصيني.
لكن المقاربة النقدية تكشف مفارقة مركزية، فبينما تروج الصين لنموذج “التنمية دون شروط سياسية”، فإن الصين في الواقع تعيد تشكيل بنية القوة الإقليمية بما يخدم مركزيتها، ويؤسس لـ”شرق أوسط متمدد” تتحكم الصين في مفاصله الاقتصادية. وهنا يبرز خطر “إعادة هندسة الإقليم” وفق منطق التدخلات الخارجية، والذي قد يتقاطع أو يتصادم مع الديناميات المحلية في القرن الأفريقي.
تأسيساً عليه، فإن مقاربة “العمق العابر للأقاليم” في الاستراتيجية الصينية لا يعكس مجرد توسع جغرافي، ولكن ربما تحولاً في طبيعة النظام الدولي ذاته، من نظام قائم على الأقاليم المنفصلة إلى نظام شبكي متعدد العقد. غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرهوناً بقدرة الدول المحلية، وفي مقدمتها دول القرن الأفريقي، على التحول من مواقع الدول المستقبلة إلى مواقع الدول الفاعلة، عبر إعادة توظيف هذا العمق لصالح بناء قوة ذاتية لدول القرن الأفريقي، لا الارتهان لتوازنات خارجية متغيرة لأقطاب النظام الدولي والدول المحورية في النظم الإقليمية المتداخلة أو المجاورة للقرن الأفريقي.
ويسعى البحث إلى تقديم مقاربة تداخلية تدمج بين التحليل الجيوسياسي والديناميات الاقتصادية والأمنية للصين نتيجة التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها النظم الإقليمية المتداخلة التفاعلات، والممتد من “القرن الأفريقي” إلى “الشرق الأوسط”، في ظل صعود الصين كفاعل دولي يمكنه إعادة صياغة أنماط التفاعل الإقليمي عبر أدوات اقتصادية وتنموية وأمنية دفاعية جديدة.
وتبرز أهمية الدراسة في تقديم إطار نظري جديد يفسر كيف تسعى الصين إلى بناء “عمق عابر للأقاليم” يتجاوز المفهوم التقليدي للعمق الاستراتيجي، من خلال ربط الممرات البحرية، والموانئ، والبنى التحتية، وسلاسل الإمداد ضمن رؤية تكاملية، خاصة في إطار مشروع مبادرة الحزام والطريق، بجانب أهمية تطبيقية لفهم إعادة تشكيل توازنات القوة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارها مدخلاً جيوسياسياً لإدارة تفاعلات شرق أوسط جديد وفق الرؤية الصينية.
وتهدف الدراسة لتأصيل مفهوم “العمق العابر للأقاليم” نظرياً ضمن أدبيات العلاقات الدولية، وتحليل الأسس الفكرية والاستراتيجية للصعود الصيني في الفضاء الإقليمي الممتد بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، وتفسير سياسات وآليات إدارة الصين لتفاعلات هذا المجال الحيوي عبر الاقتصاد والأمن والدفاع البحري والدبلوماسية المتعددة المسارات، وكشف مستقبليات تشكل شرق أوسط جديد ناظراً ومنظوراً إليه من القرن الأفريقي، باعتباره محور ارتكاز جيواستراتيجية.
وتنطلق الدراسة من حجية مفادها قصور الأدبيات التقليدية في العلاقات الدولية تقديم تفسيراً كافياً لطبيعة الحضور الصيني المتنامي في “العمق العابر للأقاليم” بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، ولا لسياسات وآليات إدارة هذا التداخل المركب بين الاقتصاد والجغرافيا والأمن والعسكرة، فإلى أي مدى يمكن اعتبار “العمق العابر للأقاليم” إطاراً نظرياً صينياً يتشكل لإعادة بناء وإدارة تفاعلات شرق أوسط جديد انطلاقاً من القرن الأفريقي؟
تفترض الدراسة أن الصين لا تتحرك وفق منطق التمدد الجغرافي التقليدي، بل وفق سياسات واستراتيجية “العمق العابر للأقاليم” القائمة على ربط المجالات الحيوية، البرية والبحرية، عبر أدوات اقتصادية-تنموية وأمنية ودفاعية ناعمة، بطرق تمكنها من إعادة تشكيل محددات وأنماط التفاعل الإقليمي دون الدخول في مواجهات مباشرة مع القوى الدولية، فضلاً عن إعادة التفكير في مفهوم النفوذ الإقليمي، عبر خصوصيات التموضع الجيواستراتيجية لتداخل أو تجاور الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
أما من حيث المنهج والمنهجية، فتعتمد هذه الدراسة على مقاربة منهجية مركبة تستند إلى توظيف مجموعة من المناهج العلمية المتكاملة بما يتلاءم مع طبيعة موضوع “العمق العابر للأقاليم” باعتباره إطاراً تحليلياً يفسر الاستراتيجية الصينية في بناء وإدارة التفاعلات الممتدة من القرن الأفريقي نحو شرق أوسط جديد.
بداية من المنهج الوصفي لتوصيف أنماط التمدد الاقتصادي والاستراتيجي، ثم تحليل أدوات النفوذ، وتفسير مسارات التفاعل الجيوسياسي والجيو-اقتصادي التي تسهم في تشكيل شبكة علاقات إقليمية مترابطة تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، لتقديم صورة علمية دقيقة لبنية الاستراتيجية الصينية، بما يسمح بفهم كيفية توظيف الموقع الجغرافي والموارد الاقتصادية والممرات البحرية في بناء عمق استراتيجي ممتد بين الأقاليم.
كما توظف الدراسة “المنهج الاستقرائي” من خلال تتبع الجزئيات المرتبطة بالحضور الصيني في القرن الأفريقي والشرق الأوسط، وتحليل الوقائع الاقتصادية والاستثمارية والسياسية والعسكرية، ثم الانتقال إلى استخلاص أنماط عامة تفسر طبيعة الاستراتيجية الصينية وآليات تشكل العمق العابر للأقاليم. ويساعد هذا المسار الاستقرائي في بناء تصور تفسيري قائم على الأدلة والوقائع، حيث يتم استقراء التجارب العملية المتعلقة بالموانئ والبنية التحتية والممرات التجارية والشراكات السياسية، وصولاً إلى بناء إطار نظري يوضح كيفية تشكل شرق أوسط جديد من منظور استراتيجي صيني ينطلق من القرن الأفريقي بوصفه نقطة ارتكاز جيوسياسية.
كما تعتمد الدراسة على منهج “التحليل النقدي” بهدف تفكيك الخطاب الاستراتيجي الصيني وتحليل مضامينه الظاهرة والضمنية، والكشف عن الأبعاد غير المعلنة في سياسات الصين تجاه الإقليمين، سواء على مستوى مبادرات التعاون الاقتصادي أو الشراكات السياسية أو مشاريع البنية التحتية. ويسهم هذا التوجه النقدي في إعادة قراءة الاستراتيجية الصينية خارج إطار الخطاب الرسمي الذي يركز على التنمية والشراكة، وذلك من خلال تحليل علاقات القوة، وطبيعة المصالح، وأنماط النفوذ، ومدى تأثيرها في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وبناء شبكة تفاعلات جديدة بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط. كما يسمح هذا المنهج بتقييم حدود الاستراتيجية الصينية، وتحليل التحديات التي تواجهها، ومقارنة أهدافها المعلنة بنتائجها الفعلية في الواقع الجيوسياسي.
وتتكامل هذه المناهج ضمن إطار تحليلي أوسع يستند إلى “تحليل النظم الإقليمية”، حيث يتم التعامل مع القرن الأفريقي والشرق الأوسط بوصفهما نظاماً تفاعلياً مترابطاً تتحرك فيه القوى الدولية والإقليمية وفق مصالح استراتيجية معقدة، وتبرز الصين فيه كفاعل يسعى إلى بناء شبكة نفوذ عابرة للأقاليم عبر أدوات اقتصادية وجيوسياسية متعددة. ويعتمد التحليل على دراسة التفاعلات بين الفاعلين الدوليين والإقليميين، وتحليل طبيعة العلاقات الاقتصادية والأمنية، وفهم كيفية تشكل أنماط جديدة من الترابط الإقليمي في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية.
وفي هذا السياق، تقوم الدراسة على “منهجية تحليل استراتيجي مركب” يجمع بين التحليل الجيوسياسي والتحليل الجيو-اقتصادي وتحليل الاستراتيجيات الكبرى، بما يسمح بفهم كيفية توظيف الصين لعناصر القوة المختلفة في بناء عمق عابر للأقاليم. ويتجسد ذلك من خلال تحليل موقع القرن الأفريقي في الاستراتيجية الصينية بوصفه بوابة عبور نحو الشرق الأوسط والممرات البحرية العالمية، ودراسة أدوات الاقتصاد السياسي التي تستخدمها الصين في توسيع نفوذها، وتحليل نمط الشراكات والتحالفات التي تسهم في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية. كما تعتمد الدراسة على تحليل الوثائق الرسمية الصينية، وتقارير المؤسسات الدولية، وبيانات الاستثمارات والممرات البحرية والطاقة والبنية التحتية، بما يوفر قاعدة معرفية دقيقة تدعم عملية التفسير والتحليل.
ويسهم هذا “البناء المنهجي” في تطوير مقاربة العمق العابر للأقاليم بوصفها إطاراً تفسيرياً يمكن من خلاله فهم طبيعة الاستراتيجية الصينية في إدارة التفاعلات الإقليمية الممتدة بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، حيث يتم الربط بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة في تفسير سلوك الصين، وتحليل كيفية بناء شبكات نفوذ متعددة المستويات، وإدارة التوازنات بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. عليه، تتجه الدراسة نحو تقديم قراءة تحليلية متماسكة للاستراتيجية الصينية، تسهم في توضيح آليات تشكل شرق أوسط جديد من منظور عابر للأقاليم، وتقدم إطاراً علمياً يمكن توظيفه في تحليل أدوار القوى الكبرى في إعادة تشكيل الأقاليم الجيوسياسية في النظام الدولي المعاصر.
أولاً: التأصيل المفاهيمي لمفهوم العمق العابر للأقاليم
يعتبر مفهوم العمق العابر للأقاليم تطوراً حديثاً في الأدبيات المعاصرة للجغرافيا السياسية، حيث يسعى إلى تفسير أنماط النفوذ التي تتجاوز الحدود التقليدية للأقاليم الجغرافية. ففي الوقت الذي ركزت النظريات الجيوسياسية الكلاسيكية على العلاقة بين الموقع الجغرافي والقوة السياسية داخل نطاق إقليمي محدد، فإن التغيرات والتحولات التي حدثت في النظام الدولي المعاصر أدت إلى بروز أنماط جديدة من التفاعل الجيوسياسي بأشكال تتجاوزت بها حدود الأقاليم التقليدية، والربط بين فضاءات وتخوم جيوسياسية متعددة ضمن شبكات مترابطة من النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني.
في الأدبيات الكلاسيكية، ركزت أعمال هالفورد ماكيندر ونيكولاس ج. سبايكمان على العلاقة البنيوية بين الجغرافيا والقوة الدولية، حيث ذهب ماكندر إلى أن السيطرة على قلب العالم (Heartland) تمنح الدولة القدرة على التأثير في التوازن العالمي، في حين ركز سبايكمان على أهمية الهلال الساحلي (Rimland) بوصفه المجال الحاسم في الصراع الجيوسياسي العالمي[1].
إلا أن التطورات التي طالت النظام الدولي، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، دفعت الباحثين إلى ضرورة إعادة تفسير العلاقة بين الجغرافيا والنفوذ السياسي في إطار أكثر تعقيداً، ففي هذا الإطار ذهب كل من بيتر ج. تايلور وكولين فلينت إلى أن الجغرافيا السياسية المعاصرة لم تعد تفسر القوة فقط من خلال السيطرة على المجال الجغرافي، بل من خلال التموضع داخل شبكات متعددة من العلاقات الاقتصادية والسياسية العابرة للأقاليم[2].
وتأسيساً على هذا المنظور، ربما يمكن تعريف العمق العابر للأقاليم بأنه قدرة الدولة على توظيف موقعها الجغرافي وشبكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية لخلق امتداد استراتيجي يتجاوز حدود الإقليم المباشر، بحيث تتحول إلى عقدة اتصال تربط بين أقاليم متعددة داخل النظام الدولي.
ثانياً: عناصر مفهوم العمق العابر للأقاليم
يقوم مفهوم العمق العابر للأقاليم على أربعة عناصر أساسية تعمل بطريقة مترابطة ومتداخلة لا تنفصل عن بعضها البعض لتشكيل إطار مفاهيمي واضح ومحدد، وهي:
1. البعد الجغرافي المركب، حيث يقوم العمق العابر للأقاليم على وجود موقع جغرافي يسمح للدولة بالاتصال بأكثر من فضاء إقليمي. فالموقع الجغرافي لا يمنح الدولة فقط عمقاً دفاعياً، بل قد يوفر لها إمكانية الربط بين نظم إقليمية مختلفة.
وفي هذا السياق يشير الجغرافي السياسي شاول برنارد كوهين إلى أن بعض الدول تقع ضمن ما يسميه المناطق الجيوستراتيجية الوسيطة التي تربط بين أقاليم جيوسياسية متعددة، الأمر الذي يمنحها دوراً محورياً في التفاعلات الدولية[3]. بحيث يؤدي هذا الموقع إلى ظهور وظائف استراتيجية متعددة مثل الربط بين طرق التجارة العالمية، والتحكم في الممرات البحرية أو البرية، والوساطة بين نظم إقليمية مختلفة. بناءاً عليه، فإن الموقع الجغرافي يتحول من مجرد عامل مكاني إلى مورد استراتيجي للنظام الدولي.
2. البعد الشبكي، وهو بعد ظهر مع تطور العولمة، حيث أصبح النفوذ الجيوسياسي مرتبطاً بشكل متزايد بقدرة الدولة على التموضع داخل شبكات متعددة من التفاعلات الدولية، وقد قدم عالم الاجتماع مانويل كاستيلز في نظريته حول مجتمع الشبكات تحليلاً مهماً لهذا التحول، حيث يرى أن القوة في العصر المعاصر لا تقوم فقط على السيطرة على الأراضي، بل على القدرة على التحكم في عقد الشبكات الاقتصادية والسياسية العالمية[4].
ومن هذا المنظور، تصبح الدولة التي تمتلك عمقاً عابراً للأقاليم تمتلك ثلاث خصائص، هي: أ. عقدة جيوسياسية، ب. ممر استراتيجي للتفاعلات الدولية، ج. حلقة وصل بين أقاليم مختلفة. ولعل هذه الخصائص تفسر بوضوح أهمية بعض الدول التي تقع عند تقاطع أقاليم جيوسياسية متعددة.
3. البعد الوظيفي، حيث لا يقتصر مفهوم العمق العابر للأقاليم على الموقع الجغرافي، بل يتجسد في مجموعة من الوظائف الاستراتيجية التي تؤديها الدولة داخل النظام الدولي. ولعل من أبرز هذه الوظائف، نجد الوساطة السياسية، والدبلوماسية بين أقاليم مختلفة، الربط الاقتصادي واللوجستي عبر الموانئ والممرات البحرية، التأثير الأمني في توازنات الأمن الإقليمي، وأخيراً التحكم في تدفقات التجارة والطاقة. وفي هذا السياق يشير الباحث باري بوزان في إطار نظرية المجمعات الأمنية الإقليمية (Regional Security Complex Theory) إلى أن بعض الدول تستطيع التأثير في أكثر من مجمع أمني في الوقت نفسه، مما يعكس نمطاً من التداخل بين الأقاليم الأمنية المختلفة[5]. ولعل ذلك ربما يجعل التداخل الأمني يمثل أحد أهم المؤشرات على وجود عمق جيوسياسي عابر للأقاليم.
4. البعد الديناميكي، ويذهب هذا البعد إلى أن العمق العابر للأقاليم لا يمثل حالة ثابتة، بل هو ظاهرة ديناميكية تتغير مع تحولات النظام الدولي. ووفقاً لذلك، فإن قوة هذا العمق تتحدد بعدة عوامل، أهمها: أ. مستوى القدرات الاقتصادية للدولة، ب. حجم القوة العسكرية، ج. شبكة التحالفات الإقليمية والدولية، د. القدرة المؤسسية للدولة. وفي هذا السياق يشير المفكر الجيوسياسي روبرت د. كابلان إلى أن الجغرافيا تمنح الدول فرصاً استراتيجية، لكن تحويل هذه الفرص إلى نفوذ فعلي يعتمد على القدرة السياسية والمؤسسية للدولة على توظيف موقعها الجغرافي[6]. واستناداً على دلالات هذا البعد، فإن الجغرافيا تمثل إمكانية استراتيجية، وليس حتمية جيوسياسية.
ثالثاً: قراءة نقدية للمفهوم
تأسيساً على كل ما سبق من القيمة التحليلية لـمفهوم العمق العابر للأقاليم، إلا أن استخدامه في الدراسات الجيوسياسية يواجه عدداً من الإشكالات النظرية. ولعل أول هذه الإشكالات هو خطر الحتمية الجغرافية، القائم على الافتراض بأن الموقع الجغرافي وحده كفيل بتوليد النفوذ السياسي، وهنا تجدر الإشارة إلى هذه الفرضية قد تعرضت لانتقادات واسعة في الأدبيات الحديثة، حيث أظهرت الدراسات المقارنة أن العديد من الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية لم تتمكن من تحويلها إلى نفوذ فعلي بسبب ضعف مؤسسات الدولة أو محدودية قدراتها الاقتصادية والعسكرية. وفي مستوى آخر، تظهر المشكلة المتمثلة في أن التفاعلات الدولية المعاصرة لم تعد قائمة فقط على الجغرافيا، بل أيضاً على الاقتصاد السياسي العالمي وشبكات العولمة، الأمر الذي يجعل النفوذ العابر للأقاليم مرتبطاً بقدرة الدولة على الاندماج في هذه الشبكات.
تأسيساً عليه، فإن مفهوم العمق العابر للأقاليم ربما يجب فهمه بوصفه إمكانية استراتيجية كامنة، وليس حتمية جيوسياسية تلقائية. وهو ما يمكن أن يعزز من ضرورة إعادة التفكير بأن الموقع الجغرافي يفتح فرصاً للدور العابر للأقاليم، غير أن تحقيق هذا الدور يشترط قدرات مؤسسية واقتصادية وعسكرية قادرة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي فعلي.
ثانياً: المقاربات النظرية لمفهوم العمق العابر للأقاليم
يقوم بناء الإطار النظري لمفهوم العمق العابر للأقاليم على عملية مركبة ومتداخلة للمحددات والأبعاد والمؤشرات، وذلك بدمج مجموعة من الاتجاهات النظرية في حقلي الدراسات الجيوبوليتيكة والجيواستراتيجية، بحجية أن المفهوم لا ينتمي إلى مدرسة واحدة، بقدر ما يمثل تركيباً تحليلياً يجمع بين نظريات الموقع الجغرافي، والدوائر الاستراتيجية، والعقد الجيوستراتيجية، التي تصب جميعها في إطار تفسير ديناميكيات أو محركات التفاعل بين الأقاليم المتجاورة. بناءاً عليه، ربما يعكس هذا الطرح تحوّلاً في التفكير الجيوبوليتيكي والجيواستراتيجي المعاصر، من مسألة التركيز على السيطرة الإقليمية، إلى عملية إدارة التفاعلات الإقليمية المتشابكة، وهو ما يتناسب مع سرعة المواكبة والاستجابة لتحديات التغيرات والتحولات التي يشهدها النظام الدولي في ظل صعود قوى كبرى تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ من خلال أدوات اقتصادية وأمنية واستراتيجية مرنة، وعلى رأسها الصين.
وفي هذا السياق، ربما يمكن فهم أبعاد العلاقة بين مفهوم العمق العابر للأقاليم ونظرية الموقع الجيوسياسي المركب، حيث تقوم هذه النظرية على فرضية أن بعض الدول تمتلك مواقع جغرافية متعددة الانتماء الإقليمي، بحيث تكون جزءاً من أكثر من منظومة جيوسياسية في الوقت نفسه، الأمر الذي يمنحها قدرة على التأثير في التفاعلات الإقليمية والدولية عبر موقعها الوسيط بين الأقاليم. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن الموقع الجغرافي لا يحدد فقط مكان الدولة، بل يحدد أيضاً طبيعة دورها في النظام الدولي، حيث يصبح الموقع أداة استراتيجية لإدارة التوازنات بين القوى المختلفة[7]. ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم العمق العابر للأقاليم يوسع هذه الفرضية ليجعل الموقع الجغرافي ليس مجرد عامل تأثير، بل إطاراً لبناء شبكات تفاعل بين الأقاليم، وهو ما يتجلى في الاستراتيجية الصينية التي تعتمد على ربط شرق آسيا بالشرق الأوسط والقرن الأفريقي عبر الممرات البحرية والموانئ والبنية التحتية.
وفي مستوى آخر، يرتبط مفهوم العمق العابر للأقاليم بنظرية الدوائر الاستراتيجية حيث تنطلق هذه النظرية من فكرة أن الدولة تتحرك ضمن دوائر نفوذ متداخلة تبدأ بالدائرة المحلية ثم الإقليمية، والإقليمية الجديدة، وما بعدها، وصولاً إلى الدائرة الدولية، بحيث تتحدد قوة الدولة بقدرتها على إدارة التفاعل بين هذه الدوائر بشكل متوازن[8]. عليه، تظهر علاقة الارتباط والتقاطع لمفهوم العمق العابر للأقاليم مع هذه النظرية عندما تتداخل الدوائر الإقليمية حول الدولة أو حول مجال جغرافي معين، مما يقود إلى تشكل فضاء جيوسياسي مشترك تتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية. وفي هذا السياق، ربما نلاحظ أن الصين تحاول خلق دائرة استراتيجية ممتدة من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط مروراً بالقرن الأفريقي، بطريقة تجعل هذا الامتداد إطاراً لإدارة النفوذ الاقتصادي والأمني، وليس مجرد مجال جغرافي تقليدي. ويكمن النقد هنا في أن نظرية الدوائر الاستراتيجية تميل إلى الطابع الثابت، بينما يتطلب مفهوم العمق العابر للأقاليم رؤية ديناميكية أي حركية متغيرة ومتحولة تقوم على التفاعل المستمر بين الأقاليم، وهو ما يجعل المفهوم أكثر ملاءمة لفهم التحولات المعاصرة.
وفي ذات السياق، تذهب نظرية العقد الجيوستراتيجية إلى تعزيز هذا الطرح من خلال النظر إلى بعض الدول أو المناطق باعتبارها عقداً أو حلقات استراتيجية تربط بين الممرات البحرية والأسواق والمنظومات الأمنية، بحيث تتحول هذه العقد إلى نقاط ارتكاز في شبكة التفاعلات الدولية[9]. ويبرز العمق العابر للأقاليم هنا بوصفه شبكة من العقد الجيوستراتيجية، كما في الحالة الصينية، حيث يتم توظيفها للربط بين الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والمحيط الهندي، وهو ما يتوافق مع التوجه الصيني في بناء الموانئ والمناطق الاقتصادية في هذه المناطق. غير أن وجه الانتقاد ربما يمكن في أن نظرية العقد الجيوستراتيجية تركز على البعد الجغرافي أكثر من البعد المؤسسي، بينما يعتمد العمق العابر للأقاليم على دمج الجغرافيا مع الاقتصاد والبنية التحتية والتعاون الأمني، وهو ما يجعل المفهوم أكثر شمولاً.
ثالثاً: موقع المفهوم من النظريات الجيوبوليتيكية المعاصرة
جرت الملاحظة على أن مفهوم العمق العابر للأقاليم يرتبط بعدد من النظريات الجيوبوليتيكية الكلاسيكية والمعاصرة، إلا أنه لا يندمج فيها بشكل كامل، بل يعيد تفسيرها في إطار جديد يتناسب مع التحولات الجيوسياسية الراهنة.
يتقاطع المفهوم مع نظرية قلب الأرض التي طرحها هالفورد ماكيندر، والتي تؤكد مركزية الجغرافيا في تحديد القوة العالمية، حيث يرى ماكندر أن السيطرة على قلب العالم تؤدي إلى السيطرة على العالم بأسره[10]. غير أن مفهوم العمق العابر للأقاليم يختلف عن هذه النظرية في أنه لا يركز على مركز قاري واحد، بل على شبكة من الأقاليم المتفاعلة، مما يعكس تحوّلاً من فكرة المركز الجغرافي إلى فكرة الترابط والتداخل الجغرافي. غير أنه، وباستدراك نقدي، ربما نجد أن نظرية قلب الأرض تعكس سياقاً تاريخياً يرتبط بحالة صراع القوى الأوروبية، بينما يتعامل مفهوم العمق العابر للأقاليم مع سياق عالمي متعدد الأقطاب يقوم على الترابط الاقتصادي والتكنولوجي.
ومن زاوية أخرى من زوايا التداخل النظري، يتكشف أن مفهوم العمق العابر للأقاليم ذو ارتباط بنظرية القوة البحرية التي قدمها ألفريد ثاير ماهان، والتي تؤكد أن السيطرة على البحار والممرات البحرية تمثل أساس القوة الدولية[11]. ويتجلى هذا الارتباط في أن العمق العابر للأقاليم يعتمد على المضائق والبحار وخطوط الملاحة بوصفها أدوات لربط الأقاليم المختلفة. إلا أن الاختلاف الجوهري يتمثل في أن ماهان ركز على السيطرة العسكرية على البحار، بينما يركز المفهوم الجديد على السيطرة الوظيفية من خلال التجارة والاستثمار والبنية التحتية، وهو ما يعكس تحولاً من الجيوبوليتيك العسكري إلى الجيوبوليتيك الاقتصادي.
وفي درجة أخرى من درجات التداخل النظري، ربما نجد أن هناك تقارب بين مفهوم العمق العابر للأقاليم مع نظرية الحافة الأرضية التي طرحها نيكولاس سباكمان، والتي ترى أن السيطرة على مناطق التفاعل بين اليابسة والبحر تمنح نفوذاً عالمياً[12]. ويظهر هذا التقارب في تركيز العمق العابر للأقاليم على المناطق الساحلية والممرات البحرية، كما في الحالة الصينية، التي تصر على التمركز في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. ومع ذلك، فإن المفهوم يتجاوز نظرية الحافة الأرضية لأنه لا يركز على السيطرة الجغرافية فقط، بل على بناء شبكات تفاعل اقتصادية وأمنية تجعل الأقاليم مترابطة بشكل مؤسسي، وهو ما يتناسب مع الاستراتيجية الصينية القائمة على الشراكات الاقتصادية بدلاً من الهيمنة العسكرية.
وأخيراً، يتقاطع مفهوم العمق العابر للأقاليم مع نظرية الدولة المحورية التي طورها زبيغنيو بريجنسكي، حيث تصبح الدولة نقطة ارتكاز للتفاعلات الإقليمية والدولية[13]. إلا أن مفهوم العمق العابر للأقاليم يوسع هذا الطرح من الدولة المحورية إلى الإقليم المحوري، بحيث لا تكون الدولة وحدها مركز التفاعل، بل تصبح شبكة الأقاليم المرتبطة بها إطاراً لإدارة النفوذ. لكن يبقى الاستدراك مهماً عند النظر لعلاقة الترابط أو التقارب بين المفهومين من منظور نقدي، حيث يظهر أن مفهوم الدولة المحورية يرتبط بالسياسة الأمريكية في أوراسيا، بينما يقدم العمق العابر للأقاليم إطاراً أكثر مرونة يمكن تطبيقه على الاستراتيجية الصينية في القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
المحور الثاني: الأسس الاستراتيجية لصعود النفوذ الصيني في الشرق الأوسط من القرن الأفريقي
يمثل القرن الأفريقي والشرق الأوسط منطقة محورية في النظام الدولي المعاصر، حيث تتقاطع فيها مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية التقليدية. ويأتي الاهتمام الصيني بهذه المنطقة في سياق رؤية شاملة تهدف إلى توسيع نفوذها العالمي من خلال شبكة مترابطة من المصالح الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، مع الحفاظ على قدرة على المناورة وعدم الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية. فالقرن الأفريقي، بموقعه الاستراتيجي على الممرات البحرية الحيوية، يشكل حلقة مركزية في ضمان استقرار تدفق الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، ويعد بوابة طبيعية لتحقيق أهداف نفوذ تمتد إلى الشرق الأوسط وأبعد من ذلك[14].
تستند الاستراتيجية الصينية في هذه المنطقة إلى منطق متعدد المستويات، حيث يتم توظيف الاقتصاد كأداة أساسية لبناء نفوذ مستدام، ينسجم مع الديناميات السياسية والأمنية في المنطقة. يتمثل ذلك في استثمار البنية التحتية، مثل الموانئ والطرق البحرية والمواصلات، والتي تشكل شبكات تربط بين الأسواق المحلية والدولية، وتفتح مسارات للتبادل التجاري والسياسي على حد سواء. هذا الربط بين الاقتصاد والسياسة يعكس فهماً عميقاً لكيفية تحويل المصالح الاقتصادية إلى أدوات استراتيجية طويلة الأمد، دون الحاجة للاعتماد على القوة العسكرية المباشرة[15].
في الوقت ذاته، تعتمد الاستراتيجية الصينية على دبلوماسية مرنة ومتعددة المستويات، تستثمر في بناء علاقات مستدامة مع الحكومات والشركاء الإقليميين، بحيث يصبح النفوذ ليس مجرد امتداد مباشر للقوة، بل شبكة من العلاقات المتبادلة التي تولد اعتماداً متبادلاً. هذا الأسلوب يسمح للصين بالحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة، مع تقديم نفسها كفاعل محايد قادر على التأثير في التوازنات الإقليمية من خلال الوساطة والمفاوضات[16].
كما يكتسب البعد الأمني أهمية متزايدة، إذ تُنشأ قدرات محدودة لكنها مؤثرة لحماية المصالح الحيوية، مثل الممرات البحرية ومراكز الشحن والتجارة. وهذا يشكل عنصراً تكاملياً يربط بين الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية، ويعزز من قدرة الصين على إدارة المخاطر الإقليمية، بما في ذلك النزاعات المحتملة وتحولات القوى المحلية والدولية[17].
تحوّلات الموقع الجيوسياسي للقرن الأفريقي في الاستراتيجية الصينية
يمثل القرن الأفريقي نقطة تقاطع حاسمة في جغرافيا الصين الاستراتيجية، ليس فقط كمركز للموارد البحرية والممرات التجارية، بل كبوابة تربط المحيط الهندي بالشرق الأوسط وأوروبا، وهو ما جعله محوراً مهماً في توسيع استراتيجية النفوذ الصيني في السنوات الأخيرة. فعلى الرغم من أن الصين بعيدة جغرافياً عن الشرق الأوسط، فإن اعتمادها الكبير على النفط والغاز من دول الخليج جعل من الممرات البحرية العابرة للقرن الأفريقي مثل باب المندب جزءاً لا يتجزأ من أمنها الاقتصادي، ما يبرر توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في هذه المنطقة[18].
هذا التركيز الجيوستراتيجي لا ينبثق من فراغ، بل يتماشى مع رؤية الصين الأوسع في مبادرة الحزام والطريق (BRI)، التي تسعى إلى إنشاء حلقات تربط بين الأسواق العالمية عن طريق شبكات بنية تحتية، حيث تعتبر الطرق البحرية عبر القرن الأفريقي أساسية للحفاظ على تدفق السلع والطاقة إلى الصين بسرعة وكفاءة[19]. في هذا السياق، يمكن اعتبار النفوذ الصيني في المنطقة نتاجاً لتفاعل مصالح قصيرة وطويلة الأمد، تمتد من الأمن الاقتصادي إلى التحوّلات في توازنات القوة الإقليمية.
عملت الصين على تعزيز روابطها مع دول القرن الأفريقي كجزء من استراتيجيتها لتأمين ممرات التجارة والطاقة، ما ظهر بوضوح في شبكة البنى التحتية التي تربط إثيوبيا بجيبوتي عبر مشاريع سكك حديدية وموانئ، وهو ما عزز موقعها كمنصة لوجستية تخدم التجارة العابرة بين آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط[20]. ويربط هذا التوسع بين الأهداف المادية (الربط التجاري) والأهداف السياسية (توسيع النفوذ دون تدخل عسكري مباشر)، في نموذج تتحقق فيه مصالح متبادلة بين الصين وشركائها المحليين.
علاوة على ذلك، فإن الصين لم تقتصر على الاستثمار في البنى التحتية التقليدية، بل تسعى إلى جعل القرن الأفريقي جزءاً من شبكة أوسع تشمل تطوير قدرات رقمية واتصالات استراتيجية، ما يُنظر إليه كأثر طويل الأمد في الفضاء الأمني والاقتصادي للمنطقة. بهذا الشكل، يمكن اعتبار القرن الأفريقي مركز ثقل في هيكل النفوذ الصيني الذي يربط بين الاستثمارات الاقتصادية والسياسات الجيوسياسية دون امتلاك قواعد عسكرية واسعة، بل عبر شبكة من المصالح المتداخلة.
الاقتصاد كآلية نفوذ: الحزام والطريق وأدوار الاستثمار
يمثل البعد الاقتصادي حجر الزاوية في الاستراتيجية الصينية، حيث تعمل بكين على دمج المصالح الاقتصادية مع الأبعاد السياسية والأمنية لخلق نمط نفوذ مترابط يستطيع تحقيق أهدافها على المدى الطويل. في قلب هذا النموذج، تأتي مبادرة الحزام والطريق كمشروع بنيوي يربط بين آسيا، الشرق الأوسط، وأفريقيا، عبر شبكة من الطرق والموانئ والمراكز الصناعية، وهو ما يعكس رغبة في إعادة تشكيل الهيكل الاقتصادي العالمي بحيث يكون للصين دور مركزي فيه[21].
من الناحية التحليلية، فإن استثمارات الصين في مجال النفط والطاقة في الشرق الأوسط لم تعد تعامل كعلاقات تجارية فحسب، بل كجزء من بناء شبكة نفوذ اقتصادي معقدة تتفاعل مع التنمية المحلية للمناطق المضيفة، كما يشير الباحثون إلى أن التعاون بين الصين والدول العربية ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق توسّع إلى قطاعات مثل البنية التحتية الرقمية والسكك الحديدية والاتصالات، وهو ما يعكس بعداً أوسع من مجرد تبادل السلع[22].
في الوقت نفسه، يعكس النموذج الاقتصادي الصيني في المنطقة اعتماداً على شراكات طويلة الأمد مع الحكومات المحلية والمؤسسات المالية لتنفيذ المشاريع. فبدلاً من منح سيطرة مباشرة على هذه القطاعات، تبني الصين علاقاتها عبر عقود استثمار طويلة الأجل تربط النمو الاقتصادي بمصالحها الاستراتيجية، بما يضمن استمرار هذه العلاقات حتى في حال حدوث تحولات سياسية داخلية في الدول المضيفة[23].
غير أن الجانب الاقتصادي من النفوذ الصيني ليس خالياً من التحديات. فتزايد انخراط الصين الاقتصادي في المنطقة يأتي في سياق شبكة مصالح معقدة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، كما أن الطبيعة الاقتصادية لهذا النفوذ تجعله حساساً لتحولات السوق العالمية وعدم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يتضح في الأزمات الحديثة التي تؤثر على تدفق الطاقة والأسواق[24]. علاوة على ذلك، فإن بعض التحليلات تنتقد غياب آليات حماية قوية للمشروعات الصينية في حال وقوع نزاعات مسلحة، خاصة في المناطق الحساسة مثل باب المندب الذي يشهد توترات متكررة[25].
الربط بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط: بنية استراتيجية مترابطة
يتمثل أحد أهم الأبعاد في استراتيجية الصين الدولية في بناء شبكة مترابطة من العلاقات تمتد عبر الأقاليم المختلفة، بحيث يصبح النفوذ الصيني في منطقة ما جزءاً من نظام أوسع يحقق أهدافاً متعددة. وتعد العلاقة بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط نموذجاً واضحاً لهذا النمط، إذ تؤدي الاستثمارات والعلاقات في القرن الأفريقي إلى تعزيز القدرات الصينية على التأثير في الشرق الأوسط من دون الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة.
هذا الربط البنيوي يعتمد على خلق نقاط التقاء بين البنى التحتية والمصالح الاقتصادية والسياسية، حيث تصبح الصين طرفاً أساسياً في خطوط التجارة العالمية التي تربط آسيا بأوروبا وأسواق الشرق الأوسط، وهو ما يؤكد أن القرن الأفريقي يعمل كجسر حيوي في بنية النفوذ الصيني[26].
علاوة على ذلك، فإن الصين تستخدم آليات دبلوماسية مرنة مع شركائها في هذه المناطق لخلق تفاعل طويل الأمد، يتجاوز التعاملات الاقتصادية البحتة ويشمل تنسيق السياسات وتبادل الخبرات، مما يعزز شبكة تأثير لا تنفصل بسهولة عن مصالحها الاستراتيجية الأوسع، كما يسلط التحليل الضوء على أن هذا النموذج يستفيد من الطبيعة المتعددة الأطراف لعلاقات الصين مع الدول في الشرق الأوسط وأفريقيا، ما يوفر لها مساحة تحرك أكبر في التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية[27].
دبلوماسية الصين: توازن بين عدم التدخل والتأثير
تُظهر دراسة العلاقات الصينية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي أن بكين تتبنى استراتيجية دبلوماسية مزدوجة: تعزيز التأثير عبر الوساطات الاقتصادية والسياسية، مع الالتزام بمبدأ عدم التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول. فالصين تقدم نفسها كطرف محايد في النزاعات الإقليمية، كما ظهر في مشاركتها كوسيط غير رسمي في نزاع السعودية وإيران[28]. هذا الأسلوب يسمح لها بالحفاظ على العلاقات مع مختلف الفواعل الإقليمية، وفي الوقت ذاته تعزز من نفوذها السياسي عبر شبكة تأثير متعددة المستويات تجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية.
تحليل هذا الأسلوب يكشف أن بكين تتجنب استخدام القوة العسكرية كأسلوب رئيسي للنفوذ، بل تركز على الاعتماد المتبادل الاقتصادي والسياسي كوسيلة طويلة الأمد. وبذلك تصبح الوساطة الصينية أداة لتوسيع نطاق النفوذ دون إثارة الصراعات المباشرة، وهو ما يُظهرها كفاعل استراتيجي يعتمد على الذكاء السياسي والهندسة البنيوية للعلاقات الدولية بدلاً من القوة العسكرية المباشرة[29].
الأمن والاستقرار: الأبعاد العسكرية والاستراتيجية
على الرغم من التركيز على الدبلوماسية والاقتصاد، فإن الأمن يمثل ركيزة لا غنى عنها في الهيكل الاستراتيجي للصين. فالوجود العسكري الصيني في قاعدة جيبوتي يُعد مثالاً على توسيع النفوذ العسكري بطريقة محدودة ومدروسة، تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية الكبرى دون الدخول في صراعات مباشرة مع القوى التقليدية مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي[30].
من منظور نسقي، يظهر أن بكين تدمج البعد الأمني مع الاقتصادي والدبلوماسي بحيث يكتمل هيكل النفوذ عبر مزيج من القوة الناعمة والاقتصادية والأمنية، ما يمنحها قدرة على إدارة المخاطر الإقليمية والتحديات في الممرات البحرية الحيوية مثل باب المندب[31]. وهذا الأسلوب يعكس استراتيجية طويلة الأمد توازن بين حماية المصالح الحيوية والتأثير على قرارات الشركاء الإقليميين دون مواجهة مباشرة.
التحديات التي تواجه مسار العمق الصيني العابر للأقاليم في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي
رغم قوة هذا النموذج المترابط، إلا أن تحديات جوهرية تهدد استمراريته. فالتقلبات السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، بالإضافة إلى المنافسة الدولية من قوى كبرى أخرى، قد تضعف شبكة النفوذ الصينية، خصوصاً في حال تصاعد النزاعات المحلية أو الإقليمية[32].
كما يواجه النموذج الاقتصادي انتقادات متعلقة باعتماد الدول الشريكة على التمويل الصيني، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى قضايا ديون مستمرة تؤثر على العلاقات الاقتصادية والسياسية على المدى الطويل[33].
مع ذلك، يظل النفوذ الصيني القائم على التكامل البنيوي نموذجاً فريداً يجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن في صياغة نفوذ طويل الأمد، وهو يعكس تحولاً في طبيعة القوة الدولية من الهيمنة العسكرية المباشرة إلى النفوذ متعدد الأبعاد الذي يعتمد على الشبكات والتفاعلات البنيوية بين الدول[34].
يتضح من التحليل البنيوي والنسقي أن صعود النفوذ الصيني في الشرق الأوسط من القرن الأفريقي يعتمد على شبكة مترابطة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، والتي تربط بين المبادرات الاقتصادية مثل الحزام والطريق والوساطة السياسية والوجود العسكري المحدود. هذا النموذج يعكس استراتيجية طويلة الأمد قائمة على تكامل الأبعاد المختلفة للنفوذ، مع الحفاظ على مبدأ عدم التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول. ومع ذلك، فإن التحديات الإقليمية والدولية تمثل اختبارات حقيقية لهذه الاستراتيجية، ما يجعل استدامة النفوذ الصيني مرتبطة بقدرته على إدارة التفاعلات المعقدة بين القوى المحلية والإقليمية والدولية.
المحور الثالث: إدارة التفاعلات الإقليمية وبناء شرق أوسط جديد من منظور صيني
تتصاعد أهمية فهم استراتيجية الصين في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي في سياق التحولات الجيو-سياسية الراهنة التي تشهدها الساحة الدولية، خاصة مع بروز نظام عالمي متعدد الأقطاب يضع الصين في موقع القوة الصاعدة التي تسعى لابتكار نمط جديد من العلاقات الدولية في الإقليم، يقوم على الربط الاقتصادي، والمصالح المشتركة، وإدارة التفاعلات الإقليمية بعيداً عن الهيمنة العسكرية التقليدية[35].
الرؤية الاستراتيجية الصينية للأقاليم العابرة
لطالما اعتمدت الصين على مبادرات تنموية واسعة النطاق كقاعدة لبناء نفوذها الدولي، وكان إطلاق مبادرة الحزام والطريق (BRI) في 2013 بمثابة نقطة تحول أساسية في سياستها الخارجية، إذ جاءت المبادرة لتشكّل إطاراً فكرياً جديداً لإدارة العلاقات الدولية من منظور صيني مغاير للتوجهات الغربية الكلاسيكية[36]. المبادرة ليست مجرد مشروع بنية تحتية، بل أداة استراتيجية تربط الأسس الاقتصادية بالأهداف الجيوسياسية، وتمتد من آسيا إلى أوروبا وأفريقيا، مروراً بالشرق الأوسط ومنطقة القرن الإفريقي.
من منظور الصين، تتميز هذه المبادرة بأنها تمزج بين التنمية الاقتصادية، والتكامل المصلحي، وإعادة تشكيل الأجندات الإقليمية بعيداً عن التدخلات العسكرية المباشرة. هذه الرؤية تنطلق من فكرة أن النفوذ الحديث لا يقوم على القواعد العسكرية وحدها، بل على المؤسسات الاقتصادية والتجارية، وممرات التجارة والطاقة التي تربط مناطق متعددة في نظام عالمي معقد. في هذا الإطار، يشكل الشرق الأوسط والقرن الإفريقي مفاصل جغرافية وحيوية في ممرات التجارة والطاقة العالمية، ما يجعل من الاتصال بين هذه الأقاليم جزءاً من استراتيجية الصين لبناء شرق أوسط جديد يمتد عبر الأقاليم[37].
وبهذه الرؤية تتوخى الصين أن يكون الاقتصاد والتعاون البنيوي محركين أساسيين لإدارة التفاعلات الإقليمية، مع الحفاظ على مبادئ السياسة الخارجية الصينية التقليدية المرتكزة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول[38].
الأسس النظرية لبناء شرق أوسط جديد من منظور صيني
يمكن النظر إلى رؤية الصين في بناء شرق أوسط جديد من منظور نظري يستند إلى دمج بين الاقتصاد، والسيادة، والربط بين المناطق العابرة للأقاليم. أولاً، تعتمد الصين على تعزيز الربط المادي (Infrastructure Connectivity) بين الدول عبر استثمارات في الموانئ، السكك الحديدية، وشبكات النقل، ما يسهم في خلق شبكات اقتصادية مترابطة تُحول التفاعلات الإقليمية من كونها جزئية إلى منظومات متداخلة[39].
ثانياً، تولي الصين أهمية كبرى للشرعية الاقتصادية والسياسية للتعاون الدولي، إذ تسعى إلى ربط مصالح الدول ببعضها البعض بطريقة تجعل من التعاون مع بكين خياراً استراتيجياً للدول الإقليمية لتحقيق التنمية، ما يقلل إلى حد ما من الصراعات المباشرة ويعزز الاستقرار الجيو-اقتصادي[40].
ثالثاً، تقدم الصين نموذجاً يختلف في جوهره عن الهيمنة التقليدية، فهو يقوم على القوة الناعمة والمصالح المشتركة بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية. وهذا ينعكس في عدة مبادرات صينية حديثة مثل مبادرة التنمية العالمية (2021)، مبادرة الأمن العالمي (2022)، ومبادرة الحضارة العالمية (2023) والتي تهدف إلى إشراك شركاء عالميين في جدول أعمال تعاوني متعدد المستويات[41].
بناءً على هذا الأساس النظري، تسعى الصين إلى بناء مفهوم شرق أوسط جديد ليس مجرد منطقة جغرافية محددة، بل نظاماً إقليمياً مترابطاً عبر الأقاليم يربط بين الشرق الأوسط، القرن الإفريقي، وأجزاء من آسيا وإفريقيا من خلال شبكة مصالح مشتركة وتعاون اقتصادي واسع.
القرن الإفريقي كموقع استراتيجي في بناء النظام الجديد
يعد القرن الإفريقي أحد أهم مفاصل الاستراتيجية الصينية في بناء هذا الشرق الأوسط الجديد، إذ يتمتع بموقع جغرافي فريد على باب المندب والبحر الأحمر، وهما من أهم الممرات البحرية العالمية التي ترتبط بشبكات التجارة العالمية والطاقة. هذا الموقع يجعل من القرن الإفريقي مركزاً للربط بين آسيا، الشرق الأوسط، وأوروبا، وهو ما يتوافق مع أهداف مبادرة الحزام والطريق في خلق طرق بديلة وأكثر استقراراً لسلاسل النقل والتجارة[42].
لقد وسعت الصين علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع دول القرن الإفريقي، كما في جيبوتي وإثيوبيا، حيث استثمرت في مشاريع موانئ وبنية تحتية استراتيجية لخدمة التجارة والطاقة، مستفيدة من مواقع هذه الدول كبوابات بحرية حيوية[43].
واستراتيجية بكين في القرن الإفريقي لا تقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، بل تتضمن أبعاداً سياسية ودبلوماسية أيضاً، إذ تسعى الصين لتعزيز التعاون متعدد الأطراف مع الدول المحلية، وتقليل احتمال وقوع توترات أو صراعات قد تعرقل مسارات الاستثمار والتنمية. وهذا يتماشى مع سياسة الصين التقليدية في عدم التدخل المباشر عسكرياً، لكنها تعمل على تقديم نفسها كوسيط موثوق في فض النزاعات أو دعم التنمية كضمان للاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
أدوات الصين في إدارة التفاعلات الإقليمية
الاستثمار والبنية التحتية: تستخدم الصين الاستثمار في البنية التحتية كأداة محورية في إدارة التفاعلات الإقليمية، وذلك عبر ضخ أموال ضخمة في مشاريع مثل السكك الحديدية، الموانئ، والطرق التي تربط بين الشرق الأوسط، إفريقيا وآسيا. هذه الاستثمارات لا تخلق علاقات اقتصادية فحسب، بل تضع هيكليات من الاعتماد المتبادل بين الشركاء الصينيين والإقليميين، مما يعزز نفوذ الصين ويُدخل دولاً في شبكة مصالح مشتركة يصعب فك ارتباطها بسهولة[44].
الطاقة والأمن المادي: يلعب التعاون في مجال الطاقة دوراً محورياً في استراتيجية الصين، خاصة أنها تعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط لتأمين وارداتها من النفط والغاز، وقد أصبح هذا التعاون جزءاً لا يتجزأ من العلاقات الاستراتيجية، حيث تحافظ الصين على علاقات مع دول الخليج ومصدري الطاقة الرئيسيين لضمان أمن الطاقة المستدام[45]. هذا البعد يجعل الصين حريصة على أمن الممرات البحرية والاستقرار السياسي في المنطقة، وهو ما دفعها في مناسبات متعددة إلى الدعوة لوقف النزاعات والنزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، معتبرةً أن استمرارها يعرقل مصالحها الاقتصادية والتجارية[46].
الصين والشرق الأوسط: إدارة التوازنات بين القوى الإقليمية
تتبنى الصين في إدارة التفاعلات بين القوى الإقليمية نهج التوازن الحذر، والذي يسمح لها بالتعاون مع مجموعة متنوعة من الفاعلين دون الاصطدام بمصالح أي طرف بشكل مباشر. فبدلاً من الاستقطاب الحاد، تسعى الصين إلى بناء شبكات من العلاقات المتوازنة مع السعودية، الإمارات، إيران، وتركيا وغيرها من الدول، مع الحرص على أن تكون مشاركتها مصلحية وغير قائمة على الهيمنة العسكرية.
كما لعبت الدبلوماسية الصينية دوراً في وساطة العلاقات الإقليمية في بعض الحالات، مثل التحركات الحديثة نحو تقريب وجهات النظر بين الرياض وطهران، ما يعكس رغبة الصين في أن تكون جزءاً من حلول سلمية تعزز الاستقرار الإقليمي دون الانخراط العسكري في الصراعات[47].
العمق العابر للأقاليم: القرن الإفريقي كنقطة انطلاق لبناء شرق أوسط جديد
تتمثل رؤية الصين في الشرق الأوسط الجديد ضمن إطار العمق العابر للأقاليم في التركيز على مراكز الجذب الاستراتيجي التي تربط الشرق الأوسط بأفريقيا وآسيا، ويشكل القرن الإفريقي حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية. فالموقع الجغرافي للقرن الإفريقي على باب المندب والبحر الأحمر يجعل منه بوابة حيوية لشبكة النقل والطاقة التي تربط الشرق الأوسط بالصين والعالم[48].
تعتمد الصين على أدوات متعددة لتحقيق هذا العمق العابر، من أهمها:
1. الموانئ الاستراتيجية والبنية التحتية: تستثمر الصين في موانئ جيبوتي وبربرة في الصومال، وتطوير السكك الحديدية والطرق، بما يخلق شبكات لوجستية متصلة بالشرق الأوسط والخليج. هذا النهج يحوّل القرن الإفريقي من منطقة ثانوية إلى محور مركزي يربط المصالح الاقتصادية والسياسية بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط[49].
2. التكامل الاقتصادي والتجاري: تعمل الصين على ربط الاقتصادات المحلية بالمصالح الصينية، ما يقلل من الصراعات ويخلق إطاراً للتعاون المستدام. يشمل ذلك الاستثمار في الطاقة، الزراعة، والمشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة، بما يدعم الاستقرار المحلي ويعزز النفوذ الصيني[50].
3. الوساطة والدبلوماسية متعددة الأطراف: الصين تتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بل تركز على التفاوض والوساطة بين القوى الإقليمية مثل السعودية، إيران، الإمارات، وتركيا، بهدف خلق بيئة سياسية مستقرة تسمح بتوسع مشاريع البنية التحتية الصينية[51].
نموذج الشرق الأوسط الجديد من منظور صيني
بناءً على العمق العابر للأقاليم، يمكن تصور نموذج الشرق الأوسط الجديد من منظور صيني وفق عدة أبعاد مترابطة:
البعد الأول: شرق أوسط اقتصادي مترابط، وهو بعد يشمل شبكة من الموانئ، السكك الحديدية، والطرق التي تربط الشرق الأوسط بالقرن الإفريقي وآسيا، مع تعزيز التجارة والاستثمارات المشتركة[52].
البعد الثاني: شرق أوسط منخفض الصراع، وفيه تعتمد الصين على الوساطة الدبلوماسية والدبلوماسية الاقتصادية لتخفيف التوترات الإقليمية، مع الحفاظ على عدم التدخل المباشر في النزاعات المحلية[53].
البعد الثالث: شرق أوسط قائم على التنمية المستدامة، وهو بعد يركز على مشاريع الطاقة والبنية التحتية التي تولّد فرص عمل، وتدعم النمو المحلي، وتربط الاقتصادات الإقليمية ببعضها بطريقة مستدامة[54].
البعد الرابع: شرق أوسط عابر للأقاليم، وهو بعد يقوم على أساس عملية الربط بين القرن الإفريقي، الخليج، شرق المتوسط، وأجزاء من آسيا، بحيث يصبح الشرق الأوسط الجديد شبكة مصالح مترابطة مع الصين كمحور استراتيجي[55].
استشراف مستقبل الدور الصيني في إدارة الشرق الأوسط الممتد
يستند مستقبل الدور الصيني في الشرق الأوسط إلى عدة اتجاهات:
1. تعميق الاستثمارات في القرن الإفريقي والشرق الأوسط لضمان الأمن الاقتصادي والسياسي لمبادرة الحزام والطريق.
2. توسيع آليات الوساطة الدبلوماسية بما يعزز مكانة الصين كقوة دولية يمكنها إدارة التفاعلات الإقليمية بدون تدخل عسكري مباشر.
3. تطوير شبكات التعاون متعددة الأطراف تشمل الاقتصادات الإقليمية، مؤسسات الاستثمار المشتركة، والمنظمات الإقليمية، ما يضمن بقاء الشرق الأوسط ضمن شبكة مصالح صينية مستقرة. ⁵⁹[56]
من خلال هذه الأدوات، تصبح الصين صانعة مسار متوازن للتنمية والاستقرار، ما يمكن أن يؤدي إلى بناء شرق أوسط جديد يتسم بالتكامل الاقتصادي والسياسي، مع القرن الإفريقي كبوابة استراتيجية حيوية.
تأسيساً على كل ما سبق، فإن رؤية الصين لرسم خارطة شرق أوسط جديد من القرن الأفريقي، ربما يمكن تأطيرها فيما يلي:
أولاً: الاستراتيجية الصينية تقوم على العمق العابر للأقاليم، مع جعل القرن الإفريقي جزءاً محورياً في شبكة الممرات البحرية والاقتصادية بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
ثانياً: الاقتصاد والتنمية هما أدوات النفوذ الأساسية، بينما الدبلوماسية والوساطة تضمن استقرار البيئة الإقليمية دون تدخل عسكري.
ثالثاً: نموذج الشرق الأوسط الجديد من منظور صيني يتسم بالتكامل الاقتصادي، وانخفاض الصراع، والاستقرار، والتواصل عبر الأقاليم، مع الصين كمركز محوري لإدارة شبكة المصالح الإقليمية.
رابعاً: القرن الإفريقي يشكل مدخلاً استراتيجياً يمكن من خلاله إعادة تشكيل التفاعلات الإقليمية بين الشرق الأوسط وأفريقيا بما يخدم المصالح الصينية ويعزز مكانتها كقوة عالمية صاعدة.
الخاتمة
من خلال موضوع “العمق العابر للأقاليم: مقاربة في استراتيجية صينية لبناء وإدارة تفاعلات شرق أوسط جديد من القرن الأفريقي”، سعى البحث إلى تفكيك طبيعة التحولات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية التي تقودها الصين في فضاء القرن الأفريقي والشرق الأوسط، وإعادة تركيبها ضمن إطار تحليلي جديد يفسر منطق التفاعل العابر للأقاليم، ويكشف عن كيفية بناء النفوذ الدولي في بيئة نظم إقليمية معقدة ومتداخلة. الأمر الذي كشف أن الصين لا تتحرك ضمن إطار التوسع التقليدي، بل ضمن استراتيجية عميقة تقوم على إعادة تشكيل الأقاليم عبر أدوات الاقتصاد والتكامل اللوجستي وإدارة التفاعلات الإقليمية، وهو ما قاد إلى بناء رؤية تحليلية متكاملة لمفهوم العمق العابر للأقاليم كمدخل لفهم الشرق الأوسط الجديد من بوابة القرن الأفريقي.
تأسيساً عليه، فإن البحث توصل إلى نتيجة مركزية تتمثل في أن الشرق الأوسط الجديد من منظور صيني لا يُبنى عبر القوة الصلبة، بل عبر هندسة العمق العابر للأقاليم الذي يربط القرن الأفريقي بالشرق الأوسط ضمن شبكة تفاعلات اقتصادية واستراتيجية متعددة المستويات، وهو ما يفتح المجال أمام تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي والدولي، ويضع دول المنطقة، وخاصة دول القرن الأفريقي، أمام تحدي استثمار هذا العمق بطريقة تحقق مصالحها الوطنية بدل أن تتحول إلى مجرد ساحات تنافس بين القوى الكبرى.
واتساقاً مع ذلك، فقد أظهرت النتائج أن مفهوم العمق العابر للأقاليم يمثل إسهاماً نظرياً ومفاهيمياً مهماً في حقل العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، لأنه يقدم إطاراً تفسيرياً جديداً يتجاوز النظريات التقليدية التي ركزت على العمق الاستراتيجي أو التوازنات الجيوسياسية أو النفوذ العسكري، ليؤسس لمقاربة تقوم على فهم التفاعلات الإقليمية باعتبارها شبكات مترابطة تتشكل عبر الاقتصاد والبنية التحتية والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتكامل الإقليمي. وبذلك يسهم هذا الاقتراب في إعادة تعريف مفهوم الإقليم من كونه وحدة جغرافية مغلقة إلى كونه فضاءً تفاعلياً مفتوحاً يمكن إعادة بنائه وإدارته عبر أدوات القوة الناعمة والاقتصاد السياسي الدولي، وهو ما يعزز من قدرة الباحثين وصنّاع السياسات على فهم التحولات الجارية في النظام الدولي، خصوصاً في مناطق مثل “القرن الأفريقي” و”الشرق الأوسط” التي تشهد إعادة تشكل مستمرة.
كما يكشف الإسهام المفاهيمي لمقاربة العمق العابر للأقاليم عن تحول نوعي في فهم طبيعة النفوذ الدولي، حيث لم يعد النفوذ قائماً على السيطرة المباشرة أو التدخل العسكري، بل على القدرة على بناء شبكات ارتباط اقتصادية واستراتيجية طويلة المدى تربط بين الأقاليم المختلفة. وهذا يعني أن الصين لا تسعى إلى بناء شرق أوسط جديد عبر الهيمنة السياسية، بل عبر إعادة هندسة المجال الإقليمي من خلال الموانئ، والممرات البحرية، القواعد العسكرية، الطاقة، التجارة، والاستثمارات، وهو ما يجعل القرن الأفريقي نقطة ارتكاز استراتيجية في تشكيل هذا العمق العابر للأقاليم. استناداً عليه، فإن هذا الاقتراب يضيف بعداً تحليلياً جديداً يساعد على تفسير كيفية انتقال مراكز القوة من الغرب إلى الشرق، وكيف يمكن أن تتحول المناطق الهامشية إلى مراكز تأثير في التفاعلات الدولية.
بيّنت الدراسة أن العمق العابر للأقاليم يشكل إطاراً نظرياً قادراً على تفسير الترابط بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والأمن في بناء النفوذ الدولي، حيث يدمج بين تحليل الممرات البحرية والربط اللوجستي والتفاعلات الاقتصادية، والتمركز الأمني والعسكري في تفسير التحولات الإقليمية.
أظهر الدراسة أن صعود النفوذ الصيني في الشرق الأوسط انطلاقاً من القرن الأفريقي جاء نتيجة استراتيجية تراكمية تعتمد على التغلغل الاقتصادي وبناء البنية التحتية وتوظيف موقع القرن الأفريقي كممر استراتيجي نحو الشرق الأوسط، وهو ما يعزز فكرة أن الصين تبني نفوذها عبر أدوات غير تقليدية تقلل من الصدام المباشر مع القوى الدولية الأخرى، كما أوضحت أيضاً أن إدارة التفاعلات الإقليمية من منظور صيني تقوم على بناء نظام إقليمي مرن يعتمد على الشراكات الاقتصادية والتكامل التنموي، مع السعي إلى تقليل الاستقطاب السياسي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
غير أنه تم الكشف بأن استراتيجية العمق العابر للأقاليم التي تعتمدها الصين تواجه تحديات بنيوية تتعلق بتعقيد البيئة الإقليمية في القرن الأفريقي والشرق الأوسط، وصراع النفوذ بين القوى الكبرى، وعدم الاستقرار السياسي في بعض الدول، إضافة إلى التنافس الدولي على الممرات البحرية والطاقة. كما أن الاعتماد المفرط على الاقتصاد دون بناء منظومة سياسية وأمنية متوازنة قد يضعف استدامة هذه الاستراتيجية في المدى البعيد، وهو ما يفتح المجال أمام تحولات مستقبلية قد تدفع الصين إلى إعادة صياغة دورها في المنطقة.
وانطلاقاً من الإسهامات النظرية والتحليلية التي توصل إليها البحث، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات الاستراتيجية القابلة للتطبيق لصنّاع السياسات والاستراتيجيات، والتي من شأنها تعزيز الاستفادة من مقاربة العمق العابر للأقاليم، وتحويلها إلى أداة عملية في إدارة التفاعلات الإقليمية، وهي:
أولاً: ضرورة تبني رؤية استراتيجية وطنية في دول القرن الأفريقي تقوم على فهم العمق العابر للأقاليم كفرصة لبناء شراكات اقتصادية متوازنة مع الصين والقوى الدولية الأخرى، بما يحقق المصالح الوطنية ويمنع الوقوع في التبعية الاقتصادية.
ثانياً: تعزيز التكامل الإقليمي بين دول القرن الأفريقي والشرق الأوسط عبر مشاريع البنية التحتية والممرات البحرية والتجارة والطاقة، بما يحول المنطقة من ساحة تنافس إلى فضاء تعاون اقتصادي مشترك.
ثالثاً: تطوير سياسات اقتصادية واستثمارية قادرة على استيعاب المشاريع الصينية ضمن إطار وطني يضمن نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية بدل الاكتفاء بدور المستهلك أو الممر الجغرافي.
رابعاً: ضرورة بناء توازن استراتيجي في العلاقات الدولية عبر تنويع الشراكات وعدم الاعتماد على قوة دولية واحدة، بما يعزز الاستقلال الاستراتيجي للدول ويمنحها قدرة أكبر على إدارة التفاعلات الإقليمية.
خامساً: تعزيز الاستقرار السياسي والمؤسسي في دول القرن الأفريقي باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح أي استراتيجية للعمق العابر للأقاليم، لأن غياب الاستقرار يضعف القدرة على الاستفادة من الفرص الاقتصادية والاستراتيجية.
سادساً: إنشاء مراكز تفكير استراتيجية متخصصة في دراسة التفاعلات العابرة للأقاليم وتحليل الاستراتيجيات الدولية، بما يساعد صناع القرار على بناء سياسات قائمة على المعرفة والتحليل العلمي.
تأسيساً على كل ما سبق، ربما تعتبر مقاربة “العمق العابر للأقاليم” إطاراً تحليلياً واستراتيجياً واعداً لفهم التحولات الجارية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، كما تمثل أداة عملية لإعادة التفكير في طبيعة التفاعلات الدولية في القرن الحادي والعشرين. فالصين من خلال هذه الاستراتيجية لا تسعى فقط إلى توسيع نفوذها، بل إلى إعادة تشكيل المجال الإقليمي عبر شبكة تفاعلات اقتصادية واستراتيجية متعددة المستويات، وهو ما يجعل الشرق الأوسط الجديد مشروعاً قائماً على الترابط والتكامل بدل الصراع والهيمنة. غير أن نجاح هذا المشروع يظل مرتبطاً بقدرة دول المنطقة على توظيف هذا العمق العابر للأقاليم ضمن رؤية استراتيجية وطنية وإقليمية متماسكة تحقق التنمية والاستقرار وتحافظ على السيادة، وهو ما يشكل التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة.
[1] Mackinder, Halford J, The Geographical Pivot of History, The Geographical Journal, London: Royal Geographical Society, Vol. 23, No. 4 (1904) pp 345-345
[2] Flint, Colin & Taylor, Peter, Political Geography: World-Economy, Nation-State and Locality, 7th ed., London: Routledge (2018). pp 34-34.
[3] Cohen, Saul Bernard, Geopolitics: The Geography of International Relations, Lanham: Rowman & Littlefield (2009).pp 28–35.
[4] Castells, Manuel, The Rise of the Network Society, 2nd ed, Oxford: Wiley-Blackwell pp 98-100 (2010).
[5] Buzan, Barry & Wæver, Ole, Regions and Powers: The Structure of International Security, Cambridge: Cambridge University Press. pp (2003). 44–49
[6] Kaplan, Robert D., The Revenge of Geography, New York: Random House, pp (2012) 31–35
[7] Cohen, Saul B., Geopolitics of the World System, Lanham: Rowman & Littlefield pp 11-18 (2003)
[8] Buzan, Barry & Wæver, Ole 79.
[9] Brzezinski, Zbigniew, The Grand Chessboard: American Primacy and Its Geostrategic Imperatives, New York: Basic Books pp 41-45 (1997).
[10] Mackinder 436.
[11] Mahan, Alfred Thayer, The Influence of Sea Power upon History, Boston: Little, Brown pp 34-55 (1890).
[12] Spykman, Nicholas, America’s Strategy in World Politics, New York: Harcour. pp 71-76 (1942)
[13] Brzezinski. 40.
[14] Sun, Yong., Forecasting China’s Strategy in the Middle East over the Next Four Years, Brookings Institution, Washington DC: Brooking pp 55-67 (2024).
[15] Chen, Jirg., Yang, X., Wang, M. & Su, M., Evolution of China’s Interaction with Middle Eastern Countries under the Belt and Road Initiative, PLoS ONE, San Francisco: Public Library of Science, Vol. 18, No. 4 (2023). 2.
[16] Abdilahi, I., The Geopolitics and Impacts of China’s ‘One Belt, One Road’ Initiatives in the Horn of Africa, European Journal of Political Science Studies, London: European Publishers, Vol. 8,No 11 pp 88-97 (2025) .
[17] Eickhoff, K. & Godehardt, M., China’s Horn of Africa Initiative: Strategic and Economic Implications, SWP Berlin, Berlin: German Institute for International and Security Affair pp 345-345 (2022)،
[18] Sun . 3.
[19] Chen et al. 2.
[20] Abdilahi . 1.
[21] Chen et al . 3.
[22] Geopolitical Chessboard: China’s Belt and Road Initiative and Shifting Power Dynamics Springer Nature Link, Berlin: Springer pp. 23-26. 2023
[23] Sun. 7.
[24] آفاق التعاون بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، Middle East Council on Global Affairs, Beirut: MECGA pp 60-64 (2025).
[25] Abdilahi. 2.
[26] Sun . 14.
[27] Abdilahi . 3.
[28] Eickhoff & Godehardt . 6.
[29] Sun . 12
[30] Sidło, K. W., The Chinese Belt and Road Project in the Middle East and North Africa, IEMed, Barcelona: European Institute of the Mediterranean. 88- 100 (2025).
[31] Reuters, China Calls for End to War in Middle East, Warns of Economic Impact, Reuters, London: Reuters News Agency. pp 74- 81.2026
[32] 8. Geopolitical Chessboard: China’s Belt and Road Initiative and Shifting Power Dynamics, Springer Nature Link, Berlin: Spring. pp 90- 97. 2023
[35] . عبد الحي، وليد سالم. (2014). موقع الصين المستقبلي في النظام الدولي من 1978 إلى 2010. أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ص 77- 86.
[36] . عبد الله، أحمد عبد الجبار. (2015). الصين والتوازن الاستراتيجي العالمي بعد عام 2001 والآفاق المستقبلية. بيروت: المؤسسة العربية للعلوم ونشر الأبحاث. ص 10- 16.
[37] . العمري، ياسر. (2021). الصين والمنافسة الدولية في القرن الأفريقي: دراسة في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي. القاهرة: المركز العربي للبحوث والدراسات ص 27- 34.
[38] منى، ريا عبد الحسين. (2026). أهمية منطقة القرن الأفريقي في التصور الاستراتيجي الصيني. المجلة الدولية والسياسية، العدد (65)، ص 381-407.
[39] . عبد الرزاق، بشير هادي. (2015). السياسة الاقتصادية الصينية في أفريقيا… الواقع والمستقبل. مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية، المجلد 12، العدد (52). ص 45
[40] . الجزيرة للدراسات، سياسة الصين الجديدة في الشرق الأوسط: الربط الاقتصادي والأمني, الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات (2017)، ص. 11–15.
[41] . مخلوفي، لمياء. (2017). استراتيجية الصين الجديدة للحزام والطريق وأفريقيا. مجلة مدارات سياسية، العدد (1825-2588). ص 18
[42] مراد، مقاش؛ وفوزي، نور الدين. (2021). استراتيجيات التوسع الصينية في القرن الأفريقي في ظل الوجود الأمريكي في المنطقة. مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية، المجلد 8، العدد (1). ص 87.
[43] عبيدون، الشافعي. (2022). سياسة الصين الجديدة في القرن الأفريقي: الثوابت والمتغيرات. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات. ص 36.
[44] زبول، إسلام عبد الله. (2021). التنافس الإماراتي الصيني في القرن الأفريقي: السياقات والتوقعات والأجندات المتباينة. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. ص 98.
[45] البستاني وآخرون، جاد مصطفى. (2021). خريطة الصراع الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. مصر: المركز الديمقراطي العربي. ص 56-59.
[46] . البستاني وآخرون، جاد مصطفى. (2021). خريطة الصراع الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. مصر: المركز الديمقراطي العربي. ص 178.
[47] . الزبير، محمد عزام. (د.ت). صعود الدور الصيني في منطقة القرن الإفريقي: الدوافع والتداعيات. قراءات إفريقية. ص 37.
[48] كلاع، شريفة. (2021). التواجد الصيني في شرق إفريقيا: الدوافع، الفرص والتحديات. المجلة الدولية للبحوث القانونية والسياسية، المجلد 5، العدد 2، ص 335-359.
[49] . مركز الجزيرة للدراسات. (2021). ملف بحثي: التنافس الدولي في إفريقيا.. دوافعه وأطرافه وأبعاده (أوراق مؤتمر). الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات. ص 77.
[50] . فريد، سالي محمد. (د.ت). دور مبادرة الحزام والطريق وتنمية أفريقيا 2063 في دعم التجارة البينية الأفريقية (دراسة). فاروس للدراسات الاستراتيجية. ص 123.
[51] بن حمزة، فاطمة؛ وابن عتو، عبد القادر. (2020). الاستراتيجية الصينية في أفريقيا بين المصالح الاقتصادية والتحديات الجيوسياسية. مجلة الدراسات الأفريقية، المجلد 3، العدد 2. ص 56- 76.
[52] جلولي، سمير. (2019). الصين والقرن الأفريقي: الأبعاد الجيوسياسية للتواجد الصيني في جيبوتي. مركز الجزيرة للدراسات. ص 34-46.
[53] بوفلاقة، نادية. (2022). مبادرة الحزام والطريق الصينية وانعكاساتها على الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي. مجلة الأمن الإقليمي والدولي، المجلد 4، العدد 1ص 112-130.
[54] حسن، رانيا عبد المجيد. (2021). التنافس الصيني-الأمريكي في أفريقيا: منطقة القرن الأفريقي نموذجًا. مجلة السياسة الدولية، العدد 225، القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. ص 77- 86.
[55] شحاتة، أحمد محمد. (2020). التحولات في السياسة الصينية تجاه أفريقيا: من مبدأ عدم التدخل إلى المشاركة في إدارة الأزمات. المجلة المصرية للدراسات الأفريقية، المجلد 38، العدد 1، 45-78. ص 27- 36.
[56] العيسوي، إبراهيم. (2021). البعد العسكري للاستراتيجية الصينية في القرن الأفريقي: قاعدة جيبوتي كدراسة حالة. مركز الخليج للأبحاث، ورقة بحثية ص 112.




