الوجود الإسلامي في الصين ودور الجمعيات الإسلامية
د. حافظ إسماعيل يوسف محمد، نقابة المحاميين السودانيين (السودان)
مقدمة:
يُعد الإسلام من الديانات التي عرفت حضورًا مبكرًا في الصين منذ قرون طويلة، حيث تشكّل قومية الهوي أكبر المكونات الإسلامية في البلاد، إلى جانب مجموعات أخرى مثل الأويغور وغيرهم من القوميات المسلمة. وقد أثار هذا الوجود الإسلامي تساؤلات علمية حول طبيعة الإسلام في الصين، ودور الجمعيات الدينية الإسلامية في تنظيم الحياة الدينية للمسلمين، فضلاً عن التحديات التي تواجهها في ظل السياقين السياسي والاجتماعي في الصين.
وتسعى هذه الورقة لبيان طرق دخول وانتشار الإسلام في الصين، ودور الجمعيات الدينية الإسلامية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر هذه الجمعيات في التوجهات السياسية والاجتماعية داخل الدولة الصينية؟ وبيان أهم التحديات التي تواجه المسلمين في الصين.
أولاً: طرق دخول الإسلام إلى الصين وانتشاره:
وصل الإسلام إلى الصين عبر التجارة والبعثات والرسل، وكذلك عبر الحملات العسكرية، وعن طريق الدعاة والرحالة المسلمين ، عبر طريقين هما: طريق البحور البحري المنطلق من المناطق الساحلية في جنوب شرق الصين، وطريق الحرير البري المنطلق من المناطق شمال غربي الصين، وقد جاء المسلمين (عرب وفرس وأتراك)،من وسط آسيا حاملين معهم دين الإسلام([1])، وفي رواية أخرى، وصل الإسلام إلى الصين عن طريق محورين:
الأول: بري جاء إليها من الغرب، وتمثل في فتح التركستان الشرقية، في منطقة كاشفر، فقبل أن ينتهي القرن الهجري الأول وصلت فتوحات قتيبة بن مسلم الباهلي الحدود الغربية للصين، وعلى الرغم من أن الفتوحات الإسلامية لم تتوغل في أرض الصين، إلا أن طريق القوافل بين غرب آسيا والصين كان له أثره في انتشار الإسلام عن طريق التجار في غربي الصين، ولقد عرف هذا بطريق الحرير، كما إن لمجاورة الإسلام في منطقة التركستان بوسط آسيا للحدود الغربية للصين أثره في بث الدعوة الإسلامية في غربي الصين.
الثاني: بحري نقل الإسلام إلى شرقي الصين، ففي نهاية عصر الخلفاء الراشدين وصل مبعوث مسلم إلى الصين سنة 31 هـ في عهد عثمان بن عفان ــ رضي الله عنه ــ ثم توالت البعثات الإسلامية على الصين حتى بلغ عددها 28 بعثة في الفترة بين سنتي 21 هـ ــ 651م، و184 هـ ــ 800م، وتوالت على الصين عبر هذا المحور البعثات الدبلوماسية والتجارية، وأخذ الإسلام ينتشر عبر الصين من مراكز ساحلية نحو الداخل.
ومر انتشار الإسلام في الصين عبر مراحل تريخية ارتبطت بتاريخ الأسر الحاكمة في الصين يمكن إبجازها في الآتي:
1- عصر حكم أسرتي تانغ وسونغ:
بلغ عدد البعثات التي وصلت إلى الصين في مدى قرن ونصف إلى 28 بعثة، منها 16 بعثة أطلق الصينيون عليها “التاتشي” وأضيف إليها عبارة ” أصحاب الملابس البيضاء ” (وهي إشارة إلى البعثات في ظل الحكم الأموي)، ومنها: 12 بعثة أطلقوا على أصحابها ” التاشي” (أصحاب الملابس السوداء)، وهذا يعني أنها في العصر العباسي.
وظهرت مناطق إسلامية في عهد أسرتي تانغ وسونغ في كانتون، وفي تشوان تشو، ومن أشهر الآثار الإسلامية في المنطقتين مسجد ذكرى النبي ــ عليه الصلاة والسلام ــ في كانتون، ومسجد الطاهر في تشوان تشو، وفي هذا المسجد حجر مكتوب فيه اسم مؤسسه وهو تاجر عربي يدعى (مظهر الدين) وقدم إلى هذه المدينة سنة 515هـ.
2- المسلمون في عصر “يوان”:
نهض المسلمون في عصر المغول بالصين نهضة سريعة، وزاد نفوذهم وشغلوا مناصب عديدة في الدولة، فظهر منهم السيد الأجل (شمس الدين عمر)، وتقلد عدة مناصب منها حاكم ولاية يونان في سنة 673هـ ــ 1274، وعمل أثناء حكمه على تثبيت أقدام المسلمين بهذه الولاية.
وقد تولى المسلمون حكم 8 ولايات من الصين في عهد المغول، وكانت الصين مقسمة إلى 12 ولاية، وهكذا كان للمسلمين شأن عظيم في حكم الصين في عهد أسرة “يوان”، وزار الرحالة (ابن بطوطه)، الصين في هذه الفترة وكتب عن المسلمين بالصين.
3ــ أحوال المسلمين في عهد أسرة منغ:
ظهرت أسماء صينية للمسلمين مثل: (ما) اختصاراً لمسعود أو محمد و(حا) اختصاراً لحسن، و(نا) اختصارا لنصر الدين، ومن أشهر الشخصيات البارزة في عهد منغ القائد “تشانج يو”والحاج جيهان (جنهم)، وهو أكبر بخار يفتخر به تأريخ الصين القديم.
4 -المسلمون في عهد المانشو “المنشوريين”:
تغيرت أوضاع المسلمين في هذا العصر فكان عهد ظلم واستبداد، بسبب جهل الموظفين المنشوريين بعادات المسلمين، لهذا ظهرت عدة انتفاضات قام بها المسلمون ضد ظلم واستبداد الحكام، وراح ضحيتها نحو 30 ألف مسلم، وفي هذه الفترة ظهرت أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الصينية في سنة 1279 هـ ــ 1862 م.
5ــ المسلمون في العهد الجمهوري من سنة (1329هـ ــ 1911م):
بعد انتهاء حكم المانشو، وإعلان الحكم الجمهوري على يد الدكتور (صون يات صن) في سنة 1329هـ، الذي أعلن أن الأمة الصينية تتكون من خمسة عناصر يشكل المسلمون إحداها وهي: العنصرالصيني “الهانيون”، المانشو، العنصر المغولي، الهوي “المسلمون”،العنصر التبتي.
ويتكون المسلمون الصينيون من القوميات التالية: الهوي، والأيغور، والقازاف، والقرغيز، والأوزبك،والتتار، والتاجيك، ودو تغشيانغ، وسلار،وباوان، وكان علم الجمهورية يتكون من خمسة ألوان للمسلمين اللون الأبيض([2]).
ثانيًا: نشأة الجمعيات الدينية الإسلامية في الصين وأدوارها
يوجد بالصين عدد كبير من الجمعيات الإسلامية تُمثل مقاطعات مختلفة منها:
(1) جمعية التقدم الإسلامية:
ظهرت للوجود عام 1912 كأول جمعية لمسلمي الصين وكان مقرها الرئيسي بكين، ثم تحولت إلى يوننان، وأنشأت فروعاً عديدة لها في مناطق المسلمين، حتى وصلت رانجون عاصمة بورما المجاورة للصين،وتوسعت نشاطاتها فقامت بإنشاء إدارة للمعارف (التعليم)، وإدارة الهدلية (الدعوة) وإدارة للصلح والإفتاء، وتوفرت لها موارد مالية جيدة، فأنشأت مجلة المنبرالإسلامي باللغة الصينية في يوننان، واستأذنت شيخ الأزهر في ابتعاث الشباب المسلم الصيني للدراسة بالأزهر الشريف.
وقد أنشأت مدرسة ابتدائية إسلامية في عاصمة يوننان ومدرسة ثانوية لتدريس اللغتين العربية والصينية والعلوم الدينية، واعترفت بها وزارة التعليم في الحكومة المركزية، ثم أنشأت مدرسة للمعلمين الإسلامية الثانوية في عاصمة مقاطعة شانتونغ، ثم نقلت إلى بكين وأسس في شنغهاي (مدرسة المعلمين الإسلامية)وأخرى في ولاية ستيشوان.
(2) الجمعية الإسلامية الصينية:
تأسست عام 1952م في بكين، وكان أول مؤتمر لها عام 1953م، وذلك خلال المؤتمر الإسلامي الأول للمسلمين في الصين المنعقد في بكين. ويتمثل مهامها في مساعدة الحكومة على تطبيق سياسة الحرية والاعتقاد الديني، وحماية الحقوق الشرعية لرجال الدين الإسلامي والمسلمين، وتحسين الشئون الدينية وتوحيد المسلمين من مختلف القوميات، على حب الوطن الأم والإشتراك في البناء الإشتراكي المادي والمعنوي، ولقد جاءت ولادة الجمعية في ظروف صعبة تمر بالمسلمين في الصين، من اضطهاد وكبت للحريات الدينية ومصادرة المساجد والأوقاف.
وقد كانت الجمعية خلقت: الوصل والتنسيق بين الحكومة والمسلمين، وقد قامت ببعض الأعمال الأدبية من طباعة بعض الكتب وأصدرت مجلة (المسلم الصيني) وأقامت معهد للعلوم الإسلامية. وقد كان (الحاج برهان شهيدي): أول رئيس للجمعية منذ عام 1953، وظل في هذا المنصب حتى أوائل 1980، فقد انتخب للرئاسة نائبه: محمد علي تشانع جيه، ولا يزال رئيساً فخرياً لها([3]).
ومن أهم مبادئ عمل الجمعية: مساعدة الحكومة الصينية على نشر وتنفيذ سياسة حرية الاعتناق الديني، رفع راية الوطن عالياً، والحفاظ على مبادئ العقيدة الإسلامية الأساسية والتقاليد الإسلامية الحميدة وإظهارها، القيام بدور الجسر الرابط بين الحكومة الصينية والمسلمين من مختلف القوميات في كل البلاد، والحفاظ على استقرار النظام الاجتماعي ووحدة البلاد.
وأصدرت الجمعية العديد من المطبوعات، من أهم ما صدر عنها من مطبوعات مترجمة “القرآن الكريم” و”الحديث النبوي” وغيرهما، كما أصدرت مجلة بعنوان: “المسلم الصيني”باللغة الصينية واللغة الأويغورية، وهي لغة قومية الأويغور المسلمة ــ والتي تصدر كل شهرين وتوزع في كل أنحاء الصين، كما أن للجمعية موقعاً عبر شبكة الانترنت باللغات الصينية والأويغور والعربية والإنجليزية.
وللجمعية الإسلامية الصينية عدة أقسام تشرف عليها:
(أ) قسم التعليم: وهو المسئول عن التربية الدينية، وإقامة المسابقات الدينية في ” تلاوة القرآن الكريم” والوعظ.
(ب) قسم العلاقات الدولية: وهو المسئول عن تنظيم رحلات الحج للمسلمين الصينيين، كما يهتم بإقامة العلاقات الودية بين الجمعية ومختلف المراكز البحثية في العالم.
(ج) قسم الثقافة الإسلامية: وهو المسئول عن تأليف وإصدار الكتب الدينية، وتنظيم الندوات والمناقشات حول العلوم الإسلامية([4]).
(3) جمعية الأدب الإسلامي الصيني:
أنشئت على يد الحاج (هلال الدين تشينغ) في عام 1925، وكان مركزها مدينة شنغهاي. يتمثل مهامها في تبسيط فهم العقيدة الإسلامية والنهوض بالتعليم الإسلامي، ومساندة الإعمال الخيرية وترجمه معاني القرآن الكريم وأصدرت مجلة شهرية، وساعدت على تأسيس منح دراسية بالبلدان الإسلامية.
(4) الجمعية الإتحادية لعموم الصين:
تأسست إبان الغزو الياباني للصين،لذلك نالت التأييد من السلطات واتسع نفوذها وفاقت سائر المنظمات، لهذا حاولت اليابان عمل تنظيم إسلامي مضاد، فكونت اتحاد المسلمين الصينيين، وكان مركزه بكين، ونشطت هذه المنظمات الإسلامية في توثيق صلة المسلمين بالعالم الإسلامي.
وهناك العديد من الجمعيات الإسلامية: في هونغ كونغ، وماكاو، وسنكيانج، وتليوان، ولكن كل هذه الهيئات الإسلامية بالصين غير كافية، وليس هناك توزيع جغرافي لها على مستوى المقاطعات، وهذا سبب في عدم إلمام هذه الجمعيات بكل أحوال المسلمين في الصين([5]).
ثالثًا: التحديات التي تواجه المسلمين في الصين وسبل معالجتها
على الرغم من إخلاص في الصين للعهد الجمهوري في حكم “صن يات صن” وفي عهد خليفته الجنرال “كاي شك”، ففي سنة 1329هـ ــ 1911م، وقع صدام مسلح بين المسلمين وحاكم مقاطعة “سنكياج”، أدى إلى قتل عشرات الآلاف من المسلمين، وحدث صدام آخر بين المسلمين والسلطات الحاكمة في مقاطعة “جانصو” في سنة 1347هـ ــ 1928م، نتج عنه مقتل العديد من المسلمين، وحدثت عدة صدامات بين المسلمين والسلطة في مقاطعتي “هيوان”، و”كويوان”. ورغم هذه التحديات، فإن الأمر لا يقارن بالمعاناة التي قاسى منها المسلمون في الصين في عهد الحكم الشيوعي.
فقد فُرض على المسلمين نظام الزواج المختلط، ونظام “الكوميونات”ونظام المعيشه المشتركة،وصادرت السلطات أملاك الأوقاف الإسلامية، وقضى هذا على مرتبات الوعاظ والمدرسين، فاضطروا للعمل داخل “الكوميونات” وقاوم المسلمون هذا التسلط في ولايات (جانصو، وتسغناي،والتركستان الشرقية، والتبت )، فقبض الشيوعيون على زعماء المسلمين وأودعوا السجن، وأُحرقت الكتب الإسلامية وأغلقت المساجد، وهدم الكثير منها، كما أغلقت المدارس، وشرد علماء الدين وفر العديد منهم إلى الخارج([6]).
فرضت السلطات الصينية حظرا يمنع الناس في شيتجيانج من استخدام تسمية الأطفال بأسماء مثل: “محمد” و “جهاد”،وغيرهم من المعاني الدينية التي يستخدمها المسلمون على نطاق واسع، وكما أشارت صحيفة نيويورك تايمز، فإن المسؤولين يقولون إن هذا الإجراء هو جزء من محاولة ” للحد من الحماس الديني” في المنطقة([7]).
ومن أهم التحديات التي يواجهها المسلمون في الصين اليوم: قلة الأئمة، وعدم وجود رابطة للعلماء المسلمين في الصين، وطبيعة المناهج التعليمية، في المراحل الدراسية من الإبتدائية إلى الجامعة، والمناهج الدراسية الحكومية إلحادية وعلمانية، ولذلك قلما نجد طالباً مسلماً يتخرج في الجامعات الحكومية وعنده وعي ديني عميق، أو إيمان قوي، هذا بجانب موجات التنصير التي تُعد من أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في الصين ([8]).
خاتمة:
يتبين من خلال هذا البحث أن الإسلام دخل إلى الصين منذ فترة مبكرة عبر طرق التجارة البرية والبحرية، وأسهم المسلمون في بناء المجتمع الصيني والمشاركة في الدفاع عنه بوصفهم جزءًا من نسيجه الاجتماعي. وعلى الرغم من هذا الوجود التاريخي العريق، فقد واجه المسلمون في بعض الفترات تحديات وصعوبات نتيجة سياسات بعض الحكام، الأمر الذي أدى في بعض المناطق إلى توترات اجتماعية وسياسية، بل وظهور مطالب بالانفصال في بعض الأقاليم ذات الأغلبية المسلمة. ومع ذلك ظل الإسلام أحد المكونات الدينية والثقافية المهمة في المجتمع الصيني.
ويتمثل الوجود الإسلامي في الصين في عدة مجموعات عرقية ودينية، من أبرزها قومية الهوي وقومية الأويغور، وتؤدي الجمعيات الدينية الإسلامية دورًا مهمًا في تنظيم الحياة الدينية للمسلمين والمحافظة على هويتهم الثقافية والدينية، لكن يواجه المسلمون في الصين، وكذلك مؤسساتهم الدينية، تحديات معاصرة تتعلق بالسياسات الدينية، والحفاظ على الهوية الإسلامية، وقضايا الاندماج الاجتماعي وهو ما يتطلب تشجيع المسلمين في الصين على تعزيز التعاون فيما بينهم من خلال إنشاء روابط أو هيئات إسلامية تسهم في تنظيم شؤونهم الدينية والاجتماعية، دعم الجهود العلمية والبحثية التي تعرّف بتاريخ الإسلام في الصين ودور المسلمين في المجتمع الصيني، تعزيز الحوار الثقافي والديني بما يسهم في تحقيق التعايش السلمي والحفاظ على الهوية الدينية للمسلمين.
([1])-محمد حسن محمد حمد ، الإسلام في الصين ، رسالة ماجستير ، جامعة الخرطوم ،السودان ، كلية الآداب ، يونيو 2006م ، ص51 .
([2] ) سعد بن عبد الله الحميد : موقع الألوكة .
([3] )- محمد حسن محمد حمد ،المرجع السابق .
([4]) الجمعية الإسلامية الصينية ــ البوابة الرسمية لمسلمي الصين , وحدة رصد اللغة الصينية .
([5]) محمد حسن محمد حمد : إشراف الدكتورة : فيروز , المرجع أعلاه .
([6]) سعد بن عبد الله الحميد ، مرجع سابق .
([7]) جمال خطاب ، الصين : قصة سيدة مسلمة تكشف التحديات التي تواجهها المسلمات هناك ، مجلة المجتمع ، الرابط المختصر : //mugtama.com/a/a7el2m9D
([8]) يونس عبد الله، ما تشنغ بين الصيني ، مجلة الإسلام في آسيا ،المجلد 33 : العدد2 ،ديسمبر 2016 ، ص22 ــ 28 .




