تحليلات وتقديراتسياسةمقالات

الديمقراطية بعد الخراب في السودان: نحو بناء مستقبل سياسي من الداخل

بروف محمد إحسان (العراق)

أستاذ زائر أول، كلية جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل البريطانية، باحث أول كلية كينجز لندن، ووزير حقوق الإنسان في إقليم كردستان العراق، سابقًا

ثمة ميل متكرر في النقاشات المتعلقة بالديمقراطية في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى البدء بسؤال مألوف: كيف يمكن لدول مثل السودان أن تصبح أشبه بالديمقراطيات الغربية الراسخة؟

السؤال مفهوم، لكنه ربما ليس نقطة البداية الصحيحة، فالديمقراطية ليست تقنية غربية يمكن ببساطة استيرادها وتجميعها وتشغيلها. لقد طورت الولايات المتحدة نظامها الديمقراطي عبر مسار تاريخي خاص، تشكل من الثورة، والدستورية، والفيدرالية، والصراع الأهلي، والتحول الاقتصادي، والنضال الاجتماعي. ومؤسساتها هي نتاج ذلك التاريخ.

أما السودان، شأنه شأن البلدان الأخرى الخارجة من حقب الاستبداد والعنف السياسي والحرب، فيمتلك تجربة تاريخية وبنية اجتماعية وتقاليد سياسية وعلاقة بين الدولة والمجتمع تختلف بصورة جوهرية، لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: كيف يستطيع السودان استنساخ الديمقراطية الأمريكية؟ بل: كيف يمكن لمجتمع عانى الحكم الاستبدادي، والتدخل العسكري، والإقصاء السياسي، والحرب المدمرة، أن يبني شكله الخاص من الحكم الديمقراطي؟

وهذا التمييز مهم؛ لأن الديمقراطية في جوهرها لا تتعلق بنسخ المؤسسات بقدر ما تتعلق بإقامة نظام سياسي يمكن فيه تحدي السلطة من دون عنف، وتغيير الحكومات من دون ثورة، وتمكين الأقليات من المشاركة من دون خوف، وتمكين المواطنين من التنظيم بصورة مستقلة عن الدولة.

وإذا كانت الديمقراطية تتطلب انتخابات، فإنها تحتاج لما هو أكثر بكثير من الانتخابات، فهي تحتاج إلى مؤسسات وعادات سياسية تجعل الاختلاف مشروعًا، والمنافسة السياسية ممكنة وقابلة للاستمرار. ويجسد السودان إلحاح هذه المسألة بصورة بالغة الوضوح.

ما بعد تغيير النظام

أثار الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بعمر البشير عام 2019 آمالًا هائلة في سودان جديد. وللحظة، بدا أن من الممكن أن تفسح عقود من الحكم الاستبدادي المجال أمام حكومة مدنية عبر انتقال تفاوضي، لكن المرحلة الانتقالية واجهت صعوبة في تجاوز النفوذ السياسي والاقتصادي المتجذر للمؤسسة العسكرية والفاعلين المسلحين. وقد كشف الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 عن ضعف جوهري في المرحلة الانتقالية: إسقاط الحاكم المستبد ليس هو نفسه تفكيك البنى الاستبدادية.

ثم جاءت الحرب

في 15 أبريل 2023، اندلعت المعارك بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، وسرعان ما امتدت من الخرطوم إلى مناطق أخرى من البلاد، بما فيها دارفور وكردفان. وأفرز الصراع معاناة هائلة للمدنيين، ونزوحًا واسع النطاق، وتدميرًا للبنية التحتية، وانعدامًا للأمن الغذائي، واتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبحلول عام 2026، كانت الأمم المتحدة تصف السودان بأنه يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم، وتفيد بأن نحو 34 مليون شخص داخل البلاد بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما فر أكثر من 4.5 ملايين شخص عبر الحدود الدولية.

لكن مأساة السودان لا ينبغي أن تقود إلى استنتاج أن الديمقراطية مستحيلة بعد الحرب، بل إلى استنتاج أكثر صعوبة: الديمقراطية بعد الحرب يجب أن تبدأ من تهيئة الظروف السياسية التي تجعل المنافسة السلمية ممكنة.

وعليه، ينبغي أن تتمثل المهمة الأولى للانتقال الديمقراطي في السودان في إقامة سلطة سياسية مدنية حقيقية على المؤسسات المسلحة، فلا يمكن لدولة أن تكون ديمقراطية حقًا إذا كان أقوى الفاعلين السياسيين فيها يمتلكون السلاح من دون مساءلة مدنية حقيقية. وإذا أدركت الأحزاب السياسية أن خسارة الانتخابات قد تعني فقدان الوصول إلى القوة المسلحة، أو الموارد الاقتصادية، أو الأمن الشخصي، فإن الانتخابات نفسها قد تتحول إلى ساحة أخرى للصراع.

ولهذا السبب، لا يمكن التعامل مع بناء السلام وإرساء الديمقراطية بوصفهما مشروعين منفصلين تمامًا، فوقف إطلاق النار الذي يكتفي بتجميد نفوذ الفصائل المسلحة من دون التوصل إلى تسوية سياسية قد يؤجل الصراع المقبل بدلًا من حله. وفي الوقت نفسه، فإن إجراء انتخابات قبل أن تقبل الأطراف المسلحة بشرعية المنافسة السياسية المدنية قد يؤدي إلى ترسيخ القوة العسكرية بدلًا من إرساء الديمقراطية.

لذلك، يحتاج السودان إلى ما هو أعمق من جدول زمني للانتخابات، إنه يحتاج إلى تسوية سياسية تقبل فيها المؤسسة العسكرية، والحركات المسلحة، والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني، والمجتمعات المحلية والإقليمية، والمواطنون العاديون، مبدأً أساسيًا: السلطة السياسية في نهاية المطاف ملك للمدنيين.

ويجب ألا يظل هذا المبدأ مجرد عبارة دستورية، بل أن يتحول إلى حقيقة سياسية، فعلى الجيش أن يدافع عن البلاد، لا أن يحدد من يحكمها. وينبغي في نهاية المطاف دمج الجماعات المسلحة في هيكل أمني وطني موحد، أو تسريحها، أو إعادة إدماج أفرادها في الحياة المدنية. وعلى الأحزاب السياسية أن تتنافس على كسب المواطنين، لا على كسب رعاية العسكريين. كما يجب أن يتمكن المدنيون من الاختلاف حول مستقبل بلدهم من دون أن يضطروا إلى الاختيار بين الاستسلام والعنف.

بناء ديمقراطية سودانية

هنا تحديدًا تبرز أهمية فكرة الديمقراطية السودانية، ففي بعض الأحيان، يجري الحديث عن التحول السياسي في الدول النامية وكأن الشرعية يمكن أن تُسلَّم إليها من الخارج. تستطيع الحكومات الأجنبية، والمنظمات الدولية، والمؤسسات المالية الدولية تقديم الخبرة، والوساطة، والمساعدات الإنسانية، والدعم الاقتصادي، والمعرفة الفنية. ويمكنها مساعدة المجتمعات على التفاوض، والمساهمة في إعادة بناء المحاكم والمدارس والإدارات العامة والمؤسسات الانتخابية. لكنها لا تستطيع أن تصنع الشرعية الديمقراطية.

فالدستور الذي يُكتب استجابة لمطالب حكومات أجنبية سيظل عرضة لاتهامه بأن الديمقراطية مشروع خارجي. والحركة السياسية التي تعتمد بالكامل على التمويل الأجنبي قد تنفصل في نهاية المطاف عن المجتمع الذي تدّعي تمثيله. كما أن الحكومة التي يُنظر إليها أساسًا بوصفها نتاجًا للضغط الدولي، وليس ثمرة توافق داخلي، قد تجد صعوبة في بناء شرعية حقيقية.

وهذا لا يعني أن على السودان عزل نفسه عن المجتمع الدولي. فثمة فرق مهم بين المساعدة الدولية والوصاية الدولية. الأولى يمكن أن تكون ذات قيمة، أما الثانية فقد تكون خطرة، يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد دولة على بناء الديمقراطية، لكنه لا يستطيع أن يحكم تلك الدولة ديمقراطيًا.

وفي نهاية المطاف، يجب أن يصمم السودانيون أنفسهم عملية الانتقال الديمقراطي في السودان، وأن يتفاوضوا بشأنها، وأن يدافعوا عنها. ويمكن للفاعلين الدوليين دعم العملية من دون أن يصبحوا واضعيها. ويمكن للمؤسسات الإقليمية التوسط في الخلافات السياسية، وللحكومات الأجنبية المساعدة في تمويل إعادة الإعمار، وللمنظمات الدولية توفير المعرفة الفنية والدعم الإنساني، لكن القرارات السياسية يجب أن تكون ملكًا للسودان، وهذا المبدأ يتجاوز السودان.

الديمقراطية لا يمكن أن توجد في العاصمة وحدها

من أهم الأخطاء في مراحل الانتقال السياسي التركيز شبه الكامل على الرؤساء والجنرالات والوزراء والأحزاب السياسية الكبرى. وهؤلاء فاعلون مهمون بالفعل، لكن الديمقراطية لا يمكن أن تصمد إذا وجدت في العاصمة وحدها، فالمجتمع الديمقراطي يجب أن يصل إلى القرية، والبلدية، والنقابة المهنية، والجامعة، والنقابة العمالية، والمنظمة النسائية، والحي، والمجلس المحلي. ويحتاج المواطنون إلى ممارسة فعلية للمشاركة السياسية قبل أن تصبح الديمقراطية أكثر من مجرد وعد دستوري مجرد.

وتزداد أهمية ذلك في البلدان التي تتسم بتنوع جغرافي واجتماعي وإثني وديني واقتصادي هائل. فعندما تتركز السلطة السياسية بصورة شبه كاملة في العاصمة، يمكن أن تتحول الانتخابات الوطنية إلى صراع للاستيلاء على الدولة بدلًا من أن تكون آلية لتمثيل المجتمع.

لذلك، تحتاج الديمقراطية إلى اللامركزية، فالحكم المحلي يمكن أن يمنح المواطنين فرصة المشاركة في القرارات المتعلقة بالتعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والضرائب، والأراضي، والخدمات العامة. كما يمكنه أن يتيح ظهور قيادات سياسية خارج الطبقة الحاكمة التقليدية، وأن يقلل من حجم الرهانات المرتبطة بالسلطة السياسية الوطنية، فالإنسان لا يتعلم الديمقراطية بمجرد الاستماع إلى خطاب عن الحرية، إنما يتعلمها عندما يكتشف أنه يستطيع الاختلاف مع جاره، والتنظيم سياسيًا، وخسارة التصويت، وقبول النتيجة، وانتقاد من فاز، والمحاولة مرة أخرى لاحقًا، من دون أن يخشى السجن أو العنف، هذه هي الثقافة السياسية التي يفترض أن تصنعها المؤسسات الديمقراطية.

قدرة الدولة والحرية السياسية

تواجه الدول الخارجة من الحكم الاستبدادي تحديًا آخر بالغ الصعوبة: كيف تتحول إلى الديمقراطية من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار مؤسسات الدولة أو اندلاع مواجهة عنيفة جديدة؟

السؤال المركزي هو: كيف يمكن للدولة أن تتحول تدريجيًا نحو الديمقراطية مع الحفاظ في الوقت ذاته على المؤسسات الضرورية للاستقرار، وتقديم الخدمات العامة، والحفاظ على التماسك الوطني؟

وهذا يجعل العلاقة بين قوة الدولة والحرية السياسية ذات أهمية خاصة، فقد تمتلك دولة جهازًا بيروقراطيًا ضخمًا، وجامعات راسخة، وطبقة مهنية واسعة، ومؤسسات وطنية قوية، ومع ذلك تظل بحاجة إلى إصلاح سياسي حقيقي.

التحدي ليس تدمير الدولة من أجل دمقرطتها، بل يتمثل في فتح المجال السياسي مع الحفاظ على قدرة الدولة على أداء وظائفها، فالأحزاب السياسية تحتاج إلى مساحة حقيقية للتنظيم. والإعلام المستقل يحتاج إلى مجال للعمل. والمجتمع المدني يحتاج إلى حماية قانونية. والانتخابات تحتاج إلى منافسة حقيقية. والمحاكم تحتاج إلى مزيد من الاستقلال. والبرلمان يحتاج إلى سلطة فعلية. والحكم المحلي يحتاج إلى أن يصبح أكثر من مجرد امتداد إداري للسلطة المركزية، ولا يتطلب أي من هذه الإصلاحات بالضرورة تدمير الدولة، بل إن مؤسسات الدولة القوية يمكن أن تصبح عامل قوة إذا وُضعت هذه القدرة المؤسسية تدريجيًا ضمن إطار دستوري أكثر خضوعًا للمساءلة.

وتزداد أهمية هذا التمييز بعد الحرب. فالصراع في السودان لم يؤدِ فقط إلى نزوح ملايين الأشخاص، بل ألحق أضرارًا بالبنية التحتية العامة وأضعف القدرة المؤسسية التي ستعتمد عليها الحكومة الديمقراطية في المستقبل. وقد حذرت الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن الحرب فرضت تكاليف اقتصادية وإنمائية هائلة، ما يجعل إعادة الإعمار والتعافي المؤسسي أمرين لا ينفصلان عن المستقبل السياسي للبلاد.

الديمقراطية ليست مجرد نقيض للديكتاتورية

وهذا يثير سؤالًا مهمًا: هل يجب أن يأتي التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط بالضرورة عبر الثورة؟

ربما لا، فقد أظهرت تجربة الانتفاضات العربية أن إسقاط الحاكم المستبد لا يؤدي تلقائيًا إلى الديمقراطية. فقد تضعف المؤسسات السياسية، ويشتد الاستقطاب الاجتماعي، وتبدأ الجماعات المتنافسة في الاقتتال من أجل السيطرة على الدولة، لذلك، فالديمقراطية ليست ببساطة نقيض الديكتاتورية.

إن الانتقال بين الاثنين بالغ الأهمية، فقد تطيح دولة بحاكم مستبد، ومع ذلك تفشل في إنشاء حكم ديمقراطي، وقد تجري انتخابات وتظل استبدادية. وقد تكتب دستورًا جميلًا، بينما تظل الأجهزة الأمنية تعمل فوق القانون، ولهذا يجب فهم الانتقال الديمقراطي باعتباره بناءً للمؤسسات، لا مجرد استبدال للنظام، وقد يكون الإصلاح التدريجي، في بعض البلدان، أكثر استدامة من القطيعة السياسية. لكن التدرج يجب ألا يتحول إلى كلمة أخرى تعني التأجيل.

فهناك فرق عميق بين الدمقرطة التدريجية والاستبداد الدائم. فالدمقرطة التدريجية تعني أن المجال السياسي يتسع بمرور الوقت، وأن المواطنين يكتسبون مزيدًا من الحرية، لا مجرد وعود بحرية مستقبلية. وتعني أن المعارضة السياسية تصبح أكثر شرعية، والمجتمع المدني أكثر استقلالًا، والمحاكم أكثر استقلالية، والحكومة أكثر خضوعًا للمساءلة.

اتجاه الحركة مهم، فلا تستطيع حكومة أن تدّعي أنها تمضي نحو الديمقراطية لمجرد أنها تعد بالإصلاح، بينما تواصل في الوقت نفسه إغلاق المجال السياسي.

الديمقراطية تتطلب حكومة كفؤة

الحياة الاقتصادية أيضًا لا تنفصل عن السياسة الديمقراطية، فالديمقراطية لا يمكن أن تصمد إذا ربط المواطنون الحرية السياسية بالانهيار الاقتصادي، وانعدام الأمن، والفوضى المؤسسية. ويحتاج الناس إلى الاعتقاد بأن الحكومة الديمقراطية يمكن أن تكون أيضًا حكومة كفؤة.

إنهم يحتاجون إلى مدارس ومستشفيات وكهرباء وفرص عمل ومحاكم وبنية تحتية وخدمات عامة تعمل بكفاءة. ويحتاجون إلى معرفة أن المساءلة لا تعني الشلل، وأن المنافسة السياسية لا تعني تدمير الدولة، لذلك، لا ينبغي تقديم الحرية السياسية والأمن الاقتصادي باعتبارهما عدوين. فالديمقراطية الناجحة يجب أن توفر كليهما، وهذا سبب آخر يجعل نسخ نموذج خارجي أمرًا غير مرجح للنجاح.

لقد طورت الولايات المتحدة مؤسساتها السياسية في ظروف لا يمكن ببساطة إعادة إنتاجها في أماكن أخرى. فنظامها الرئاسي، وهيكلها الفيدرالي، وترتيباتها الانتخابية، وأحزابها السياسية، وتقاليدها الدستورية، كلها نشأت من تجربة تاريخية محددة.

السودان لا يحتاج إلى أن يصبح أمريكا، ولا ينبغي فهم الديمقراطية على أنها تحوّل ثقافي إلى النمط الغربي، فالأسئلة الديمقراطية الأساسية أبسط بكثير: من يملك الحق في ممارسة السلطة السياسية؟ كيف يمكن تحدي هذه السلطة؟ ما الذي يمنع أصحاب السلطة من أن يصبحوا غير خاضعين للمساءلة بصورة دائمة؟

يمكن للمجتمعات المختلفة أن تجيب عن هذه الأسئلة من خلال ترتيبات مؤسسية مختلفة، فقد يختار السودان الديمقراطي مستقبلًا نظامًا برلمانيًا بدلًا من نظام رئاسي على الطريقة الأمريكية. وقد ينشئ حكومات إقليمية أقوى بسبب تنوعه الجغرافي والاجتماعي. وقد يطور ترتيبات دستورية تعترف بأهمية الهياكل المجتمعية المحلية والتقليدية، مع ضمان بقاء جميع المواطنين متساوين أمام القانون، وقد تختار بلدان أخرى نماذج مختلفة تمامًا، تبعًا لتاريخها ومؤسساتها وواقعها الاجتماعي، ويجب أن تنشأ التفاصيل المؤسسية من التفاوض السياسي داخل كل دولة، أما المبدأ الذي لا ينبغي أن يكون قابلًا للتفاوض، فهو أن السلطة السياسية خاضعة للمساءلة أمام المواطنين.

المسألة العسكرية

ولهذا أيضًا تحتل المسألة العسكرية موقعًا محوريًا، ففي العديد من دول المنطقة، قدمت المؤسسات العسكرية تاريخيًا نفسها بوصفها حارسة للوحدة الوطنية والاستقرار. ويصبح هذا الخطاب أكثر قوة عندما تخشى المجتمعات الإرهاب، أو الحرب الأهلية، أو التدخل الأجنبي، أو الانهيار الاقتصادي، لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الدولة القوية والجيش غير الخاضع للمساءلة.

فالدولة تحتاج إلى مؤسسات أمنية محترفة، لكنها لا تحتاج إلى جيش يقرر من يحكم، ولذلك يتطلب الإصلاح الديمقراطي إصلاح قطاع الأمن، لكن ليس بالضرورة تدمير المؤسسة العسكرية. وينبغي أن يكون الهدف تحويل القوات المسلحة إلى مؤسسات وطنية محترفة تعمل تحت سلطة مدنية دستورية، فأفراد القوات المسلحة يظلون مواطنين، لكن المؤسسات العسكرية لا ينبغي أن تمتلك حق النقض السياسي على الحكومة المدنية. وينطبق المبدأ نفسه على الفاعلين المسلحين من غير الدول، ولا يستطيع السودان أن يصبح ديمقراطيًا ما دامت مراكز القوة المسلحة المتنافسة قادرة على رفض النتائج السياسية بالقوة.

وعليه، يتطلب الانتقال آليات يمكن من خلالها إدماج الجماعات المسلحة تدريجيًا في هيكل أمني وطني موحد، أو تسريحها، أو إعادة دمجها في الحياة المدنية، لكن هذه العملية لا يمكن أن تقتصر على مطالبة الجماعات المسلحة بالاختفاء، بل يجب أيضًا معالجة المظالم السياسية والاقتصادية والإقليمية التي جعلت التنظيم المسلح خيارًا جذابًا في المقام الأول، فنزع السلاح من دون إصلاح سياسي قد يؤدي ببساطة إلى خلق دورة أخرى من الصراع.

العدالة بعد الحرب

العدالة مهمة بالقدر نفسه، فالمجتمعات الخارجة من الحروب غالبًا ما تواجه إغراء نسيان الماضي باسم الاستقرار. وقد تكون التسويات السياسية ضرورية في بعض الأحيان. لكن الإفلات الدائم من العقاب يمكن أن يدمر أسس الديمقراطية المستقبلية، فإذا اعتقد المواطنون أن أصحاب النفوذ يستطيعون ارتكاب الفظائع، أو نهب الموارد العامة، أو إساءة استخدام مؤسسات الدولة من دون عواقب، فإن المؤسسات الديمقراطية تتحول إلى مجرد مسرح سياسي.

ولا تعني العدالة بالضرورة العقاب الجماعي، فقد تعني تحقيقات موثوقة، ومحاكم مستقلة، والبحث عن الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمانات بعدم تكرار الانتهاكات، فالهدف ليس الانتقام.

بل إرساء قاعدة سياسية جديدة: لم تعد السلطة تضع أي شخص فوق القانون، ويكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في السودان. فقد وثقت تحقيقات الأمم المتحدة انتهاكات خطيرة ارتكبتها كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بما في ذلك الهجمات على المدنيين، والقتل غير المشروع، والعنف الجنسي، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وتدمير البنية التحتية المدنية، ولذلك، ستحتاج أي تسوية سياسية موثوقة بعد الحرب إلى معالجة مسألة المساءلة، بدلًا من تأجيلها إلى أجل غير مسمى، لكن يجب التمييز بين العدالة والانتقام السياسي.

فإذا تحولت العدالة الانتقالية إلى آلية تقوم من خلالها كل حكومة جديدة بتجريم أسلافها وخصومها بصورة دائمة، فإن المنافسة السياسية ستتحول مرة أخرى إلى مسألة وجودية، والهدف، بدلًا من ذلك، ينبغي أن يكون إنشاء مؤسسات قانونية مستقرة وقابلة للتنبؤ، قادرة على مساءلة الأفراد وفقًا للقانون.

ويجب أن يكون المبدأ شاملًا للجميع، ولا ينبغي لأي منصب سياسي، أو رتبة عسكرية، أو ثروة، أو انتماء إثني، أو موقع مؤسسي، أن يضع أي فرد بصورة دائمة فوق القانون.

المجتمع المدني أساس الديمقراطية

يتطلب الانتقال الديمقراطي أيضًا إنشاء مجتمع مدني مستقل بحق، فالأنظمة الاستبدادية غالبًا ما تضعف المجتمع عبر جعل المواطنين معتمدين على الدولة. وتصبح النقابات والاتحادات المهنية خاضعة للسيطرة، وتُقيّد المنظمات المستقلة، ويتعرض الصحفيون للترهيب، وتُمنع الأحزاب السياسية من بناء جذور اجتماعية حقيقية، ويجب أن يعكس الانتقال الديمقراطي هذه العلاقة، فالمواطنون يحتاجون إلى منظمات يستطيعون من خلالها التعبير عن مصالحهم بصورة مستقلة عن الحكومة. والعمال يحتاجون إلى نقابات حقيقية.

والصحفيون يحتاجون إلى استقلال مهني. والجامعات تحتاج إلى مساحة فكرية، كما تحتاج النساء والشباب إلى منظمات سياسية يستطيعون من خلالها أن يصبحوا قادة، لا مجرد رموز للمشاركة، وهذا مهم لأن الديمقراطية ليست مجرد علاقة بين المواطنين والدولة، بل هي أيضًا علاقة بين المواطنين أنفسهم، فالمجتمع الديمقراطي هو المجتمع الذي يمتلك فيه الناس القدرة على التنظيم من دون انتظار إذن الحكومة.

وربما يكون ذلك في نهاية المطاف أعمق معنى لبناء الديمقراطية من الداخل، فالهدف لا ينبغي أن يكون إنشاء مجتمع يبدو ديمقراطيًا لأنه يستوفي قائمة معايير دولية، بل ينبغي أن يكون الهدف إنشاء مواطنين ومؤسسات قادرين على الدفاع عن الديمقراطية عندما تصبح البيئة السياسية صعبة.

السيكولوجيا السياسية للديمقراطية

إن الديمقراطية في نهاية المطاف هي ثقافة سياسية بقدر ما هي نظام دستوري، فالمجتمع يصبح أكثر ديمقراطية عندما لا يعود فقدان السلطة يُنظر إليه باعتباره كارثة وجودية. وهذه واحدة من أعمق المشكلات التي تواجه مراحل الانتقال السياسي.

ففي الأنظمة الاستبدادية، قد تخشى النخب الحاكمة أن يعني فقدان السلطة فقدان كل شيء. وقد يخشى الخصوم السياسيون السجن، أو الإقصاء الاقتصادي، أو العنف الجسدي. وقد يخشى القادة العسكريون الملاحقة القضائية. وقد تخشى الأقليات هيمنة الأغلبية، وفي ظل هذه الظروف، تتحول المنافسة السياسية إلى صراع صفري، يربح فيه طرف بقدر ما يخسر الطرف الآخر، وتتطلب الديمقراطية تغيير هذه المعادلة.

حيث يجب أن يتمكن الخاسرون سياسيًا من البقاء، ويجب ألا يتمكن الفائزون سياسيًا من تدمير خصومهم. ويجب أن يعرف الجيش أن الحكومة المدنية لن تستخدم السلطة السياسية لتفكيك القوات المسلحة لأغراض حزبية، ويجب أن تعرف أحزاب المعارضة أنها تستطيع انتقاد الحكومة من دون أن تُعامل باعتبارها عدوًا للدولة.

ويجب أن تعرف الأقليات أن حكم الأغلبية لا يعني هيمنة الأغلبية.

ولهذا فإن الديمقراطية الدستورية هي في نهاية المطاف نظام من الضبط المتبادل للسلطة، فالأغلبية لا تستطيع أن تفعل ما تشاء لمجرد أنها فازت في الانتخابات، والمعارضة لا تستطيع رفض كل انتخابات لمجرد أنها خسرتها، والجيش لا يستطيع التدخل لمجرد اعتقاده بأن السياسيين غير أكفاء، والحكومة لا تستطيع إسكات الصحفيين لمجرد أن انتقاداتهم غير مريحة، على الجميع أن يقبلوا حدودًا لسلطتهم، وهذا هو الأساس الحقيقي للحكم الديمقراطي.

ما الذي ينبغي للسودان أن يبنيه أولًا؟

بالنسبة إلى السودان، ينبغي ألا تكون الأولوية الفورية هي إجراء الانتخابات بأسرع ما يمكن، بل ينبغي أن تتمثل في إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وإقامة سلطة مدنية موثوقة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنشاء آليات للمساءلة، وبناء نظام دستوري تكون فيه القوة المسلحة خاضعة للسلطة المدنية.

وينبغي للمجتمع الدولي دعم عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية، بدلًا من التعامل مع الانتخابات باعتبارها المقياس الوحيد للتقدم السياسي، كما أكدت الأمم المتحدة الحاجة إلى إنهاء الأعمال العدائية بالتوازي مع مسار موثوق نحو عملية سياسية شاملة بقيادة مدنية.

وينبغي أن تكون الانتخابات تتويجًا لنظام سياسي قابل للحياة، لا بديلًا عن بناء هذا النظام، أما بالنسبة إلى البلدان التي تنتهج إصلاحًا ديمقراطيًا تدريجيًا، فالتحدي مختلف، ويتمثل في إعادة فتح المجال السياسي تدريجيًا، من دون السماح للخوف من عدم الاستقرار بأن يتحول إلى مبرر دائم للاستبداد.

لن تكون أي من العمليتين سهلة، ولن تكون أي منهما سريعة، ولا ينبغي قياس أي منهما ببساطة بعدد الانتخابات التي أُجريت، فالاختبار الحقيقي في نهاية المطاف هو: هل يحصل المواطنون على آلية سلمية لتغيير السلطة السياسية؟

دور المجتمع الدولي

وهذا يعيدنا إلى مسألة الدعم الخارجي، فلا ينبغي للفاعلين الخارجيين التخلي عن المجتمعات التي تحاول تحقيق تحول ديمقراطي. فالعزلة ستكون تصرفًا غير مسؤول، ويمكن للمنظمات الدولية تقديم الخبرة والموارد. ويمكن للمنظمات الإقليمية القيام بدور الوساطة. ويمكن للحكومات الأجنبية دعم إعادة الإعمار، والمساعدات الإنسانية، والتطوير المؤسسي، والتعافي الاقتصادي.

لكن يجب أن يظل الدور الخارجي داعمًا لا مسيطرًا، ويجب أن يقرر الشعب السوداني بنفسه معنى الديمقراطية السودانية، ويجب على شعوب البلدان الأخرى أن تقرر بنفسها معنى أنظمتها الديمقراطية، وينبغي أن تنبثق دساتيرها من حواراتها السياسية الخاصة، وأن تعكس مؤسساتها واقعها الاجتماعي، وأن تكون أحزابها السياسية خاضعة للمساءلة أمام مواطنيها، ويجب أن تأتي شرعيتها الديمقراطية من الداخل، يمكن للمجتمع الدولي أن يوفر الأدوات، لكنه لا يستطيع أن يوفر الملكية السياسية للعملية.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن أزمة السودان ليست داخلية بحتة. فالفاعلين الإقليميين والدوليين لديهم مصالح في السودان، كما أن التنافس الجيوسياسي الخارجي أثر في الصراع وتداعياته، ولذلك، فإن أي سلام مستدام يتطلب دبلوماسية دولية، لكن المشاركة الدولية يجب أن تعزز قدرة السودانيين على تقرير مصيرهم السياسي، لا أن تحل محلها.

ديمقراطية تستحق البناء

يعلّمنا تاريخ التحول الديمقراطي أن الديمقراطية نادرًا ما تُمنح في لحظة واحدة، إنها تُبنى تدريجيًا من خلال المؤسسات، والتسويات، والصراعات، والإخفاقات، والمحاولات المتجددة، وحتى الديمقراطيات الراسخة تظل مشاريع سياسية غير مكتملة، لذلك، لا ينبغي مطالبة الشرق الأوسط وأفريقيا ببساطة بتقليد نموذج غربي يُفترض أنه مكتمل.

بل ينبغي تشجيعهما على بناء أنظمة سياسية قادرة على حماية الكرامة، والحد من السلطة، وفرض المساءلة، وتمكين المواطنين من تشكيل مستقبلهم بأنفسهم، ولا ينبغي أن تقود مأساة السودان إلى استنتاج أن الديمقراطية مستحيلة بعد الحرب، كما لا ينبغي أن يقود الاستقرار الاستبدادي إلى استنتاج أن الحرية السياسية يجب دائمًا التضحية بها من أجل النظام.

فالدرس الحقيقي أكثر صعوبة: السلام من دون حكومة خاضعة للمساءلة قد يتحول إلى استقرار مؤقت. والانتخابات من دون مؤسسات قد تتحول إلى مسرح سياسي. والاستقرار من دون حرية قد يتحول إلى استبداد دائم. والتدخل الأجنبي من دون ملكية محلية للعملية قد ينتج تبعية.

لكن الديمقراطية التي تُبنى من خلال التنظيم السياسي الداخلي، والتوافق الدستوري، والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، وإعادة الإعمار الاقتصادي، وثقافة مدنية شاملة، يمكن أن تخلق شيئًا أكثر رسوخًا واستدامة، فالهدف في نهاية المطاف لا ينبغي أن يكون جعل السودان شبيهًا بالولايات المتحدة.

بل أن يصبح من الممكن للمواطن السوداني أن يستيقظ ذات صباح وهو يعرف أن الحكومة ملك للشعب؛ وأن القانون ينطبق على الأقوياء كما ينطبق على الضعفاء؛ وأن الاختلاف السياسي ليس جريمة؛ وأن خسارة الانتخابات ليست كارثة؛ وأن مستقبل البلاد لن تحدده البندقية، أو القصر، أو عاصمة أجنبية، بل سيحدده مواطنوها.

تلك هي الديمقراطية التي تستحق أن تُبنى، وربما يكون أهم شرط لتحقيقها هو أيضًا أبسطها: أن يتخيل الشعب الذي سيعيش في المستقبل الديمقراطي هذا المستقبل، وأن يتفاوض بشأنه، وأن يدافع عنه في نهاية المطاف.

Admin

القرن الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات: مؤسسة بحثية مستقلة، تأسست عام 2020 تقوم على إعداد البحوث والدراسات والتقديرات وأوراق السياسات، وتنظيم الفعاليات العلمية والأكاديمية وتقديم الاستشارات حول التفاعلات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية في منطقة القرن الأفريقي، وما يرتبط بها من تفاعلات إقليمية ودولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى